1 نوفمبر 2022
التصنيف : قراءات
لا تعليقات
117 مشاهدة

العدد المزدوج (59 ـ 60) من مجلة الاجتهاد والتجديد، خلاصاتٌ ونتائج

تمهيدٌ

دوحةٌ غنّاء من المقالات المتنوِّعة،

في الفقه والأصول والحديث،

وسائر مجالات الفكر والمعرفة،

ومراجعات الكتب، والمناقشات،

بأقلامٍ بحثيّة واعدة،

وأهدافٍ رساليّة واضحة،

مع الرعاية التامّة لأصول البحث العلميّ

في المنهج، والمنهجيّة، والتوثيق،

وأن لا تكون منشورةً من قبلُ

إنّها مجلّة (الاجتهاد والتجديد)

الفصليّة الورقيّة والإلكترونيّة

www.nosos.net

mdohayni@hotmail.com

 

كلمة التحرير: الوحدة الإسلاميّة بين خوف التلاشي ورجاء التلاقي

الكاتب: محمد عبّاس دهيني

مهما غالى به بعضٌ أو استخفّ به آخرون يبقى هو العنوان الأهمّ في مسار الحركات الإسلاميّة الواعية، والتائقة لنجاة وخلاص الأمّة. ففي حَمْأة التحريض الطائفيّ والمذهبيّ المُتبادَل، والذي توسَّعَتْ دائرتُه، ودخل إلى كلِّ بيتٍ، عبر شاشاتِ قنوات الفتنة وبثّ الفِرْقة بين المواطنين، على اختلاف أديانهم، بل بين المسلمين أنفسِهم، بل رُبَما وصل الأمر إلى تحريض الأخ على أخيه في المذهب الواحد؛ لتباينٍ في بعض الآراء والأفكار والرُّؤى هنا وهناك، في مثل هذه الظروف لا يَجِدُ الداعيةُ والمبلِّغ مَفَرّاً من التركيز في كلِّ مناسبةٍ على موضوع الوحدة بين المسلمين، والتعايش بين أهل الأديان السماويّة كافّةً، وصولاً إلى التواصل بين الأمم والشعوب على اختلاف انتماءاتها العَقْديّة والسُّلُوكيّة.

أَلَمْ يقرأْ المسلمون في كتاب الله العزيز ما يدعوهم إلى الوحدة فيما بينهم؟! فلماذا يخشَوْن الوحدة الحقيقيّة الكاملة؟! لعلّهم يختلفون في ماهيَّتها ومفهومها. فماذا تعني الوحدة بين المسلمين؟

الوحدة بين المسلمين، الماهيّة والمفهوم

تُتصوَّر للوحدة الإسلاميّة عدّةُ معانٍ:

1ـ فالبعض يحاول ربط مفهوم الوحدة بمفهوم الأُخوّة، وكأنّه يستلهم ذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10).

وهذا المعنى يستلزم أن يكون المسلمُ سَنَد المسلم في المُلِمّات والشدائد، بعيداً عن أيّ تحريضٍ وعداوةٍ وبغضاءَ وعصبيّةٍ وصراعٍ.

2ـ ويذهب آخرون إلى اعتبار قوام الوحدة الإسلاميّة في أن يكون للمسلمين جميعاً نظامُ حكمٍ واحدٌ، سواء أسمَيْناه (الخلافة) أو (الدولة).

3ـ ويشير قسمٌ ثالث إلى أنّ معنى الوحدة الإسلاميّة أن لا يكون هناك سُنِّيٌّ وشيعيّ، بل جمعٌ من المسلمين، لا يتميَّزون عن بعضهم.

وأعتقد أنّ المعنيين الأخيرين هما اللذان شكَّلا ويشكِّلان مانعاً أمام السعي الجادّ للوحدة بين المسلمين.

ـ ما معنى أن يكون للمسلمين جميعاً نظامُ حكمٍ واحدٌ؟ قد يكون هذا الطَّرْح   ـ للوَهْلة الأولى ـ جَذّاباً، ولكنّه بعد تأمُّلٍ وتفكير سيُشكِّل هاجساً مخيفاً لكلِّ مَنْ يرى أنّه أقلِّيّةٌ عَدَديّة يمكن أن تذوب وتتلاشى في مثل نظامٍ كهذا.

إذن فَلْيَبْقَ الشِّعار، ولكنْ لا لأيِّ ترجمةٍ عمليّةٍ له.

ـ ماذا يعني أن لا يكون هناك شيعيٌّ وسُنِّيّ؟ هذا يعني دعوةً غيرَ صريحة لتخلّي السنّيّ عن معتقداته والأحكام الشرعيّة التي نشأ عليها، وورثها عن أسلافه منذ زمنٍ بعيد.

وهكذا هي دعوةٌ مبطَّنةٌ للشيعيّ كي يتخلّى عن منظومته الفكريّة، في العقيدة والشريعة، مُهْمِلاً كلَّ ما بذله العلماءُ الماضون من جُهْدٍ في تأسيس وتأصيل هذه الأفكار والمبادئ.

إذن سيسود جرّاء هذا التفسير للوحدة الإسلاميّة هاجسُ الفناء والتلاشي والقضاء الاختياريّ على الذات، وبالتالي لم ولن نشهد جُهْداً كافياً لتحقيق الوحدة الواقعيّة بين المسلمين.

والحَقُّ أنّ الوحدة الإسلاميّة ليست بالمعنيَيْن المذكورَيْن.

فنحن اليوم نعيش عصر الدُّوَل المستقلّة، ولا أُفُقَ لأيِّ حديثٍ عن دولةٍ إسلاميّة واحدة، أو نظامِ خلافةٍ شاملٍ لكلِّ بلاد المسلمين.

كما أنّ الشيعيّ لن يتخلّى عن تشيُّعه، وكذلك السُّنِّيّ. وليس مطلوباً منهما ذلك.

وإنّما كانت الدعوة إلى الوحدة بين المسلمين، والتعايش بين أهل الأديان كافّةً، والتواصل الحضاريّ بين البشر جميعاً، لبناء مجتمعٍ يقِلّ أو يكاد ينعدم فيه الخلاف، وإنْ بقي الاختلاف، وتزول منه الصراعات والحروب.

إذن ليس المطلوب أن نتناسى ما نختلف فيه، كمسلمين، أو كأتباع مذهبٍ واحدٍ نختلف في عقيدةٍ هنا وحكمٍ شرعيّ هناك، وإنّما المطلوبُ تنظيمُ هذا الاختلاف، بحيث لا يؤدّي إلى الخلاف والتقاتل، والتلاعن، والتكفير، والتضليل، والتراشق بالتُّهَم ـ وأغلبُها باطلٌ، وليس بثابتٍ على الطَّرَف الآخر، وإنّما هي نتاج الوَهْم والاشتباه والخطأ في الفَهْم؛ بسبب العصبيّة المقيتة ـ.

إنّ الاختلاف في الرأي والاجتهاد حقٌّ مشروعٌ، ما لم يكن قِبال نصٍّ إلهيّ أو نَبَويّ أو وَلَويّ معصومٍ، فينبغي أن يُتَّبَع.

ولكنَّ الممنوع والمحظور أن يَصِلَ الاختلاف إلى حالةٍ من الخلاف والتخالف والتخلُّف، بحيث يتنافرون، ويتقطَّعون أمرهم، ويقتُل بعضُهم بعضاً.

وقد يسأل البعضُ: إلامَ تهدفون من الدعوة إلى الوحدة الإسلاميّة؟ أليس انتصارُ هذا المذهب أو ذاك، وكلٌّ يعتبر نفسه على حقٍّ وهدى، كافياً لبناء المجتمع الصالح المَرْضِيّ لله عزَّ وجلَّ؟

وللحديث حول الهدف من تحقيق الوحدة الإسلاميّة، وآليّات ترسيخها، تتمّةٌ تُراجَعْ على صفحات المجلّة.

 

دراسات

الدراسة الأولى: رأي الأكثريّة، بين الاعتبار العقليّ والشرعيّ / القسم الأوّل

الكاتب: الشيخ مسعود إمامي؛ المترجم: د. حسن طاهر / د. علي الرضا عيسى

في عالم اليوم أصبح الرجوع إلى الرأي العام، وتفضيل رأي الأكثرية في اتّخاذ القرارات الجماعية، قيمةً عالمية. في أغلب الدول يتمّ اختيار نوع الحكومة، القانون الأساسي، أعلى منصب في الدولة، أعضاء مجلس النواب، بناءً على رأي الأكثرية. اتّخاذ القرار في المجالس والمجامع يتمّ أيضاً على أساس تفضيل رأي الأكثريّة. قاعدة اعتبار رأي الأكثرية ساريةٌ حتّى في الكثير من التجمُّعات الصغيرة والعائلية. وأعضاء مجمعٍ ما يعملون برأي الأكثرية في الأمور الخلافية التي تخصّ الأعضاء، وذلك بعد أخذ آراء الجميع.

ونظام الجمهورية الإسلاميّة أيضاً ليس مستثنىً من هذه القاعدة. وتُتَّخذ أهمّ القرارات الجماعية فيها، مثل: اختيار نوع الحكومة، القانون الأساسي، الوليّ الفقيه، رئيس الجمهورية، ونواب مجلس الشورى الإسلاميّ ومجلس الخبراء، على أساس اعتبار رأي الأكثرية.

واليوم، تعتبر وجهة نظر الإسلام حول الرجوع إلى الرأي العامّ، وتفضيل رأي الأكثرية، ومجال اعتمادها، الشغل الشاغل للكثير من المسلمين. وقد أنجز المفكِّرون المسلمون وغير المسلمين أبحاثاً مختلفة في هذا المجال، وقدَّموا وجهات نظر متباينة أيضاً في هذا الصدد.

إن الوصول إلى وجهة نظر الإسلام في هذا الشأن مسألةٌ في غاية الأهمّية بالنسبة إلى الشعب الإيراني ونظام الجمهورية الإسلامية، الذين يحاولون أن يعيشوا في ظلّ حكومةٍ قائمة على تعاليم الإسلام.

في ما يتعلَّق باعتبار أو عدم اعتبار رأي الأكثرية يوجد قولان على الأقلّ: مؤيّدٌ؛ ومعارِضٌ. ولكنْ بتأمُّل وجهات نظر المؤيِّدين والمعارضين نستنتج أن لديهم قواعد مختلفة، ولا يمكن اعتبار جميع الموافقين أو المخالفين أصحاب نظريّةٍ واحدة. رُبَما بحَسَب رأي البعض يكون رأي الأكثرية معتبراً وصحيحاً من جهةٍ، وغير معتبرٍ من جهةٍ أو جهاتٍ أخرى. لذلك تلعب الأسس والمرتكزات التي يعتمدون عليها دَوْراً رئيساً في تحليل وجهات النظر، وما يتبعها من نقدٍ ودراسة لها. ومن هذا المنطلق يجب مناقشة وجهات النظر بناءً على المبادئ والمرتكزات.

إن أهمّ الأسس التي تقوم عليها صحّة الأخذ برأي الأكثرية هي الحقّ في تقرير المصير، وتوضيح الحقائق، الشرعيّة الدينية، المصلحة والقبول. ويمكن أن يكون مستند صحّة رأي الأكثرية، وفق كلّ واحدٍ من هذه الأسس، إمّا دليلاً عقليّاً أو دليلاً نقليّاً.

وتسعى هذه المقالة إلى إثبات هذا الادّعاء، وهو أن مبدأ حقّ تقرير المصير، القائم على أدلةٍ عقليةٍ وشرعيةٍ محكمة، هو المبدأ المتين الوحيد الذي يستطيع تبرير أكثر حالات الاعتماد على الرأي العامّ في أغلب مجتمعات اليوم، لا كلّها.

كما تسعى إلى بيان أن عدم اهتمام أكثر أصحاب النَّظَر بهذا المبدأ، وأن إبداءهم آراءهم حول اعتبار رأي الأكثرية أو عدمه على أساس سائر المبادئ ـ وخصوصاً مبدأ كشف الحقيقة ـ، يتسبَّب في تشويش المباحث المتعلِّقة بهذا الموضوع.

وعلى هذا الأساس، فإن تبيين المبادئ والمنطلقات المختلفة لأصحاب الرأي حول اعتبار رأي الأكثرية أو عدمه، وتبيين مقتضيات كلّ واحد من هذه المبادئ، وتفكيكها؛ تجنباً لخلط المباحث العلمية بشأن هذا الموضوع، هدفٌ مهمٌ آخر تسعى هذه المقالة لتحقيقه.

والنقطة الأهمّ التي تثبتها هذه المقالة أن معظم أصحاب النَّظَر في مجال الفقه والفكر الإسلامي قاموا ـ وفقاً لمبدأ كشف الحقيقة ـ بإنكار اعتبار رأي الأكثرية. وادّعوا أن رأي الأكثرية لا يكشف عن الحقيقة، فقد تكون أقليّةُ مجتمعٍ على حقٍّ، والأكثرية على باطلٍ، فلا يجدر في اتخاذ القرارات الجماعية العمل برأي الأكثرية. وادّعاء هذه المجموعة من العلماء عدم اعتبار رأي الأكثرية قائمٌ على مبدأ كشف الحقيقة. وهذا الادّعاء، على أساس هذا المبدأ، صحيحٌ ومنطقي؛ إلاّ أن الأمر الذي غفلوا عنه أن أكثر حالات الاعتماد على الرأي العام في مجتمعات اليوم ليست لأجل كشف الحقيقة؛ بل لأن الناس أنفسهم يجب أن يقرِّروا لحياتهم، ولا يمكن لشخصٍ ما إجبارهم على فعل شيءٍ ضدّ إرادتهم، وإنْ كان ما يقومون به غير صحيح. وقد عُبِّر عن هذا المبدأ بحقّ تقرير المصير، وآليته التنفيذية في اتخاذ القرارات الجماعية الاستفتاءُ العام، وتفضيل صوت الأغلبيّة.

ولإثبات هذا الادّعاء سوف يتمّ التطرُّق أوّلاً إلى شرح المفاهيم ذات الصلة، ومن ثمّ تُناقَش هذه الأسس الخمسة بشكلٍ عقلانيّ. وسيتمّ شرح النتائج المنطقية لصحّة رأي الأكثرية بناءً على تلك الأسس. وفي المرحلة التالية سيتمّ إثبات اعتبار رأي الأكثرية من وجهة نظر القرآن الكريم وسيرة المعصومين(عم) على أساس مبدأ حقّ تقرير المصير، وعدم اعتباره على أساس مبدأ كشف الحقيقة.

 

الدراسة الثانية: حجِّية السيرة العقلائيّة في غير العبادات، قاعدةٌ أوّلية أو ثانويّة؟

الكاتب: الشيخ سعيد ضيائي فر؛ المترجم: مصطفى رئاب

يُعَدّ البحث عن سيرة العقلاء أحد البحوث الأكثر تداولاً في علم أصول الفقه. ورُبَما أمكن أن يقال بأنّ الاستفادة من هذه المسألة في علم الأصول اليوم أكثر من أيّ مسألةٍ أخرى، ولكنْ ليست الاستفادة من هذه المسألة في الفقه بهذا المستوى، وذلك راجعٌ إلى الاختلاف في سيرة العقلاء بين الأصول والفقه؛ فإنّ أكثر الطرق الّتي تمّ إثبات حجِّيتها بالسيرة في علم الأصول كانت حاضرةً في عصر حضور المعصومين(عم)، وهم لم يردعوا عنها.

ومن هنا، فإنّ علماء الأصول عند تمسُّكهم بالسيرة لإثبات المسائل الأصولية المتعدِّدة يقولون بأنّ السيرة جاريةٌ على هذه المسألة في كلّ الأزمنة، أو السيرة على هذه المسألة من صدر الإسلام إلى اليوم، أو السيرة قائمة على هذا من اليوم إلى عصر التشريع.

بينما المسائل الفقهية على نوعين؛ فبعضها كانت سيرة العقلاء في زمن المعصومين جاريةً عليها؛ وبعضها لم تكن السيرة عليها آنذاك، لكنّ سيرة العقلاء في العديد من المجتمعات البشرية المعاصرة قائمةٌ على اعتبارها، دون أن تكون من السِّيَر المحدودة بمجتمعٍ خاصّ.

والسؤال الذي يطرح هنا هو: هل لنا أن نقول ـ بصورةٍ مطلقة أو مشروطة ـ بحجّية المسائل والطرق التي تستقرّ عليها سِيَرٌ عقلائية عامّة جديدة، مثل: اعتبار حقوق التأليف، والأخذ بآراء الأغلبية في تنظيم الشؤون السياسية للدول، وفي انتخاب مسؤولي الحكومات؟ وبعبارةٍ أخرى: هل يمكن الحصول على دليلٍ معتبر على حجّية السِّيَر العقلائية الجديدة والمتشكِّلة بعد عصر حضور المعصومين(عم) أم أنه لا يوجد دليلٌ معتبر على حجّية هذا القسم من السِّيَر العقلائية، لا بصورةٍ مطلقة ولا بصورةٍ مشروطة؟

وقد اتّخذت طرق متعدّدة لإثبات حجّية السيرة، مثل: الحجّية الذاتية للسِّيَر العقلائية، وحجّية السِّيَر التي علم المعصوم بتحقُّقها وأخبر عنها. لكنّني لم أقِفْ على مَنْ طرق الموضوع من هذه الجهة. لذلك فإنّ فكرة البحث تعتبر جديدةً.

ولقد تبيَّن في هذا البحث أنّ السيرة العقلائية هي جَرْي العقلاء المستمرّ على أمرٍ من جهة حيثيّتهم العقلائية، وأمّا سيرة المتشرِّعة فهي عملهم المستمرّ المنطلق من جهة تديُّنهم وتمسُّكهم بالشريعة. وبما أن غير العبادات والأمور الإمضائية هي أمور عقلائية، كانت موجودةً حتّى قبل مجيء الشريعة، والشارع في هذا المجال ليس بمؤسِّسٍ؛ حتّى يلزم عليه إبداء تأييده ورأيه الموافق لها، بل هو مصلحٌ وموجِّهٌ، من هنا فإنّ طريقة الشارع كانت بحيث يبيِّن رأيه في كلّ موردٍ يختلف موقفه بالنسبة إليه مع رأي وموقف العقلاء.

وانطلاقاً من كون الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، ورسالتها هي هداية الناس إلى يوم القيامة؛ فإن أفق رؤية الشارع ونظره ممتدٌّ إلى يوم القيامة، وكلّ ما لم يكن يتمتَّع برضا الشارع الإسلامي وقبوله على امتداد الزمن فقد بيَّنه بنحوٍ ما، كما جاء في الروايات المعتبرة.

لذلك فلا بُدَّ للفقيه في غير مجال العبادات من أن يتتبَّع الأدلّة بدقّةٍ؛ ليحصل على دليلٍ معتبر، صدوراً ودلالةً وجهةً، على خلاف السيرة. وإذا لم يقف على دليلٍ معتبرٍ من النواحي الثلاثة المذكورة، يكون مخالفاً للسيرة العقلائية العامّة، ولم يكن هناك أصلٌ عملي مخالف أيضاً، فسوف تثبت حجِّية تلك السِّيرة.

ولقد تمّ في هذا البحث ذكر عدّة أدلّة على هذا المدَّعى، وإنْ كان بعض الأدلّة ـ كدليل وجوب دفع المنكر ـ لا يخلو من مناقشةٍ. ولكنّ أغلب تلك الأدلّة محكمةٌ ومتقنةٌ، مثل: مقتضى شمولية الشريعة، ومقتضى خلودها، ومسؤولية هداية جميع الأجيال، وخطبة الوداع، وطريقة الشارع في غير العبادات، واعتبار القاعدة الأوّلية في عصر الحضور.

 

الدراسة الثالثة: الخطاب الدينيّ والوظيفة الاجتماعيّة، الأساليب والضوابط وسُبُل الترشيد

الكاتب: الشيخ حسن موسى الصفّار

الخطابُ الديني جزءٌ لا يتجزّأ من حياة مجتمعاتنا الإسلامية، وهو ركنٌ في بعضِ العبادات الدينية، كما هو الحال في صلاة الجمعة وصلاة العيدين الواجبتين، فالخطبة واجبةٌ وجزءٌ من الصلاة فيهما. كما أن الحثّ على دعوة الناس إلى الخير، وإرشادهم إلى الحقّ، وهدايتهم إلى الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحياء أمر أهل البيت(عم)، كلُّها مفاهيم توجِب وجودَ خطابٍ ديني في المجتمع الإسلامي.

وللخطاب الديني مساحةٌ لا تُنْكَر من التأثير، فهو جزءٌ من الشأن العام، لذا ينبغي أن يهتمّ به كلُّ أفراد المجتمع، تماماً كما يهتمّون بسائر الشؤون المرتبطة بحياتهم، وينبغي أن يكون لهم رأيٌ وموقفٌ فيه وتجاهه، سَلْباً أو إيجاباً، فليس صحيحاً أن يُقال: أن الاهتمام بالخطاب الديني ينحصر في دائرة منتجيه، وبقية الناس لا شأن لهم به، وليس من حقّهم أن يُبْدوا رأياً تجاهه، بل على العكس من ذلك، ما دام الخطاب من قضايا الشأن العام، ويؤثِّر في حياة الناس، فمن واجب الناس ومن حقِّهم أن يهتمّوا بهذا الخطاب.

ولأجل ذلك تعرَّض الكاتب للحديث المفصَّل حول الخطاب الديني ووظيفته الاجتماعيّة، وذلك ضمن العناوين التالية: تقويم الخطاب الديني؛ لماذا يرفضون النقد والتقويم؟؛  معاييرُ النقد والتقويم؛ انعكاسات الخطاب الديني ومخرجاته الاجتماعيّة؛  مدى مسؤولية الخطاب الديني؛ الخطاب الديني وسُبُل ترشيده وتطويره؛ اتجاهٌ طقوسي؛ الطقوسيّة والمضمون؛ حين تكون الخطابة مهنةً؛ الرسالة الاجتماعيّة والدينيّة؛ الخطاب الديني بين المسؤوليّة والشعبويّة؛ ضوابط المسؤوليّة في الخطاب؛ الاستجابة للميول الشعبيّة؛ ماذا تعني الشعبويّة؟؛ أساليب الخطاب الديني الشعبوي؛ 1ـ أسلوب التهييج السياسي؛ 2ـ أسلوب التعبئة المذهبيّة؛ 3ـ أسلوب الإثارة العاطفيّة؛ نتائج وتوصيات.

 

الدراسة الرابعة: قرينة السياق ودَوْرها في استنباط الأحكام الشرعيّة

الكاتب: الشيخ محمد حسن گلي شيردار / الشيخ سپهر كرد؛ المترجم: حسن علي مطر الهاشمي

إن جميع الباحثين في الشأن الديني، بكافّة الاتجاهات والأساليب التي يتبعونها في أبحاثهم، يحتاجون إلى مصدرٍ روائي ونقلي، كما أنهم في الاستفادة من هذا المصدر النقلي يحتاجون إلى كشف الظهور، أكثر من حاجتهم إلى السند والجهة.

وعلى هذا الأساس، فإن من بين أهمّ المسائل، التي يجب أن تقع مورد اهتمام العلماء في هذا المجال في ما يتعلَّق بفهم المصادر النقلية، تنقيح المسائل المؤثِّرة في تشكيل الظهور. ومن الواضح جدّاً أن القرائن المتّصلة تحظى بدَوْرٍ كبير فيما نحن فيه. ومن هنا فإن الدَّوْر الصارخ للقرائن المتصلة في فهم الكلام، وتشكيل الظهور، يضاعف من أهمِّية وضرورة التحقيق حول أقسام وشرائط وحدود وثغرات هذه القرائن.

وعلى الرغم من الجهود المتواصلة من قِبَل العلماء العظام في إطار الوصول إلى ضوابط وقوانين الاستظهار، لا يزال هناك الكثير من القرائن التي لم يتمّ بحثها بشكلٍ جامع ومدوَّن، كما لم يتمّ إفراد فصلٍ مستقلّ لهذه الأبحاث.

ومن ذلك، على سبيل المثال: لم يتمّ حتى الآن فتح أيّ باب للقرائن العامة في علم الأصول تحت عنوان: التعليل، والحكمة، ومناسبات الحكم والموضوع، والسياق، والتمثيل، وما إلى ذلك. هذا مع أن العلماء والمنظِّرين في مجال العلوم الإنسانية الإسلامية يتمسّكون بهذه العناوين من الناحية العملية، سواء في الأصول أو الفقه والقانون، بل ينتقدون بعضهم أحياناً بسبب أخطائهم في تشخيص وتوظيف هذه القرائن. ومن هنا فإنهم يعمدون إلى طرح مباحث من قبيل: قرينة التعليل والحكمة، وقرينة السياق، وقرينة التمثيل، وما إلى ذلك؛ طَرْداً للباب، وعلى نحوٍ غير منضبط.

وتسعى هذه المقالة إلى بيان وشرح قرينة السياق المتّصلة بشكلٍ مدوَّن وجامع. وعلى سبيل المثال: نذكر في ما يلي نموذجاً لتطبيقات هذه القرينة المتّصلة، والتمسُّك بها في كلمات الفقهاء:

إن من بين تطبيقات قرينة السياق كشفَ المراد الجدّي دون التصرُّف والتغيير في المراد الاستعمالي. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ: ما ذكره السيد الخميني في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: 15)، حيث قال [ما معناه]: «إن المراد من العذاب في هذه الآية هو العذاب في الآخرة؛ لوروده في سياق آياتٍ ترتبط بيوم القيامة».

إن المراد الاستعمالي من كلمة العذاب هو مطلق العذاب قطعاً، وإلاّ كان من قبيل: استعمال اللفظ في المصداق مجازاً، بل المراد الجدّي من العذاب ـ بالنظر إلى سياق الجملة العامّ ـ قد اختصّ بالعذاب الأخروي.

وتتعرَّض هذه المقالة أوّلاً: إلى بحث المفاهيم والأمور العامة المرتبطة بهذا الموضوع؛ ثمّ تعمل ثانياً: على بيان أقسام السياق (السياق الضمني، والسياق الترتيبي، وسياق التأخير، وسياق العدول، وسياق المقابلة، وسياق الانتخاب)، وأقسام كاشفيّتها (الكشف عن المراد الجدّي، والكشف عن المراد الاستعمالي، وكشف الخصائص، والكشف المقدَّر، وكشف المصداق، وكشف الداعي)؛ وتبحث ثالثاً: شرائط إحراز هذه القرينة في قسمَيْ إحراز أطراف السياق، وإحراز محدوديّة قرينية السياق.

 

الدراسة الخامسة: عقد الصلح الابتدائيّ، نظراتٌ في أدلّة المشروعيّة وعدمها

الكاتب: الشيخ مسلم الداوري / الشيخ مجتبى المسعودي؛ المترجم: مرقال هاشم

يذهب المشهور من فقهاء الإمامية إلى القول بأن الصلح عقدٌ عامّ يمكن توسيع دائرته بشكلٍ كبير، وفي المقابل ذهب بعض الإمامية وعموم أهل السنّة إلى اشتراط أن يكون عقد الصلح مسبوقاً بالخصومة والنزاع، أو احتمال ذلك؛ لإضفاء المشروعية عليه. إن هؤلاء؛ من خلال التمسُّك بلفظ الصلح، وإثبات الوضع اللغوي والمتفاهم العُرْفي، قد أثبتوا سبق الخصومة، ومن ناحيةٍ أخرى قالوا بأن الصلح على خلاف مذاق الشارع. وقال هؤلاء في بيان استدلالهم: كيف يمكن للشارع أن يعمل من جهةٍ على وضع أحكام وعقود خاصّة لكلّ واحدةٍ من المعاملات على أساس من المصالح والمفاسد الواقعية، ويعمد في الوقت نفسه من جهةٍ أخرى إلى السماح للمكلَّفين في التهرُّب من هذه الأحكام والعقود الخاصّة من خلال تغيير ظواهر هذه العقود تحت عنوان الصلح؛ كي لا يجري أيٌّ من تلك العقود بعد تحقُّق هذا التغيير الظاهري. وعلى حدّ تعبير بعض الحقوقيين: «إن الصلح الابتدائي وسيلةٌ وذريعةٌ لارتكاب أنواع الغشّ والحِيَل القانونية، ويؤدّي إلى اختلال نظم القوانين، وعدم جدوائية الكثير من العقود».

من الطبيعيّ أننا إذا اعتبرنا توقيفيّة العقود، واشترطنا من جهةٍ أخرى سبق الخصومة في مشروعية الصلح، سوف نواجه تحدّياً في ما يتعلَّق بمشروعية العقود المستَحْدَثة؛ لأن إضفاء المشروعية على العقود المستَحْدَثة رَهْنٌ بأحد أمرين:

1ـ أن لا نعتبر العقود أمراً توقيفياً، ونقول بمشروعية كلّ عقدٍ يجري على بناء العقلاء، ولا يتنافى مع القواعد الشرعيّة المسلَّمة في المعاملات.

2ـ أن نعتبر الصلح الابتدائي في مقام المعاملات مشروعاً، وعندها سوف يكون القيام بتلك المعاملة المستَحْدَثة في إطار عقد الصلح الابتدائي أمراً ممكناً؛ لأن ماهية الصلح هي التسالم. وبعبارةٍ أخرى: يجب أن يكون المقصود الأصلي في الصلح هو التسالم، وأما الأمور الأخرى، من قبيل: التمليك والتملّك، فيجب أن تكون مقصودةً بالتَّبَع.

وتسعى هذه المقالة إلى إثبات مشروعية الصلح الابتدائي؛ بالأدلة العامة للعقود، من قبيل: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1)، و﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 29)، و«المسلمون عند شروطهم»؛ وبعض الأدلّة الخاصة. ومن هنا فإنها؛ لهذه الأدلة، تعتبر الصلح الابتدائي مشروعاً، وتعتبر الأدلّة المذكورة لإثبات عدم مشروعيّة الصلح الابتدائي غير تامّةٍ.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد تمّ السعي في هذه المقالة إلى بيان الأدلة التي أقامها الفقهاء على شرعية عقد الصلح الابتدائي، وإنْ كان فيها ضعفٌ عمد الكاتبان إلى ترميمه وتكميله، مع بيانها وتقريبها بشكلٍ واضح، بالإضافة إلى استقصاء جميع الأدلّة، بما في ذلك الأدلة غير التامّة أيضاً.

ويرى كاتبا هذه المقالة أن عقد الصلح يمتاز من بين العقود الشرعية بامتيازاتٍ وخصائص فذّةٍ وفريدةٍ، الأمر الذي جعل هذا العقد يحظى بمكانةٍ هامّة؛ إذ هو من ناحيةٍ عقدٌ مستقلّ وأصيلٌ؛ حيث لا يحتوي على الأحكام والشرائط الخاصّة بالعقود الأخرى؛ ومن ناحيةٍ أخرى يمكن لهذا العقد أن يضفي المشروعيّة على آثار وفوائد أكثر العقود والإيقاعات المعروفة، أو العقود المستَحْدَثة التي لا تندرج ضمن أيّ واحدٍ من العقود؛ ومن جهةٍ ثالثة يمكن لهذا العقد ـ بالإضافة إلى مكانته الأصلية، التي هي عبارةٌ عن موارد الصلح ورفع النزاع والاختلاف بين الطرفين ـ أن يلعب دَوْراً في المعاملات الابتدائية التي تخلو من أيّ نزاعٍ أو خصومةٍ سابقة. ودليلُهما على عدم ضرورة سبق الخصومة المتحقِّقة والمحتملة هي أدلة العقود العامّة، من قبيل: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، و﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، و«المؤمنون عند شروطهم»؛ وكذلك بعض الأدلّة الروائية الخاصّة، التي أشَرْنا إلى آحادها في بحث أدلة مشروعية الصلح الابتدائي، ويمكن لها أن تكون أدلّةً واضحة لإضفاء المشروعية على الصلح الابتدائي. ومن هذه الناحية ـ وفي ضوء عقد الصلح الابتدائي ـ يمكن الالتزام حتّى بما كان المتقدِّمون يعتقدونه من انحصارية العقود أيضاً، وليس من اللازم لإثبات مشروعية العقود المستَحْدَثة أن تُرفَع اليد عن انحصاريّة العقود والمعاملات. ولذلك فإن هذه المكانة الخاصة التي تحقَّقت لعقد الصلح جعلَتْ بعض العلماء يصفونه بـ «أنفع العقود».

 

الدراسة السادسة: آية التبليغ وأسباب نزولها، دراسةٌ تحليليّة مقارنة

الكاتب: د. الشيخ كامران أويسي / الشيخ عيسى محسني

لقد منَّ الله تعالى على هذه الأمّة بأن جعل فيهم نبيّاً يهديهم ويرشدهم إلى السعادة والفلاح، وقد قام هذا النبي العظيم(ص) طيلة 23 سنة بدعوة الناس إلى التوحيد والأخلاق الحَسَنة والتسامح والأخوة فيما بينهم، وتحمّل الصعوبات الشاقّة لتحقيق هذا الهدف إلى أن استطاع أن ينقذ الناس من ذلك المستنقع المهلك الذي كانوا فيه، ويزيح آثار الشرك والكفر فيما بينهم. ولا شَكَّ أنّ النبي(ص) أدرى من أيّ شخصٍ آخر أنّ حفظ هذه الجهود التي قام بها طيلة هذه السنوات يحتِّم عليه أن يخلِّف مَنْ يليق بمقام قيادة الأمة من بعده، وقد قام في أخريات حياته، في غدير خمّ، بعدما جاءه الخطاب الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏﴾، بهذه المهمّة، فجعل مَنْ هو أعلم الناس وأعدلهم وأقضاهم و… خليفةً وقائداً وزعيماً على الأمّة، وقال: «مَنْ كنت مولاه فعليٌّ مولاه»، وبذلك قد أكمل الله دينه للناس، وأتمّ النعمة لهم.

وقد استدلّ الشيعة على ذلك بأدلّةٍ متعدِّدة، ومنها: الآية 67 من سورة المائدة، المشهورة عندهم بآية التبليغ، إلاّ أنّ بعض علماء السنّة خالفوهم في ذلك، وذكروا معاني أخرى في تفسير الآية.

وتستعرض هذه الدراسة أوّلاً: مستند الشيعة من الأدلة على نزول الآية في خلافة وإمامة عليٍّ(ع)؛ وثانياً: أقوال العلماء السنّة في الآية، وأدلّتهم عليها؛ ومناقشة كلٍّ منها.

وبعد هذه الدراسة المختصرة للآية الكريمة، وبيان الأقوال فيها، وما استُدلّ به لتلك الأقوال، وبيان المناقشات والإشكالات والشُّبُهات، يتَّضح جليّاً أنّ القول الحقّ، والذي يقتضيه الطبع السليم والفهم المستقيم، بعيداً عن الأهواء والرَّغَبات، وطبقاً لما تقتضيه الموازين العلمية، هو نزول الآية الكريمة في ولاية أمير المؤمنين عليّ(ع)، وأنّه الخليفة بعد رسول الله(ص)؛ وهشاشة الأقوال الأخرى.

ولا يخفى أنّها عالجت في هذه الرسالة أمراً خطيراً وفي غاية الأهمّية، كما يكاد يكون ذلك صريحاً في الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾. ولو أنّ المسلمين امتثلوا أمره سبحانه وتعالى في ولاية أمير المؤمنين(ع) لساد السلام والوئام الكرة الأرضيّة، ولعاشَتْ البشرية حياةً طيِّبة، وضمنَتْ سعادتها في الدنيا والآخرة.

 

الدراسة السابعة: مقدار المهر وتحديده، مقارنةٌ بين الفقه الإماميّ والقانون المدنيّ الإيرانيّ

الكاتب: أ. شروق فقيه / د. الشيخ محسن ملك أفضلي الأردكاني

تُعَدّ قضية المهر قضيّةً مهمّةً ودقيقةً في الشريعة الإسلامية، وحذا حَذْوها القانون المدني الإيراني، حيث أُدرجت أحكامه ضمن المواد القانونية طبقاً لأحكام الشارع المقدَّس؛ لأنّ المهر بحَسَب الآيات والروايات له فلسفةٌ خاصّة، وأقسامٌ، وأحكامٌ، وآثارٌ، سوف نتعرَّف عليها في هذا المقال. وممّا يُؤسَف له أنّ غلاء المهر ـ الذي تمّ إنشاؤه للمساعدة في تأسيس وتقوية الرابطة الزوجية، والذي هو المهر الخفيف، بحَسَب تأكيد الروايات، وإعلان الشارع رفضه للمهور الغالية، حيث ورد أنهم «تَذَاكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِ(ع) فَقَالَ: الشُّؤْمُ فِي ثَلاَثٍ؛ فِي الْمَرْأَةِ والدَّابَّةِ والدَّارِ. فَأَمَّا شُؤْمُ الْمَرْأَةِ فَكَثْرَةُ مَهْرِهَا وعُقْمُ رَحِمِهَا» ـ، وعلى الرغم من إعلان الشريعة رفضها للمغالاة بالمهور، وتأكيدها على كراهة ذلك، قد صار اليوم إحدى المشاكل الرئيسة في المجتمع الإسلامي بشكلٍ عامّ، وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية بصورةٍ خاصّة، حيث يجري استغلاله بطريقةٍ غير لائقة من قِبَل بعض العوائل، من خلال التطبيق غير الصحيح للآيات القرآنية وروايات أهل البيت(عم) من جهةٍ، والقانون المدني الإيراني من جهةٍ أخرى، لذلك تلجأ أغلب العوائل إلى طلب مهورٍ غالية؛ من أجل تحقيق أهدافٍ مالية تحت عنوان: (أخذ ضمانة من الرجل)؛ بحجّة استمرارية الزواج وعدم اللجوء إلى الطلاق من أدنى مشكلةٍ، بحَسَب تفكيرهم، بحيث تحوَّلت هذه الظاهرة إلى عُرْفٍ آخذ في التجذُّر، بدون أيّ محاربةٍ له. ولذلك؛ من أجل الحدّ من هذه الظاهرة السيِّئة، فإن السؤال المطروح في هذا المقال: ما هو موقف الشريعة الإسلاميّة والقانون المدني الإيراني من مسألة تحديد نصاب المهر؟

وكذلك كان الهدف من كتابة هذه المقالة تسليط الضوء على معالجة المشكلة المستفحلة في المجتمع الإسلامي، من خلال الحديث حول فلسفة تشريع المهر، وحقيقته، وأحكامه، وشرائطه، والأضرار التي تنجم عن إطلاقه وعدم تقييده، والحديث حول إمكانية تحديده من قِبَل الوليّ الفقيه المعنيّ بالحفاظ على أغراض الشريعة والمجتمع الإسلامي.

 

الدراسة الثامنة: استنطاق الآيات القرآنيّة، كشفٌ لأسباب الافتراق بين العلاّمتين الطباطبائي وفضل الله

الكاتب: الشيخ حسين جهجاه

يحتلّ القرآن الكريم مكانةً عظيمة لدى المسلمين، على اختلاف انتماءاتهم المعرفيّة؛ فهو المصدر التشريعيّ الأول، ومنهج الحياة الذي يضمن للإنسان فيما لو التزم به سعادته وكماله، وكذلك هو يحوي مضامين رفيعة ومعارف عميقة في كافّة المجالات التي تعنيه. من هنا، عَرَّف القرآن الكريم نفسَه على أنه كتابُ هدايةٍ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9). وقد عرَّف المسلمون القرآنَ بأنه كلام الله الذي أُنزل من اللوح المحفوظ إلى النبيّ(ص) بواسطة الملاك جبرئيل.

هذا المقدار اتّفق عليه جميع المسلمين، وسارت عليه كافّة الاتجاهات المعرفية، من المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين والفلاسفة، إلاّ أنّ مورد الاتفاق هذا لم يكن كافياً لضمان عدم الاختلاف في كيفية استنطاق القرآن؛ للكشف عن مدلولاته، فوقع الخلاف الكبير بين المفسِّرين في اختيار الأسلوب والمنهج الأصحّ في تفسير كتاب الله، وبرزت نتيجةً لذلك اتجاهاتٌ عديدة.

وليس المقصود بهذه الاتجاهات المناهجَ التفسيريّة المتعدِّدة المذكورة في الكتب التي تتناول مناهج التفسير مقارنةً وشَرْحاً، كالمنهج الفلسفيّ والأثريّ وغيرهما، بل المقصود أن المطالع لتفاسير العلماء يرى سريعاً، وبوضوحٍ، تمايزهم في التعامل مع القرآن واستنطاق الآيات القرآنية كمّاً ونَوْعاً. فعلى سبيل المثال: في تفسير الآية التالية: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (ق: 30) ذهب بعض المفسِّرين إلى أنها مجرّد تصوير كنائيّ عن اتّساع جهنم لكلّ الكفّار والمجرمين، حيث إنها لا تضيق بهم مهما كبر عددهم، فلا دلالة للآية على أكثر من ذلك؛ غير أن بعضهم الآخر لم يوافقهم على استفادة هذا المقدار فقط، واعتبر أن الخطاب والجواب على ظاهره الحقيقي؛ بدلالة أن العلم والشعور سارٍ في جميع الموجودات، وعلى ذلك فجهنم مخلوقٌ حيٌّ عاقل، يُخاطَب و يجيب.

إذن، هناك تمايزٌ صريحٌ بين أصحاب هذين المنهجين على المستوى الدلاليّ الكمّي، حيث اكتفى صاحب الرأي الأوّل بدلالةٍ واحدة من الآية، وهي اتّساع جهنّم، وزاد عليه الثاني دلالةً أخرى، هي أنها مخلوقٌ حيٌّ وعاقلٌ، وأيضاً على المستوى الدلاليّ الكيفي، حيث حمل الأوّل الآية على الكناية، وحملها الثاني على الاستعمال الحقيقي.

ولهذا شواهد كثيرة في تفاسير هذين الاتجاهين، فرُبَما اقتصر اتجاهٌ على استفادة دلالةٍ أو دلالتين من الآية، ومنع استفادة أكثر من ذلك؛ وقابله اتجاهٌ آخر بالقول بإمكان استفادة عشرات الدلالات من الآية الواحدة، بل أكثر.

وهنا يقدِّم السؤال التالي نفسه أكيداً: ما هي الأسباب التي أدَّتْ إلى اختلاف هذين الاتجاهين في عملية التفسير؟ فهل يوجد متبنّيات محدَّدة اختلفوا فيها انعكسَتْ بالنتيجة على تفسير الآيات؟ وإنْ كان الجواب بالإيجاب فما هي تلك المتبنَّيات؟

وتهدف هذه المقالة إلى إرجاع اختلافات هذين الاتجاهين إلى بعض المتبنَّيات المتقابلة لدى كلّ فريقٍ، وتوضيح كيفية انعكاس هذه المتبنَّيات على عملية التفسير. وقد عمد الكاتب إلى انتخاب عَلَمين اثنين من أعلام هذين الاتجاهين، ورجع إلى كتبهم التفسيرية، وأيضاً آرائهم في علوم القرآن؛ لرصد هذه المتبنّيات، وهما: العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله، ممثِّلاً الاتجاه الأوّل، الذي حدَّد مداليل الآيات بمقدار ما يفهمه العُرْف فقط؛ والعلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي، ممثِّلاً الاتجاه الثاني، الذي سمح باستفادة مدلولاتٍ أكثر.

ويمكن القول: إن اختلاف هذين العَلَمين في بعض مسائل علوم القرآن انعكس على اختلافهما في التفسير، وإنْ توافقا في بعض النقاط في المنهج التفسيري. فهما مثلاً اتفقا على استقلالية القرآن في بيان معارفه، بمعنى أنه نصٌّ مستقلّ بذاته، لا يحتاج من حيث المبدأ في فهم مراداته وتحديد معانيه إلى مرجعٍ آخر، وعلى كون السياق قرينةً تفسيرية يستفيد منها المفسِّر في تحديد المراد. إلاّ أنهما بالرغم من ذلك غير متّفقَين على مسائل أخرى، قد يُعْزَى سبب الاختلاف فيها إلى مسألةٍ أساسية جدّاً، هي: حقيقة القرآن الكريم.

فقد اختلفا في حقيقة الألفاظ المتشابِهة، ومسألة المُحْكَم والمُتشابِه، وبطون القرآن، والأسلوب البياني له، والطريقة التي اعتمدها في إيصال مراداته. وكلّ هذه المسائل تعود بالجذور إلى تغاير فهمهم لحقيقة القرآن الكريم. هذا التغاير نفسه هو الذي أتاح للسيد الطباطبائي أن يوسِّع من الدلالات القرآنية، ولم يسمح للسيد فضل الله بذلك.

إذن، بالإمكان القول: إن المتبنّيات التي اختلفا بها تعود إلى أربعةٍ، هي:

1ـ حقيقة القرآن الكريم؛

2ـ لغة القرآن؛

3ـ بطون القرآن وتأويله؛

4ـ نظريّة روح المعنى.

ويُلاحَظ أن الثاني والرابع لهما علاقة بالطريقة المعتمدة في التخاطب بين القرآن والبشر، وهل هي طريقةٌ فوق عقلائيّة وغير عُرْفيّة أو لا؟ وهذه المسألة ترتبط أيضاً بشكلٍ وثيق بمسألة بطون القرآن، التي ترتبط بقضيّة فَهْم حقيقة القرآن الكريم، وتحديد طبيعته.

وعليه، المتبنَّيات الثلاثة الأخيرة تعود بالنهاية إلى حقيقة القرآن الكريم، وجميعها أثَّرَتْ على استنطاق الآيات.

 

الدراسة التاسعة: «حديث المقاتَلة» وأثره في توليد التطرُّف الدينيّ، إثاراتٌ نقديّة في السند والدلالة

الكاتب: د. السيد زين العابدين المقدَّس الغريفي

لا شبهة في أن القاعدة الأساس في التعاملات الإنسانية مع الآخر في الدين الإسلامي مبنيّة على الرحمة والمحبّة والتسامح، ولا يُصار إلى الحرب والقتال إلاّ في حالات ردّ الاعتداء والظلم أو الدفاع عن المستضعفين في البلاد الأخرى، ونحو ذلك ممّا يحسِّنه العقل، ويرشد ويدعو إليه العقلاء.

بَيْدَ أنه برزَتْ طوائف تدّعي الانتماء للدين الإسلامي، وتتحدّث بلغة القرآن والسنّة، قد حفظوا قشوراً، وغاب عنهم روح الدِّين وأهدافه ومقاصده، أسَّسوا لفقه التطرُّف والتكفير، وبُنيَتْ منظومتهم التشريعية على مجموعةٍ من الأحاديث والأخبار، التي تمثِّل القاعدة الأساس لهم في إثبات القتل لكلّ كافرٍ ومخالفٍ، بل لكافّة الأمم والملل، بحيث لا يخرج عن هذه الدائرة إلاّ خصوص مَنْ يدين بمذهبهم، ويعتقد بجميع اعتقاداتهم.

وهذا مخالفٌ لضرورة العقل، وسيرة العقلاء؛ إذ لا يمكن أن يصدر من عاقلٍ الحكم بوجوب قتل جميع مَنْ في الأرض، إلاّ هو وأتباعه، الذين لا يمثِّلون في عصر صدور هذه النصوص إلاّ 1 أو 2%، فضلاً عن صدوره عن نبيٍّ معصومٍ مسدَّد من الله تعالى الحكيم العادل. ولو تتبَّعنا نصوص القرآن وسيرة الرسول(ص) وأخلاقيات المعصومين(عم)، التي تتعارض وظاهر نصوص التطرُّف، لأمكن الحكم ببطلان هذا الفَهْم، وقُبْح هذا السلوك.

ويمكن تقسيم هذه الأخبار والأحاديث إلى قسمين:

القسم الأوّل: ما كانت ضعيفةً، بل موضوعةً على لسان الرسول الأكرم(ص)، أمثال: «جئتُكم بالذبح»، ولها دواعٍ وأسبابٌ معروفة، عقديّةٌ، كتشويه صورة الإسلام السمحة؛ أو سياسيّةٌ، لتوسيع نفوذ الحاكم والسيطرة على أكبر عددٍ ممكن من الأراضي والبلدان؛ بدواعٍ دينية.

القسم الثاني: ما كانت صحيحة السند، إلاّ أن الخطأ واقعٌ في فَهْمهم لها، بحيث لو لوحظَتْ ضمن أجواء الصدور والقرائن المحيطة بالنصّ لقُطِعَ بخطأ الفهم وسُقْمه.

ومن هذه الأخبار «حديث المقاتَلة»: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله».

وقد بنَوْا عليه وجوب مقاتلة أهل الأرض كافّةً ممَّنْ يخالفهم في المعتقد، حتّى وإنْ كان يدين بنفس دينهم، ورتَّبوا على ذلك مجموعةً من الثمرات التي تؤسِّس للتطرُّف الديني، ممّا سنتطرَّق إلى بعضه في طيّات البحث.

ولهذا تُعنى هذه المقالة بدراسة هذا الخبر، سنداً ودلالة، عند الفريقين: الشيعة الإمامية وأهل السنّة؛ لنرى هل يصحّ سنده أوّلاً؟ وإذا فرضنا صحّته فهل ينسجم تفسيرهم له مع روح الإسلام ونصوصه وأخلاقيّاته؟

ويسعى الباحث في هذا المقال إلى المساهمة في تهديم أُسُس وقواعد التطرُّف في المجتمع، وذلك من خلال مناقشة المباني الدينية التي تستند عليها الجماعات والتنظيمات المتطرِّفة؛ لأجل دفع تهمة التطرُّف عن التشريع الإسلامي، وإبراز جوانب الرحمة والإنسانيّة في التعامل مع مطلق المخالف في العقيدة والفكر والمنهج. فلا يوجد ما يدلّ على استضعاف المخالف أو قتله؛ لمجرّد الكفر، بل القتل عنوانٌ يحصل لأسباب موضوعيّة، كردّ العدوان، أو الدفاع عن المستضعفين. ويستوي في ذلك المسلم والكافر.

وقد قام الباحث بدراسة «حديث المقاتَلة»، الذي يدلّ بظاهره على كون الكفر سبباً لوجوب القتال، من جهتَيْ السند والدلالة؛ فناقش جميع أسانيد هذا الخبر عند الشيعة الإمامية وغيرهم من المذاهب الإسلامية.

كما ناقش في دلالته، بعد أن عرضه على الكتاب الشريف والسنّة المعتبرة والسيرة القطعيّة للمعصوم(ع)، وتوصَّل إلى اختصاص المقاتلة بحالة ردّ العدوان، والدفاع عن بيضة الإسلام أو المستضعفين في الأرض، ولا يمكن تعميمه لكلّ كافرٍ في جميع بقاع الأرض.

 

الدراسة العاشرة: مباني فهم النصّ في الفكر الأصوليّ للسيّد محمّد باقر الصدر

الكاتب: الشيخ حسنين الجمّال

يُعدّ النصّ الديني عند المسلمين مصدراً من مصادر المعرفة، وله دائرته الخاصة، حيث يمكن الاستفادة منه في إنتاج المعرفة. ولمّا كان من الواضح عدم صحّة فهم هذا النصّ بشكلٍ فوضوي، كان لا بُدَّ من آليّةٍ لهذا الفهم. ولا يخفى أن أيّ آليّةٍ لفهم النصّ الديني سوف تستند في مرحلةٍ سابقة على مبانٍ أساسية لا بُدَّ من تنقيحها.

والبحث في هذه المباني له ارتباطٌ وثيق بعلم الأصول؛ إذ المدَّعى أن علم الأصول منطقٌ لفهم النصّ الديني، وباحثٌ عن القواعد اللازمة في فهم هذا النصّ. ولمّا كان الشهيد السيد محمد باقر الصدر أحد أبرز أعلام هذا العلم في الحقبة الأخيرة لعلم الأصول ارتأى الكاتب أن يخوض غمار هذا البحث بين يدي هذا المفكِّر العظيم، ليرى ما اشتمل عليه من أفكار ومبانٍ في عملية فهم النصّ.

والمراد من المبنى في هذا البحث هو: كلّ ما يقوم عليه فهم النصّ؛ وبعبارةٍ أخرى: هي اللبنات الأولى التي يعتمد عليها كلّ مَنْ يواجه نصّاً بهدف فهمه وتفسيره.

وعلى هذا الأساس، يخرج من دائرة البحث القضايا المرتبطة بآليات فهم النصّ، كالعلاقة بين اللفظ والمعنى، وأنواع الاستعمال، ودلالات الكلام التصوُّرية والتصديقية، وأبحاث العامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، والمجمل والمبيّن، وما شاكل.

ومراد الكاتب من النصّ هو خصوص النصّ الديني عند الشيعة الإماميّة، المتمثِّل بالقرآن الكريم وروايات المعصومين(عم).

وقد بحث الكاتب في كلمات الأصوليين الشيعة والهرمنيوطيقيين الغرب ليتابع سَيْر تطوُّر إشكالية فهم النصّ عندهم، حتى يستكشف أهمّ الأسئلة والإشكاليات التي واجهوها، ثمّ يقرأ كتابات الشهيد الصدر بخلفيّة الباحث عن آثار هذه الأسئلة وأجوبتها وما يحوم حولها. لذا، رتَّب هذه المقالة على أربعة مباحث:

1ـ إشكالية فهم النصّ عند علماء الأصول الشيعة.

2ـ إشكالية فهم النصّ عند الهرمنيوطيقيين الغربيين.

3ـ مباني الشهيد الصدر كمفتاحٍ لحلّ إشكاليّة فهم النصّ.

4ـ وقفةٌ تحليلية مع مباني الشهيد الصدر.

وكان الهَدَف من هذا المقال هو بيان الأُسُس التي يُبْنَى عليها فهم النصّ، على طبق رؤية السيد محمد باقر الصدر، وقد خلص إلى ستّة مبانٍ عنده، وأشار في الهوامش إلى بعض تطبيقاتها المذكورة في كلماته.

 

الدراسة الحادية عشرة: معالم منهجيّة في فقه الأقلِّيات المسلمة، وبحثٌ في آفاقه ومآلاته الاستراتيجيّة

الكاتب: د. العربي إدناصر

إن مصطلح فقه الأقلِّيات قد تجاوز مرحلة التساؤل عن شرعيّته من عدمها؛ لأن المرحلة التي نعيشها انتقلت من لحظة بناء المصطلح إلى مرحلة الاجتهاد من داخله، وعليه لا ضَيْرَ في التفكير في ما بعد فقه الأقلِّيات، كما يوجد عندنا فقه نوعيّ عن فقه المرأة، وفقه الصلاة، وفقه المواريث، وغيرها.

وتحلية مجموعة من المسائل الشرعية ونخبة من الاجتهادات الفقهية بلقبٍ معين الهَدَف منه جمع شتات مسائله، وحصر موادّه، في ما يتعلَّق به موضوعاً؛ للتدليل على أحكامه، ولتذليل النفاذ إلى مظانّه، تيسيراً لفهمه والإبداع فيه.

وهو ليس فقهاً مبتدعاً في الدين، غير مأصول على هداه؛ فقضايا الأقلِّيات قديمةٌ بالجنس، حديثةٌ بالنوع، وقد كانت إرهاصاته معروفةً في تاريخنا الفقهي ضمن اجتهادات الفقهاء، في إطار ما يسمّى بـ (منطقة الفراغ التشريعي)، التي ليس فيها سوابق حكمية، فولدوا فيها اجتهادات وفتاوى وأقضية، عُرفَتْ عقبها بـ (فقه أهل الذمّة ونوازل المستأمنين).

لكنّ تحلية فقه الأقلِّيات بوصفٍ زائد يعبِّر عن هموم جماعةٍ معينة بذاتها لتتقصّد جماعةً من المسلمين، ليكون العنوان دالاًّ ومخصوصاً بـ «فقه الأقلِّيات المسلمة»، فهذا الموضوع لم يتبلور في المدوَّنات الفقهية كنظريّةٍ فقهيّة وقانونية، كما هو موجودٌ في فقه المستأمنين والذمّيين، لاعتبارات تتعلّق بالوضع السياسي والحضاري الذي يعيشه المسلمون في العصور القديمة، قبل غزو التتار والحروب الصليبية وسقوط الأندلس، حيث كان المسلمون في منعةٍ من أمنهم واستقرارهم، فما كانوا يحتاجون إلى الإقامة في بلدٍ غير مسلمٍ؛ لأن كل بلدان المسلمين هي موطنٌ لهم بحكم آصرة العقيدة. لكنْ بعد ذلك فالحاجة ماسّةٌ إلى تطويره وتأسيسه على قواعد قارّة ومتماسكة، تخرجه عن إطار الأحكام العُرْفية والظروف الاستثنائية، ليتحوّل إلى فقهٍ مميَّز ومستقلّ، يعبِّر عن حاجات جماعةٍ نموذجية.

فما هي معالم هذا الفقه النموذجي؟ وما هي آفاقه ومآلاته الاستراتيجية؟

هذا ما تُعنى به هذه الدراسة، ويمكن مراجعته على صفحات المجلّة.

ولماذا كلّ هذا الحرص على تأهيل فقه الأقلِّيات، وبنائه على أُسُس جديدة وغاية في التطوُّر؟

لأن فقه الأقلِّيات هو الوجه الخارجي للفقه الإسلامي في علاقته مع محيطه، وهو التمرين العملي الذي يثبت مدى قدرة المسلم على التعايش مع مخالفيه، وعلى قدرته على بناء ذاته خارج أوطانه وبين أقرانه، وهو فقهٌ في مواجهةٍ مباشرة مع الطَّفْرة العلمية والتكنولوجية الغربية، ومع التقدُّم الحضاري الذي يفرض قَدْراً من الندِّية الفكرية والمنهجية.

وهو فوق ذلك دليلٌ عملي على عالمية الإسلام وشمولية رسالته، وتجلٍّ من تجلِّيات الخيرية، والإخراج للناس على منهج البرّ والمعروف والقسط؛ ليتلمَّس الغير رحمة الدين عن قربٍ، وينهلوا من دعوة الحق بين مواطنيهم، الذين يشاركونهم نفس الأرض ونفس القانون.

بما يعني أن هناك مهمّةً إدارية وفنِّية في انتظار هذه المجالس وخلايا البحث التابعة لها؛ لأن علوم الإدارة قد تطوّرت وصارت تعتمد التخطيط للحاضر والمستقبل، ولا بُدَّ أن يبنى التخطيط على فَهْمٍ وعلمٍ بعناصر القوة وعناصر الضعف في المجتمع، ومعرفة الفرص المتاحة والتهديدات المتوقَّعة.

وهي مجرّد قاعدة بيانات قبل وضع الهَدَف الكلّي، والأهداف التفصيلية، ثمّ الوسائل العملية المناسبة؛ ليأتي تنزيلها في أوقات زمنية وخطوات عملية وفي مراحل محدّدة، تعقبها المتابعة الميدانية والمراقبة المستمرّة. وبالموازاة مع هذا المخطَّط ترصد ميزانية مالية كفيلة بتنفيذه. ويوضع هذا البرنامج كلّه تحت تصرُّف الخبراء الأكفاء في مختلف التخصُّصات العلمية.

 

الدراسة الثانية عشرة: قاعدة نفي خلوّ الوقائع من الحكم الشرعيّ، وأثرها في علم أصول الفقه / القسم الثاني

الكاتب: الشيخ صادق اللاريجاني، بقلم: الشيخ محمد حسن القمّي

اشتهر في لسان الفقهاء والأصوليين (أن الواقعة لا تخلو من حكمٍ)، وأنّه ما من ظاهرةٍ من ظواهر الحياة إلاّ ولها حكمٌ شرعي. وقد أرسلها بعضُهم إرسال المسلَّمات؛ بينما ناقش فيها بعضٌ آخر. ولكنّهم ـ مع ذلك ـ لم يعقدوا لذلك بحثاً خاصّاً على حِدَةٍ، وإنّما تعرّضوا لها في أثناء البحوث الأصولية على وجه الإشارة والاختصار، عدا مَنْ شذَّ منهم، كالمحقِّق الخراساني في فوائده، على ما يأتي ذكره إنْ شاء الله.

ولا يخفى أنّ هذه المسألة من المبادئ التصديقية الأحكاميّة لعلم الأصول؛ إذ قد يُستعان بها في نطاق القياسات الأصولية، ويعتمد عليها في استحصال قواعدها، وهذا ما يفرض إفراد بحثٍ مستقلٍّ؛ لدراسة ما يتّصل بهذه القاعدة من بحوثٍ، في مختلف الجوانب وشتّى الجهات، على ما هو حقُّها، فكان الكلام على هذه القاعدة في مقامين:

المقام الأوّل: في بيان المراد بالقاعدة، وتحرير موضع النزاع فيها.

المقام الثاني: في تحقيق المسألة، وبيان الرأي الصواب فيها. وتلحقهما:

خاتمةٌ: في استعراض بعض ما يتوقَّف على هذا المبدأ من المباحث الأصولية؛ لكي يتَّضح بذلك أثره في هذا العلم أكثر فأكثر… والتفصيل في المقالة على صفحات المجلّة.

 

الدراسة الثالثة عشرة: قاعدة التسامح في أدلّة السُّنَن، ودَوْرها في تسرُّب الموضوعات / القسم الثاني

الكاتب: د. الشيخ حسين الخشن

من القواعد التي كثر الاستدلال بها في الكتب الفقهية: القاعدة المعروفة بقاعدة التسامح في أدلّة السُّنَن.

وانطلاقاً من أنّ القاعدة شكَّلَتْ مظلّة لتسرُّب الأخبار الموضوعة إلى فضاء التداول الفقهيّ كان البحث في المراحل التالية:

8ـ التوسُّع في القاعدة:

أـ التوسُّعات الفقهيّة؛

ب ـ التوسُّعات غير الفقهيّة:

1ـ قضايا التاريخ؛

2ـ المواعظ والقصص؛

3ـ بعض قضايا العقيدة، كفضائل المعصومين(عم).

9ـ شروط جريان القاعدة:

أـ كفاية احتمال صدق الخبر؛

ب ـ انتفاء احتمال الحرمة.

10ـ عنوان رجاء المطلوبيّة.

 

الدراسة الرابعة عشرة: فلسفة الأخلاق في فكر الشهيد مطهَّري: الذات بين الألم والسعادة، ومرجعيّة الضبط الأخلاقيّ

الكاتب: أ. إيمان شمس الدين

قد تكون الضوابط القانونية تنظم عمل الأفراد في مؤسَّسات الدولة، إلا أن حديثنا عن القوانين ضابطةً لعلاقات الإنسان مع المحيط الإنساني، وهي ضوابط أخلاقية وقِيَمية. ولكلٍّ ساحته الفكرية نظرياً، ومن ثم ساحته في الضبط اجتماعياً، رغم التداخل الظاهري بين القيمة والأخلاق. وهناك سعيٌ حقيقي بين المفكِّرين والفلاسفة، ومحاولاتٌ تهدف إلى طرح مشروعٍ يمكن من خلاله إعادة الألفة والوئام بين مختلف الأديان، وبين الإنسان وأخيه الإنسان. ومن هؤلاء: المفكِّر الديني السويسري المعاصر هانز كونج(1928م) ، وهو أحد أهمّ الشخصيّات التي اشتغلت على مشروع «السلام الأدياني العالمي»، حيث اعتبر أن مشروعه في المسؤولية والأخلاق العالمية هو حصيلة عمره، وأن هدفه من البحث الديني كلّه كان تحقيق صلحٍ ديني عالمي، وهو يقول بصراحةٍ: «لا صلح بين الأمم دون الصلح بين الأديان، ولا صلح بين الأديان دون الحوار بينها، ولا حوار بينها دون وجود معايير أخلاقية عالمية (أي متعالية عن دينٍ خاص)، ولا بقاء للكرة الأرضية دون هذه المنظومة الأخلاقية الكونية.

إلاّ أن الشهيد والفيلسوف الشيخ مرتضى مطهَّري (1919م ـ 1979م) قارب الموضوع من زاويةٍ مختلفة في أفكاره، تحت عنوان: «المفهوم التوحيدي للعالم»، من خلال تأسيسه لمعيار تقييم للتصوُّر الذي يستطيع أن يكون قاعدةً للأيديولوجيا حين يتّصف بالاستحكام وسِعَة التفكير الفلسفي وقدسية المبادئ الدينية.

فهو أسّس لقاعدةٍ معيارية؛ حتى يضمن جودة التصوُّر للكون والعالم، وهي:

1ـ أن يكون قابلاً للإثبات والاستدلال، أي أن يكون ـ بعبارةٍ أخرى ـ مؤيَّداً بالعقل والمنطق، وبذلك يوفِّر الأرضية العقلية لتقبُّله، ويزيل الإبهام والغموض عن طريق العمل.

2ـ أن يمنح الحياة معنىً، وأن يزيل من الأذهان أفكار عبثية الحياة، ويزيل الإبهام والغموض عن طريق العمل أيضاً.

3ـ أن يبعث في النفوس الاندفاع والشوق والهدفية؛ لتكون له قدرة الجَذْب ومنح الطاقة والحرارة.

4ـ قدرته على إعطاء طابع التقديس للأهداف الإنسانية والاجتماعية؛ ليبعث في نفوس معتنقيه الاستعداد والتضحية وتجاوز الذات، وبذلك يوفِّر عنصر «ضمان التنفيذ» للمدرسة الفكرية القائمة على ذلك التصوُّر.

5ـ قدرته على خلق روح الالتزام والإحساس بالمسؤولية في ضمير الأفراد أمام أنفسهم ومجتمعهم.

واعتبر أن التصوُّر التوحيدي يتوفَّر على جميع الخصائص اللازمة للتصوُّر المطلوب، بل هو التصوُّر الوحيد ـ وفق منظور الشهيد ـ القادر على جمع كلّ هذه الخصائص.

ويوضِّح أن التصوُّر التوحيدي يعني فهم العالم على أنه خُلق نتيجةً لمشيئة، وأن نظام الوجود يقوم على أساس الخير والرحمة، وعلى أساس بلوغ الموجودات كمالَها المطلوب، وهو يعني أن العالم ذو قطبٍ واحد، ومحورٍ واحد، وأن مبدأه ومرجعه واحد: «إنا لله وإنا إليه راجعون». فموجوداتُ هذا العالم ـ وفق هذا التصوُّر ـ تتّجه في اتجاهٍ واحد، ونحو مركز تكاملٍ واحد، وفق نظام منسجم، وليست الخليقة موجوداً عبثياً خاوياً بدون هدف، والعالم يسير وفق مجموعة نُظُم لا تتخلَّف في «السنن الإلهية». والإنسان يتمتّع بين الموجودات بكرامةٍ خاصة، ورسالةٍ خاصة، ويتحمل مسؤولية تربية نفسه، وإصلاح مجتمعه. وهو هنا استلهم الفكرة من الآية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نَشْرِكُ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 14).

وبين كونج ـ الذي يذهب إلى «السلام الأدياني العالمي» ـ ومطهَّري ـ الذي يذهب إلى «المفهوم التوحيدي للعالم» ـ فارقٌ مهمّ، وهو السعة التي ستحقِّقها كلّ نظرةٍ. فبينما يؤسِّس كونج لأخلاق عالمية كونية، كنوعٍ من الضوابط التي تقلِّل مساحات الاختلاف بين الناس، وخاصّة الأديان السماوية؛ فإن الشهيد مطهَّري يوحِّد الكون في نظرته، ويجعله تحت مظلّة قطبٍ واحد، هو الله. وهنا الفرق يكمن في المرجعية المعيارية لكلّ وجهة نظرٍ في التأسيس للمنظومة الأخلاقية، التي من خلالها يمكن توحيد العالم وتحقيق السلام. وهذا الفارق الجوهري هو فارقٌ ظهر بشكلٍ جليّ في أزمة الوباء العالمي «COVID19»، الذي تجلَّت خلاله نظرية نسبية الأخلاق في العالم الغربي، والتي شكّلت لديهم مأزقاً حقيقياً أخلاقياً، كشف الخَلَل المعرفي المصدري والمعياري في تشخيص الضوابط القِيَمية والأخلاقية والمعيارية.

وخلال هذا البحث ستتناول الكاتبة، بقدرٍ من الإمكان، رؤية الشهيد مطهَّري وفلسفته الأخلاقية حول الذات والألم والسعادة، والتي تنطلق من تأسيسه الفلسفي في المفهوم التوحيدي للعالم، وتعتبر مصداقاً جليّاً من مصاديق هذه الرؤية؛ إذ يمكن أن تنطبق عليها ضوابط التصوُّر الذي انطلق منها الشهيد مطهَّري في مفهومه التوحيدي للعالم؛ لأن كثيراً من المدارس الفلسفية الأخلاقية كانت ترى أن الإنسان العاقل لا يتلف عمره في البحث عن الفعل الأخلاقي، فثمّ سذاجة متناهية، وإنما هو يحرص على اللذات والمصالح وأنواع السعادة، ويؤكِّد على أنه لا يوجد في العالم سوى اللذة والمنفعة والسعادة.

ولا تدَّعي الكاتبة أنها قراءاتٌ حَتْمية نهائية؛ لأنه إلى الآن ومنذ آلاف السنين المتصرِّمة، لم تتَّفق آراء فلاسفة العالم على تشخيص ماهية الفعل الأخلاقي، وعلى كون الفعل الفلاني فعلاً أخلاقياً أو لا، واختلفت المدارس اختلافاً كبيراً، أغلبه قائم على مصدرية تشخيص معيار تحديد الفعل الأخلاقي من عدمه.

 

الدراسة الخامسة عشرة: التربية الاجتماعيّة والنفسيّة للفرد المسلم، مطالعةٌ في المقوِّمات والوظيفة والدَّوْر

الكاتب: أ. نبيل علي صالح

لا شَكَّ بأنّ بناءَ الإنسان، وتأهيلَه التأهيلَ النفسي والفكري والأخلاقي والعملي و «المهاراتي» (منذ بداية نشأته الأسرية، وتفتُّحه وتعلُّمه، وعَيْشه الجماعي ضمن مجتمعٍ قائمٍ على منظومة قِيَمٍ اجتماعية أخلاقية ومبادئ سلوك عملية معينة، واستظلاله بدولةٍ تحكمها قوانين ومؤسَّسات وأنظمة معنى)، أقول: لا شَكَّ بأنّ بناء هذا الإنسان على أسسٍ صحيحة وسليمة وهادفة من القِيَم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية والمعايير السلوكية هو البداية الأولى المطلوبة لانطلاقته الصحيحة على طريق تكامله الروحي والمادّي؛ للسَّيْر به على طريق تفعيل وجوده الحيّ الفعّال والمنتج، واستثمار مواهبه وطاقاته الذاتية بما يضمن له تحقيق التقدُّم والازدهار الفردي والمجتمعي، وضمان سعادته ورفاهيته وسعادته في الدنيا، كمقدّمةٍ لسعادته في الآخرة. فالفرد الأخلاقي والمتوازن والحاصل على حقوقه هو أكثر قدرةً وفاعليةً على العطاء والإنتاج والثبات في أرض المواجهات.

من هنا تبدأ أوّل مرحلةٍ من مراحل تطوُّر الشعوب والحضارات، وسَعْيها لتحقيق ازدهارها وسعادتها الحياتية. وهذه المرحلة الأولى هي مرحلة «البناء التربوي» للفرد والجماعة البشرية؛ حيث إن الفرد هو جَوْهر الوجود وغاية الحياة ومنطلقها، والجماعة هي الكتلة الاجتماعية ـ البشرية القِيَمية والفكرية والسياسية، التي تشكِّل «القوّة المحرِّكة»؛ لتحقيق رسالة النهوض والبناء الحضاري المنتظر والمنشود…، وللحديث تتمّةٌ تُراجَعْ على صفحات المجلّة.

 

الدراسة السادسة عشرة: العلوم الإنسانيّة في التراث العربيّ الإسلاميّ، بين دعوى الغياب واعتراف الحضور

الكاتب: د. محمد بنعمر

البحث هذا هو تساؤلٌ عن مدى حضور العلوم الإنسانية في التراث الإسلامي، ممارسةً وكتابةً وتنظيراً، مع العلم أن العلوم، بغضّ النظر عن نوعها وجنسها، عادةً ما تتطوَّر تَبَعاً للمسار والسياق التاريخي الذي تقطعه أغلب العلوم، بجميع أقسامها وأنواعها ومساراتها. والعلوم الإنسانية لا تخرج عن هذه القاعدة المعرفية والقناعة الإبستمولوجية العامة، التي تقطعها أغلب العلوم في تطوُّرها أو في انتقالها وتفاعلها مع باقي ومختلف العلوم الأخرى؛ إذ إن أيّ علمٍ من العلوم يمرّ بعددٍ من المراحل، ويقطع مجموعةً من الأشواط، إلى أن يستقلّ بموضوعه الخاصّ به، ويتميَّز بمناهجه، وينفرد بلغته المفاهيمية.

إن أكبر الدلائل الدالّة والشاهدة والكاشفة على مدى اهتمام علماء الإسلام بالدراسات النفسية والتربوية والاجتماعية هو حضور التصنيف والتأليف في هذا النوع من التخصُّص المتعلِّق بالتراث التربوي الإسلاميّ بشكلٍ كبير، والذي كان موضع اشتغال علماء الإسلام.

فهذه الكتب اعترافٌ جليّ بين الباحثين والدارسين بحضور البحث في القضايا الإنسانيّة، فالعرب والمسلمون قدَّموا إسهاماتٍ جليلةً ومشاركاتٍ رائدةً وكتباً متميِّزة في مجال العلوم الإنسانية، وإنْ كانت هذه المشاركات تعبِّر عن أحوال العصر، وعن الثقافة العامة التي سادَتْ في زمنهم وعصرهم، وهذا شأنٌ عامّ ومشتركٌ، يعمّ جميع أصناف المعرفة الإنسانية والعلوم في نشأتها، وفي تطوُّرها، وفي المسار الذي تمرّ به وتقطعه.

ولا تتأسَّس العلوم الإنسانية من فراغٍ، ولا تتأسَّس اعتباطاً، وإنما تنشأ وتتأسَّس نتيجةً لسياقاتٍ تتحدَّد في الحاجة إلى ذلك العلم، تفرض مجموعةً من المعطيات، كما أن خطاب الريادة والأسبقية، ونحن الأسبق والسبّاقون، لا يساهم ولا يفضي إلى تأسيس خطاباتٍ علمية، إنسانية أو غيرها من العلوم باختلاف أجناسها، التي بإمكانها أن تجيب وتستجيب للمشاكل التي يعيشها الإنسان في حاضره ومستقبله.

والخلاصة من هذه الورقة البحثية حول العلوم الإنسانية وحضورها في التراث العربي الإسلامي أن الاعتراف أو الإنكار لحضور البحث في العلوم الإنسانية لا أهمِّية له، إذا نحن أدركنا المحدودية للقيمة العلمية والمعرفية لهذه البحوث التربوية والنفسية والاجتماعية المنجزة في التراث، ولا سيَّما ما تعلَّق بقدرات هذا المنتوج العلمي التراثي على المستوى المعرفي والعلمي.

 

قراءات

القراءة الأولى: أحاديث «وسائل الشيعة»، تأمُّلاتٌ في خصائص الأسانيد والمتون

الكاتب: الشيخ محمد عباس دهيني

يُعتبر كتاب «وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، لمؤلِّفه الشيخ محمد بن الحسن الحُرّ العاملي، من أهمّ الموسوعات الحديثيّة المتخصِّصة عند الإماميّة، التي أُلِّفت في القرن الحادي عشر الهجريّ. وقد ذكر فيه مؤلِّفُه الأحاديثَ الفقهيّة موضع الحاجة، بسندها ومتنها معاً. وقد تميَّزت هذه الأسانيد والمتون ببعض الخصائص، وهذا ما سوف تستعرضه هذه المقالة في مبحثين:

المبحث الأوّل: خصائص الأسانيد:

أـ ذكر أسناد الأحاديث.

ب ـ ذكر الطرق السنديّة الأخرى للحديث في ذيله.

ج ـ اختصار الأسناد:

1ـ حذف بعض العبارات من أسناد الشيخ الصدوق وغيره من المحدِّثين.

2ـ حذف الألقاب، والكُنى، ونحوها.

3ـ استبدال بعض كلمات السند بضميرٍ دالٍّ عليها.

4ـ الجمع بين الأسناد.

5ـ الاكتفاء بذكر بعض السند.

6ـ حذف أسناد بعض الأحاديث.

7ـ عدم ذكر أسناد أخرى للحديث في ذيله.

8ـ الإشارة لبعض الأسناد المتقدِّمة دون ذكرها تفصيلاً.

9ـ حذف أو اختصار أسماء بعض الأئمّة(عم).

10ـ حذف مشخِّصات بعض الرواة المذكورة في المصدر من السند.

11ـ إنشاء سند للرواية من خلال مضمونها.

12ـ تغيير بعض الأسناد عن حالها في المصدر.

13ـ العطف بين الأحاديث.

المبحث الثاني: خصائص المتون:

1ـ الاختصار.

أساليب الاختصار في المتن:

أـ تقطيع متن الحديث.

ب ـ الصياغة الجديدة لألفاظه.

ج ـ حذف متون بعض الأحاديث، وقسم من أسنادها.

 

القراءة الثانية: تأثير وتجديد كتاب «اقتصادنا»، مناقشةٌ في ضوء تطوير منهجيّة الأبحاث الإسلاميّة

الكاتب: د. مالك أبو حمدان

يتناول هذا البحث موضوع إسهامات عمل «اقتصادنا»، للسيد محمد باقر الصدر، منطلقاً من أطروحةٍ مجدّدة، مفادُها أن التركيز على هذه الإسهامات يجب أن يكون من الزاويتين الإبستمولوجية والمنهجية، حيث يكمن حجر زاويتها، بخلاف ما ذهبَتْ إليه أكثر الدراسات حول هذا العمل. ويقدّم هذا البحث اقتراحاً يهدف إلى تجديد وتطوير منهجية البحوث إسلامية الطابع بشكلٍ عامّ، وهو مبنيّ على التقريب بين إسهامات «اقتصادنا» المنهجيّة وطروحات مدرسة ماكس فيبر المنهجيّة الأساسية. ويقترح، إذن، بشكلٍ رئيس، التقريب بين فلسفة منهجية بناء «المفاهيم الإسلامية» عند الصدر وفلسفة منهجيّة بناء «النموذج ـ المثالي» عند ماكس فيبر، مع الأخذ بالأُطُر الإبستمولوجية الأساسية لهذه الأخيرة.

إنّ الأطروحة المركزية في هذا البحث تتمحور حول فكرتين مركزيتين لا بُدَّ من ذكرهما؛ إنصافاً للبحث العلميّ بشكلٍ عامّ، ولمستقبل العلوم الإسلامية الطابع بشكلٍ خاصّ.

أوّل هاتين الفكرتين هي: التشديد على أنّ عمل اقتصادنا ليس عملاً عابراً في مجال الأبحاث المعنية بتجديد الفكر الإسلامي المعاصر.

وثانيهما: إنّ التركيز يجب أن يتمحور، بالتالي، حول الإسهامات الإبستمولوجية والمنهجية (الظاهرة منها والضمنية) لهذا العمل، أكثر من الإسهامات المفاهمية الجزئية النهائية (كطَرْحه مثلاً حول مفهوم «العمل المنفق» في وجه الرأسمالية، وحول «استمرارية الملكية» في وجه الماركسية…، إلخ).

ويعتقد الكاتب أن أغلب ناقدي هذا البحث إما وقعوا في فخّ الحُكْم القِيَمي كما حدَّد معناه الفيلسوف والعالم الألماني الاجتماعي ماكس فيبر؛ أو أخطأوا في التصويب على الجوانب الجزئية دون الجوانب الأهمّ، وهي الجوانب المعرفية (أي الإبستمولوجية) والمنهجية. وهذه الأخيرة تشكِّل برأيه ـ وبكلّ موضوعيّةٍ ـ ثورةً في عالم البحث حول المواضيع الإسلامية، وهذا ما لم يلاحظه أكثر ناقدي (اقتصادنا).

ويشدِّد الكاتب في هذا السياق على أنه ليس في صدد الدفاع الأيديولوجي أو الديني أو الحزبي عن السيد محمد باقر الصدر، وإنما في صدد الدفاع عن الأمانة العلميّة، وخصوصاً في صدد الكشف عن كنوز ثمينة لمستقبل الدراسات حول تجديد منهجية البحوث الإسلامية أو ذات الطابع الإسلامي عموماً.

 

هذه هي

يُشار إلى أنّ مجلّة «الاجتهاد والتجديد» يرأس تحريرها الشيخ محمد عبّاس دهيني، والمدير المسؤول: ربيع سويدان. وتتكوَّن الهيئة الاستشاريّة فيها من السادة: الشيخ أحمد المبلِّغي (من إيران)، الشيخ حسن الصفّار (من السعودية)، الشيخ خميس العدوي (من عُمان)، د. محمد خيري قيرباش أوغلو (من تركيا)، د. محمد سليم العوّا (من مصر). وهي من تنضيد وإخراج مركز (papyrus).

وتوزَّع «مجلّة الاجتهاد والتجديد» في عدّة بلدان، على الشكل التالي:

1ـ لبنان: دار المحجّة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الرويس، خلف محفوظ ستورز، بناية رمّال، ص.ب: 5479/14، هاتف: 541211(9611+).

2ـ مملكة البحرين: شركة دار الوسط للنشر والتوزيع، هاتف: 17596969(973+).

3ـ جمهورية مصر العربية: مؤسَّسة الأهرام، القاهرة، شارع الجلاء، هاتف: 7704365(202+).

4ـ الإمارات العربية المتحدة: دار الحكمة، دُبَي، هاتف: 2665394(9714+).

5ـ المغرب: الشركة العربيّة الإفريقيّة للتوزيع والنشر والصحافة (سپريس)، الدار البيضاء، 70 زنقة سجلماسة.

6ـ العراق: أـ دار الكتاب العربي، بغداد، شارع المتنبي، هاتف: 7901419375(964+)؛ ب ـ مكتبة العين، بغداد، شارع المتنبي، هاتف: 7700728816(964+)؛ ج ـ مكتبة القائم، الكاظمية، باب المراد، خلف عمارة النواب. د ـ دار الغدير، النجف، سوق الحويش، هاتف: 7801752581(964+). هـ ـ مؤسسة العطّار الثقافية، النجف، سوق الحويش، هاتف: 7501608589(964+). وـ دار الكتب للطباعة والنشر، كربلاء، شارع قبلة الإمام الحسين(ع)، الفرع المقابل لمرقد ابن فهد الحلي، هاتف: 7811110341(964+).

7ـ سوريا: مكتبة دار الحسنين، دمشق، السيدة زينب، الشارع العام، هاتف: 932870435(963+).

8ـ إيران: 1ـ مكتبة الهاشمي، قم، كذرخان، هاتف: 7743543(98253+). 2ـ مؤسّسة البلاغ، قم، سوق القدس، الطابق الأوّل. 3ـ دفتر تبليغات «بوستان كتاب»، قم، چهار راه شهدا، هاتف: 7742155(98253+).

9ـ تونس: دار الزهراء للتوزيع والنشر: تونس العاصمة، هاتف: 98343821(216+).

10ـ بريطانيا وأوروپا، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع:

United Kingdom London NW1 1HJ. Chalton Street 88. Tel: (+4420) 73834037

كما أنّها متوفِّرةٌ على شبكة الإنترنت في الموقعين التاليين:

1ـ مكتبة النيل والفرات: http: //www. neelwafurat. com

2ـ المكتبة الإلكترونية العربية على الإنترنت: http: //www. arabicebook. com

وتتلقّى المجلّة مراسلات القرّاء الأعزّاء على عنوان البريد: لبنان ــ بيروت ــ ص. ب: 327 / 25.

وعلى عنوان البريد الإلكترونيّ: mdohayni@hotmail.com

وأخيراً، وللاطّلاع على جملة من المقالات الفكريّة والثقافيّة المهمّة، تدعوكم المجلّة لزيارة:

الموقع الخاصّ:

www.nosos.net

تطبيق الاجتهاد والتجديد:

https://play.google.com/store/apps/details?id=com.mehdok.papyrus.ejtihad

كما يمكنكم متابعة: أخبار المجلتين، وبعض مقالاتهما، وقراءات حولهما، وكتبهما، والنشاطات المتعلّقة بهما، …إلخ، على وسائل التواصل التالية:

الفايسبوك / Facebook:

https://www.facebook.com/profile.php?id=100054992093172

صفحة الفايسبوك / Facebook:

 https://www.facebook.com/مجلة-نصوص-معاصرة-109061414276898/

الواتسأب / Whatsapp:

https://chat.whatsapp.com/IckP3tLZpJMG3q5buT65R0

قناة التيليغرام / Telegram:

https://t.me/nosos_ijtihad

الإنستغرام / Instagram:

https://www.instagram.com/p/CFK1Rf9HRUt/?igshid=1u95dhp0xfn13

تويتر / Twitter:

https://twitter.com/NIjtihad?s=07



أكتب تعليقك