4 يوليو 2026
التصنيف : مقالات فقهية
لا تعليقات
93 مشاهدة

خواطر حول التقليد

بعد موت المرجع الدينيّ الشيخ إبراهيم جنّاتي

يتساءل كثيرٌ من المؤمنين عن تكليفهم في التقليد،

وهل يجب عليهم الرجوع إلى أحد المراجع الأحياء

للبقاء على تقليد المرجع الدينيّ السيد محمد حسين فضل الله؟

مضافاً إلى أسئلةٍ أخرى عن:

(تقليد الأعلم، بين الوجوب والعَدَم)؛

و(هل يجوز التبعيض في التقليد أو لا؟)

وللوقوف على الأجوبة الشافية عن هذه الأسئلة كانت

(خواطر حول التقليد)

تقليد الميّت ابتداءً

إنه لمن الخطأ المنهجيّ ـ في نظري ـ أن يستدلّ على جواز تقليد الفقيه الميت ـ ابتداءً أو استمراراً ـ بفتوى فقيهٍ حيٍّ تجيز ذلك، أي أن يُقال للناس: لكي تعرفوا جواز تقليد الفقيه الميت ابتداءً أو استمراراً فعليكم مراجعة رأي أحد الفقهاء الأحياء؛ فإن أجاز جاز؛ وإلا فلا؛ هذه مصادرةٌ، فالسؤال: هل يجوز تقليد الفقيه الميت؟ هو نفسه السؤال: هل يجب ويتعين تقليد الفقيه الحيّ، دون الميت؟ فإذا كان الجواب راجعوا وارجعوا حَصْراً إلى رأي الفقيه الحيّ فهذه مصادرةٌ، أي إلزامٌ بما لم يثبت بَعْدُ، أي بما نبحث عن حكمه، وهل هو واجبٌ ولازمٌ أو لا؟ فلا يصحّ أن يُبنى على أنه لازمٌ، وبالتالي ضرورة مراجعة الفقيه الحيّ…

وبعبارةٍ أخرى: إن مسألة تقليد الميت أو الحيّ هي مسألةٌ فكريّةٌ، لا يحتاج فيها المكلَّف إلى التقليد، وإلا ستلزم المصادرة، كما بيَّنّا. فحين يسأل المكلَّف: هل يجوز تقليد الميت؟ يأتيه الجواب بصيغة: (لا بُدّ أن نرى ما هو رأي أحد المراجع الأحياء في ذلك)، أو بصيغة: (انتظِرْ لنرى هل من الأحياء مَنْ يقول بالجواز؟ نعم هناك…؛ أو لا ليس هناك…

هذا هو عين المصادرة الممنوعة منطقياً؛ فلماذا تلزموننا برأي الحيّ ونحن لا زلنا نسأل عن وجوب تقليده؟ فلعلّ الجائز تقليد الميت.

إذن، المسألةُ فكريّةٌ نظريّةٌ، لا بُدَّ لكلّ مكلَّفٍ أن يحصِّل قناعةً فيها بفكره ونظره وتأمُّله وتدبُّره الشخصيّ الخاصّ، ثمّ يختار مرجعاً حيّاً أو ميتاً حَسْب ما اقتنع، ويعمل وفق فتاواه.

والنتيجة: لا ضرورة، بل لا يصحّ الاعتماد على الحيّ في سبيل معرفة حكم تقليد الميت. وإنما الصحيح أن هذه المسألة من البديهيّات التي يحصِّلها كلّ شخصٍ بنفسه، ولا داعي للتقليد فيها.

فليسأل نفسه: هل يموت العلم بموت العالم؟

إذن، مات علمُ محمّدٍ وعليٍّ والحسن والحسين(عم)…. بموتهم! وعليه لا يمكن الاعتماد على أحاديثهم ورواياتهم. وهذا ما لا يتفوَّه به مؤمنٌ عاقلٌ على الإطلاق.

فالصحيحُ أن العلم لا يموت بموت العلماء؛ فالذي يغيب هو أجسادهم، وأما علومهم فهي باقيةٌ، والتقليدُ في حقيقته رجوعٌ إلى العلم، وليس رجوعاً إلى العالم، فلا يتوقَّف على بقائه حيّاً.

والخلاصة: يجوز تقليد الميت بلا إشكالٍ… هذا ما يحكم به وعليه كافّة العقلاء، جعلنا الله وإيّاكم منهم، لا من غيرهم.

وبما أن المسألة محلّ جَدَلٍ في هذه الأيّام نقول مجدّداً؛ لمزيدٍ من التوضيح:

لا يجب تقليد الحيّ من العلماء، بل يجوز تقليد الميت منهم؛ فالفكر والعلم لا يموتان.

وفتوى أيّ مرجع (ولا سيَّما في العبادات وأغلب المعاملات) صالحةٌ لكلّ زمانٍ قادمٍ؛ إذ ليست خاضعةً للمستجدّات والمستَحْدَثات، وإنما هي أحكامٌ ثابتةٌ قارّةٌ في مدى الزمان.

إذن، العلم لا يموت، والفكر لا يموت، والفتوى لا تموت حتّى لو مات المفتي، وإلاّ فعلم النبيّ(ص) والأئمّة(عم) يموت أيضاً بموتهم، وعلينا أن نبحث عن علومٍ أخرى نأخذها من أحياء.

هكذا هو حال كلّ العلوم؛ فالحقائق العلميّة التي توصَّل إليها علماء الفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة و… القدامى لا تموت، فتبقى آراء أنشتاين ونيوتن و… حيّةً، حتّى لو مضَتْ مئات السنين على موتهم.

ولئن قيل بأن هذه النظريّات تتطوَّر، فكأنّ القديمة ماتَتْ وحلَّتْ محلَّها الجديدةُ، فهذا من باب أن النظريّات العلميّة المادِّية خاضعةٌ للتجربة، التي قد تثبت خطأ بعضها، وهكذا تتبدَّل بسبب الخطأ.

أما في الفتاوى الشرعيّة فلن يستطيع أحدٌ إثبات خطئها ١٠٠% قبل ظهور آخر الأئمّة أبي القاسم محمّد بن الحسن المهديّ المنتظر(عج)، والاطِّلاع منه على حكم الله الواقعيّ…

ولقائلٍ أن يتساءل: ما بال العلماء الذين يقولون بجواز تقليد الميت قليلين، بل نادرين؟! أليس في هذا ما يوحي بأنه لا يجوز تقليد الميت، ويتعيَّن تقليد الحيّ؟

ولتوضيح الأمر أذكر أمران:

يُنقل عن المرجع الدينيّ السيد الشهيد الصدر الأوّل (السيد محمد باقر الصدر) أنه كان يرى تقليدَ الميت ابتداءً أمراً جائزاً ولا مانع منه، بشرط أن يكون المرجع منتمياً إلى آخر حقبةٍ علميّةٍ في هذا العلم. ويُدَّعى أن هذا هو مفاد السيرة العقلائيّة في المقام. لكنّ السيد الصدر نفسه يضيف هاهُنا بأن هناك لازمًا فاسدًا من الإرجاع إلى الميت ابتداءً ولو كان أعلم، وهو أنّه يلزم من الرجوع إلى المرجع الميّت تقويض عمل المرجع الحيّ، ولهذا امتنع الشهيد الصدر عن الإفتاء بجواز تقليد الميت، وإن كان يرى الجواز والصحة على مستوى البحث العلميّ.

لقد كان المرجع الدينيّ السيد محمد حسين فضل الله يقول في أوّل مرجعيّته بجواز تقليد الميت ابتداءً؛ إذ إن العلم لا يموت، والفكرة هي الفكرة، لا تموت بموت صاحبها، والتقليد هو رجوع الجاهل إلى العالم، هو خروجٌ من حالة الجهل إلى حالة العلم، وهو يتحقق بالرجوع إلى الفتوى والفكرة، ولو كان صاحبها قد مات. ثم فجأةً عدل عن ذلك، وصارت فتواه وجوب تقليد الحيّ، وعدم جواز تقليد الميت، فسألتُه شخصيّاً عن ذلك، فقال لي بالحرف: شيخنا، ليس هناك دليلٌ على عدم الجواز، ولكنْ أنا برقبتي (ووضع يده اليمنى على رقبته) ٢ مليون دولار ميزانيّة جمعيّة المبرّات للأيتام، فمن أين آتي بها إذا بقي المؤمنون يقلِّدون السيد الخوئي والسيد الخميني و…؟!

إذن، فتوى الفقهاء بلزوم دفع الخمس والحقوق الشرعيّة لمرجع التقليد دون سواه ستحول دون دفع مقلِّدي السيّدين الخوئي والخميني وغيرهما الحقوق للسيّد فضل الله وغيره من الفقهاء الأحياء آنذاك، لذلك تجد الفقهاء يفتون بعدم جواز تقليد الميت، رغم عدم الدليل العلميّ عليه.

السيد فضل الله كان جريئاً، وكشف المستور والمخفيّ، وهو أنه لا دليل، ولكنّ المصلحة العامّة وحفظ كيان المرجعيّة، وإدامة العمل الرعائيّ…، كلّ ذلك استوجب التضييق على المكلَّف وإلزامه بتقليد الحيّ، فهو يجوز له أن يقلِّد الميت والحيّ، ولكنْ للأسباب المتقدِّمة نمنعه من تقليد الميت، ونحصر تقليده بالحيّ…

وأرجو أن يكون هذا المقدار كافياً ووافياً لتوضيح الصورة جيّداً.

تقليد الفقيه الأعلم

وكذلك هي الحالُ تماماً في مسألة وجوب تقليد الفقيه الأعلم أو عدم وجوبه وجواز تقليد غير الأعلم، فلا يصحّ منهجيّاً أن يُقال: انظروا وراجعوا وارجعوا إلى رأي هذا الفقيه الأعلم؛ لإثبات الوجوب أو عدمه؛ إذ عند طرح ذلك السؤال لم يكن ثابتاً وجوبُ تقليد الأعلم بَعْدُ، وإنما يُبْحَث عن الحكم (الوجوب أو عدمه)، فالإلزامُ بتقليد الأعلم، ولو في هذه المسألة فقط؛ لمعرفة حكم بقيّة مسار التقليد، وهل يتعيّن أن يكون هذا المسار مع الأعلم أو يجوز أن يكون مع غير الأعلم؟ هو إلزامٌ بما لم يثبت بَعْدُ، وهذه هي المصادرةُ الممنوعةُ والمرفوضةُ منطقيّاً.

التبعيض في التقليد

وكذلك هي الحالُ أيضاً في مسألة التبعيض في التقليد:

فعلى القول بلزوم تقليد الأعلم، وكون الأعلم واحداً الفقهاء فقط، لا يجوز التبعيض، وهذا من الواضحات.

لكنْ لو تساوى أكثر من فقيهٍ في الأعلميّة، أو قلنا بعدم وجوب تقليد الأعلم ـ وإنما يكفي الرجوع إلى أيّ مجتهدٍ فقيهٍ حائزٍ على مَلَكة وطاقة وقدرة الاستنباط للحكم الشرعيّ بعد النظر والتحقيق في الأدلّة الشرعية الأربعة، وهي: القرآن الكريم، والسُّنّة الشريفة (ما ثبت عن النبيّ والأئمّة من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ)، والإجماع (على فرض تحقُّقه وكشفه، وهذه مطالب تخصُّصيّة تفصيلُها في محلّه)، والعقل (القطعيّ) ـ، في هاتين الحالتين (التساوي في الأعلميّة أو القول بعدم وجوب تقليد الأعلم) يقع البحث حول مسألة جواز التبعيض وعدمه، أي هل يجوز للمكلَّف أن يأخذ من أحد الفقهاء بعض المسائل الشرعيّة، ويأخذ من فقيهٍ آخر بعضاً آخر، وهكذا…، وربما يصل الأمر أن يأخذ أحكام دينه من عشرة فقهاء؛ فأحكام الصلاة من فقيهٍ؛ وأحكام الصوم من فقيهٍ؛ وأحكام الحجّ من فقيهٍ؛ وهكذا… فما دام كلُّ واحدٍ من هؤلاء فقيهاً، وآراؤه حجّةً للمكلَّف أمام الله؛ إذ لو أراد تقليد الأوّل في كلّ الأحكام أجزأه، ولو أراد تقليد الثاني في جميع المسائل الشرعية أجزأه…، وهكذا في الثالث والرابع و…؛ إما لتساويهم في الأعلميّة أو لعدم وجوب تقليد الأعلم، فحتى مع تفاوتهم في العلم (أي كون أحدهم أعلم من الآخرين، وكذلك أحد الآخرين أعلم من غيره، …إلخ) يجوز الرجوع إلى أحدهم، والمكلَّف مخيَّرٌ بينهم، فلماذا لا يجوز أن يأخذ من أحدهم أحكام الصلاة فقط، ومن آخر أحكام الصوم فقط، ومن ثالثٍ أحكام الحجّ فقط، …إلخ؟ وهل يشترط في صحّة أخذ أحكام الصلاة مثلاً أن تكون بضميمة أحكام الصوم أو بضميمة أحكام الحجّ…؟ حَتْماً لا شرط من هذا القبيل.

بل يمكن ـ بناءً على ما تقدَّم من عدم وجوب تقليد الفقيه الأعلم ـ أن نقول: إن التعرُّفَ على جواز التبعيض أو عدمه من خلال الرجوع إلى فقيهٍ هو أمرٌ غيرُ عقلائيٍّ؛ إذ إن الرجوع إلى هذا الفقيه بعَيْنه (وهو القائل بالجواز أو عدم الجواز) ـ ولو مع الأعلميّة، فضلاً عن التساوي في العلم ـ ليس متعيِّناً؛ حيث يجوز الرجوع إلى فقيهٍ آخر (وهو القائل بما يخالف الأوّل: عدم جواز أو جواز)، فلماذا تمّ ترجيح أحد الفقيهَيْن؟ ولماذا تَمَّ اختيار هذا الفقيه دون ذاك؟

نعم، يجب هنا أن لا يستلزم التبعيض المخالفةَ القطعيّة لحكم الله، كأنْ يكون المرجع في أحكام الصلاة يفتي بوجوب القصر في الصلاة إذا قطع مسافة ٢١ كلم مثلاً، وأما المرجع في أحكام الصوم فيفتي بوجوب الصوم على مَنْ قطع ٢١ كلم، وأنه لا يجوز له الإفطار إلا إذا قطع ٢٢ كلم مثلاً، فهنا المكلَّف يعلم قطعاً بحصول مخالفةٍ منه لحكم الله؛ إذ لو قطع ٢١ كلم فقط وجب عليه القصر بمقتضى تقليده الأوّل، ووجب عليه الصوم وحرم عليه الإفطار بمقتضى تقليده الثاني، ومن المعلوم تلازم حكم القصر والإفطار للمسافر، فالذي يجب عليه الإفطار يجب عليه التقصير (وقد يجوز فقط، كما في أماكن التخيير الأربعة: مكّة والمدينة وكربلاء (الحَرَم الحسيني) والكوفة (مسجد الكوفة)، والذي يجب عليه التقصير يجب عليه الإفطار، فهنا التزامُ المكلَّف بفتوى كلا المرجعين يوقعه في المخالفة القطعيّة؛ إذ يعلم يقيناً وجَزْماً بأنه في حال كون الصيام واجباً ـ كما هي فتوى الفقيه الثاني؛ لأنه ليس بمسافرٍ ـ فإن الصلاة يجب قَطْعاً وجَزْماً ويقيناً أن تكون تماماً، لا قصراً، فكيف سيصلّيها قصراً؟! وفي حال كون الصلاة قَصْراً ـ كما هي فتوى الفقيه الأوّل؛ لأنه مسافرٌ ـ فإن الصيام ليس واجباً، والإفطار ليس حراماً، بل هو المتعيِّن قَطْعاً وجَزْماً، فكيف يبقى صائماً (ناوياً للصيام) وممتنعاً تقرُّباً لله عن تناول المفطرات؟!

إذن، في مثل هذه الحال المكلَّفُ المبعِّضُ يعلم جازماً ببطلان أحد العملَيْن، وكونه قد خالف حكمَ الله الواقعيّ فيه، وهذا أمرٌ قبيحٌ ومرفوضٌ، ولا يجوز الإقدام عليه، ولكنّ موارده ليست كثيرةً، فيمكن للمكلَّف المتفقِّه الواعي أن يتجنَّب المخالفة في هذه الموارد بيُسْرٍ وسهولةٍ، من خلال تقليد فقيهٍ واحد فقط لا غير، ويلتزم بالتبعيض في غير هذه الموارد.

وزبدة المقال

بعد التحقيق والتدقيق، وصلتُ إلى قناعةٍ تامّةٍ في مسائل ثلاث:

(١) لا يجب تقليد الحيّ من الفقهاء، بل يجوز تقليد الميت، ولو ابتداءً.

(٢) لا يجب تقليد الأعلم، بل لا يمكن تشخيصه، وإنما يجب تقليد فقيهٍ عالمٍ مجتهدٍ واعٍ ملمٍّ بشؤون الحياة.

(٣) لا يجب الحصر في التقليد، وإنما يجوز التبعيض بين أحياءٍ أو أمواتٍ، وحتى لا يشترط تخصيص كلّ فقيهٍ مقلَّد ببابٍ كاملٍ، كالصلاة والصوم و…، بل يجوز التبعيض بأوسع نطاقه.

وكذلك يجوز العدول في التقليد.

ما لم يبلغا حَدَّ المخالفة القطعيّة، كأنْ يقلِّد اليوم مَنْ يقول بقصر الصلاة في الموضع الفلاني، ويقلِّد غداً مَنْ يقول بالتمام في نفس الموضع، فإذا صلّى القصر والتمام فهو عالمٌ قَطْعاً بأن إحداهما مخالفةٌ للواقع عند الله، فهذا ممنوعٌ، وما عداه جائزٌ لا مشكلة فيه.

وما ذكرتُه هاهُنا من المسائل الثلاث فهي بنظري ممّا لا يجب، بل لا يصحّ فيها التقليد؛ إذ ستلزم منه المصادرة بل لا بُدَّ للمكلَّف؛ بمقتضى عقله ووَعْيه، أن يحدِّد مسارَه فيها، وتحديدُه هذا حجّةٌ على نفسه، دون غيره.



أكتب تعليقك