18 نوفمبر 2022
التصنيف : كلمات تحرير
لا تعليقات
88 مشاهدة

مصارحاتٌ مذهبيّة، وقفةٌ في معنى «عدالة الصحابة»

كلمة التحرير في مجلة نصوص معاصرة، العدد المزدوج 63-64

في بحثٍ شائكٍ ومتشعِّبٍ وحسّاسٍ للغاية، ولكنّه بالغ الأهمّيّة ـ ولا سيَّما في زماننا هذا ـ، كالحديث عن «عدالة الصحابة» (أصحاب النبيّ محمد(ص))، تطرح أسئلةٌ عدّةٌ نفسَها، ولا يجد الباحث بُدّاً من الإجابة عنها، بما يرضي الله، ويدرأ نار فتنةٍ إنْ اشتعلَتْ فلن تبقي ولن تذر.

معنى «العدالة»

وفي نظري إن أبرز هذه الأسئلة على الإطلاق: ما هو المعنى الصحيح لكون هؤلاء الصحابة عدولاً؟

فبعيداً عن مفهوم الصحبة، واختلاف العلماء في تحديده؛ بين واقعيٍّ يرى الصحبة مسؤوليّةً ورسالةً ووظيفةً تبليغيّة، فهو قد صحب النبيّ(ص)؛ ليتعلَّم منه، ثمّ ينقل هذه العلوم إلى غيره، فلا بُدَّ من المرافقة المعتدّ بها، زماناً واستعداداً وفاعليّةً؛ ومتسامحٍ يرى الصحبة مقاماً تشريفيّاً، يُغْبَط عليه الصدرُ الأوّل من المسلمين، الذين لقوا رسول الله(ص) ورأَوْه وسمعوا بضع كلماتٍ منه، ولو في لقاءٍ واحدٍ أو يومٍ واحد….

بعيداً عن ذلك كلِّه ما يهمُّني أن أتناوله في هذا المقام هو معنى العدالة التي يوصف بها هؤلاء الأصحاب، قلّوا أو كثروا، فهل هي كعدالة غيرهم من المسلمين ـ على اختلاف تعريفاتها ـ أو هي عدالةٌ خاصّة أرقى وأشرف وأجلّ وأعظم من أيّ عدالةٍ أخرى لمسلمٍ؟

العدالة في أحد تعريفاتها هي الاستقامة في جادّة الشريعة (الخوئي، منهاج الصالحين 1: 9)، فهل هي كذلك في قولنا: «عدالة الصحابة»؟ وهل كلّ الصحابة قد استقاموا؟ وهل هم يتحلَّوْن بهذه المَلَكة على الدوام، ودون انقطاعٍ، أو أنهم يفقدونها ولو في أحايين قليلة؟

«العدالة» أو «شبه العصمة»؟

الواقع ـ الذي خبرتُه بنفسي ـ أن «عدالة الصحابة» بنظر القائلين بها نوعٌ من «العصمة» العمليّة، أو قريبةٌ جدّاً من «العصمة».

وهؤلاء قد يعيبون على بعض المذاهب الإسلاميّة ـ كالشيعة ـ أنهم يقولون بعصمة النبيّ(ص)، وابنته فاطمة الزهراء(عا)، وزوجها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع)، وأحد عشر إماماً من أولادهما، بدءاً من السبط الأكبر للنبيّ(ص)، وهو الحسن بن عليّ المجتبى(ع)، وصولاً إلى الإمام الثاني عشر، والغائب المنتَظَر، محمد بن الحسن المهديّ(ع) ـ ولا يرَوْن [أي الشيعة] عصمةً لغيرهم ـ، ويعتبرون ذلك نوعاً من الغلوّ في هؤلاء العظماء من آل بيت النبيّ(ص).

ولكنّهم في تعاطيهم مع «الصحابة» يلتزمون بما من شأنه إثبات شبه عصمتهم، بل سلامتهم من العيوب والآفات والأمراض و…

ففي إطار عملٍ موسوعيّ حول الحديث النبويّ في تراث المسلمين كانت لنا مساهمةٌ ومشاركةٌ ـ وإنْ لم تصِلْ؛ لأسبابٍ عديدة، إلى خواتيمها بإخراج هذا العمل إلى القارئ الكريم ـ، وكانت لنا لقاءاتٌ مع المحقِّقين المتخصِّصين في علم الحديث ـ وقد استفَدْنا منها كثيراً ـ، وممّا لاحظناه في عملهم أنهم حين يريدون الترجمة لرواة حديثٍ ما ـ أو ما يُعْرَف بـ «السند» ـ فإنهم يترجمون للرواة واحداً بعد آخر، ويستخرجون ما قيل فيه من جَرْحٍ أو تعديلٍ في الكتب الخاصّة بذلك، فإذا وصلوا إلى الراوي الأخير، أي الذي ينقل عن النبيّ(ص) مباشرةً، وهو «الصحابيّ»، فإنهم لا يترجمون له، ولا يذكرون حاله وتوثيقه أو تضعيفه، معتمدين في ذلك على «عدالة الصحابة»، فالجميع دون استثناءٍ ثقاتٌ، بل عدولٌ.

وهنا حَضَرَتْني عقيدةُ الشيعة في أئمّتهم الاثني عشر(عم)، حيث يرَوْنهم ـ كرسول الله(ص) ـ معصومين (والعصمة أعلى من العدالة)، لا يخطئون، ولا يسهَوْن، ولا ينسَوْن، بل لا يعانون من أمراضٍ وآفاتٍ تجعلهم يتوهَّمون أو لا يسمعون جيِّداً أو لا ينطقون بشكلٍ صحيح…

فإذا لم تُذْكَر ترجمةٌ للصحابيّ؛ اكتفاءً بقاعدة «عدالة الصحابة»، التي تمنحه حصانةً من الكذب والوضع، فهل تمنعه أيضاً من الخطأ والوَهْم وبعض الأمراض ـ كضعف السمع أو البصر أو التركيز ـ المانعة من الوثوق بنقله لقولٍ أو فعلٍ أو…؟!

قد يكون للشيعة ما يذكرونه من الأدلّة على عصمة الإمام، بل لزوم ذلك؛ ولكنّ أهل السنّة يرفضون هذه الأدلّة، ويناقشون فيها، في حين أن مقولةً قريبةً جدّاً من تلك المقولة، أي «العصمة»، تحضر عمليّاً في قولهم بـ «عدالة الصحابة»، بالشكل الذي بيَّنّاه!

مواقف متقابلة

وفي المقابل نجد للشيعة موقفاً متشنِّجاً من الصحابة كعنوانٍ عامّ، حيث لا يرَوْن لهم أيّ فضلٍ على غيرهم، بل رُبَما نظروا إليهم نظرةً سلبيّةً شاملة؛ استناداً إلى أن الناس قد ارتدّوا بعد رسول الله(ص) إلاّ ثلاثة أو أربعة (راجِعْ: رجال الكشّي: 8)؛ ويقابله تبسيطٌ في النظرة والتعامل مع بعض أئمّة أهل البيت(عم)، وكأنّهم فقهاء عاديّون، أو محدِّثون كغيرهم ممَّنْ تحمَّل الحديث ونقله، ولذلك خَلَتْ بعض كتب الحديث ـ كصحيح البخاري ـ من حديثٍ للإمام جعفر بن محمد الصادق(ع)، وهذا ما لا ينسجم مع مكانتهم وسعة عطائهم.

مكامن الخطأ المنهجي

الذي أريد قوله: إن منهجيّةً خاطئةً قد حكمَتْ كلا الفريقين، فأوصلَتْهم إلى ما هم عليه، وأبرز مكامن الخطأ في هذه المنهجيّة ما يلي:

1ـ التعميم في المدح والقدح

وهو ما يؤدّي إلى التطرُّف في الحكم، والبُعْد عن الموضوعيّة في التقييم والوصف.

فالصورةُ الحاضرة أن الصحابة ـ مثلاً ـ عدولٌ جميعاً إلاّ مَنْ خرج بالدليل؛ أو غير عدولٍ جميعاً إلاّ ما استُثني، وعلى ذلك يترتَّب:

أـ الإعفاء من التحرّي عن حال الصحابة عند أهل السنّة، كما أسلَفْنا.

بل نجد في بعض المباني الرجاليّة لدى الشيعة أن توثيقاتٍ عامّةً تُمنَح لمجموعاتٍ كبيرةٍ دفعةً واحدة، كأصحاب الصادق(ع)، أو مشايخ النجاشي، أو مشايخ الطوسي، أو أصحاب الإجماع. وما ذلك إلاّ من باب التعميم في المدح، وسرعان ما ينكشف خطأه.

ب ـ استعظام أن يُقال في وصف أحد «الصحابة»: «صحابيٌّ جليل»، وهذا ما نشهده بوضوحٍ في البيان الشيعي؛ فكأنّ الصحبة لا تجتمع مع جلالة القدر وعظم المنزلة، إلاّ في القلّة القليلة الخارجة ببرهانٍ ساطع.

ولعلّ المستند هو ما رُوي من «ارتداد الناس بعد النبيّ(ص) إلاّ ثلاثة».

ولكنْ حتّى مع التسليم بذلك فإن أغلبهم قد عاد ورجع، أفلا تُقبَل منهم التوبة؟!

ثمّ أين تاريخهم المشرق في صدر الإسلام؟!

ولنفرض أنهم سقطوا في امتحان الولاية والخلافة، فهل يعني ذلك أنهم تركوا الدين كلَّه، وتحلَّلوا من أحكامه، فلا وثاقة بهم، ولا عدالة لهم، ولا يُصدَّقون في نقل قولٍ أو فعلٍ أو موقفٍ عن رسول الله(ص) في مسائل دينيّةٍ أخرى؟!

2ـ الإيغال (الغلوّ) في التحسين والتقبيح

حيث لا يُرى لبعض «الصحابة» أيّ حَسَنةٍ، وكذلك لا يُرى لبعض الرواة ـ كأصحاب النبيّ(ص) عند أهل السنّة، وأصحاب الإجماع أو… عند الشيعة ـ أيّ سيِّئة.

وهذا خطأٌ قاتل في التقييم والتعاطي مع الناس كافّةً، ولا سيَّما ذوي الشأن والأثر في الدين والدنيا؛ فمهما كان الموقف من بعض تصرُّفات فلان فلا بُدَّ أن لا يغيب عن الذهن ما له من صفاتٍ حَسَنةٍ وأعمالٍ قيِّمةٍ، والعكسُ صحيحٌ.

ولئلاّ يبقى الكلام مُجْمَلاً مُبْهَماً نطرح بعض الأمثلة:

1ـ مهما كان الاختلاف مع الخليفتين أبي بكر وعمر ـ على سبيل المثال، لا الحَصْر ـ في قضيّة الإمامة، وما رافقها من قضايا، فلا ينبغي أن يغيب عن الذهن، في معرض الحديث عنهما، وبيان حالهما، أن الأوّل هو صاحب النبيّ(ص) في هجرته، وأنّه كانت له أيادٍ بيضاء على كثيرٍ من المسلمين، كما حين اشترى بلال بن رباح الحبشيّ، وأعتقه؛ لينجو من العذاب الأليم؛ وأن الثاني هو صاحب ما يُسمّى بـ «الفتوحات الإسلاميّة»، التي لا يزال الوجدان العامّ الإسلامي يراها من الإنجازات العظيمة في تاريخ المسلمين، وهو مَنْ أسَّس ـ ممّا عرفه في بلاد فارس ـ التنظيم الإداريّ في الدولة الإسلاميّة. إذن لا شخصيّة سوداء بالمطلق، ولا شخصيّة بيضاء بالمطلق، سوى ما ثبت بالدليل.

2ـ وعندما نسمع قول النبيّ(ص): إن «عمّار جلدة بين عيني وأنفي» (رجال الكشيّ 1: 128 ـ 129) ـ وهو تعبيرٌ كنائيّ بطبيعة الحال ـ، أو قوله(ص): «سلمان منّا أهل البيت» (الصفّار، بصائر الدرجات: 6؛ الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين 3: 598)، أو قوله(ص): «ما أظلَّت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء ذا [على ذي / من ذي] لهجةٍ أصدق [ولا أوفى] من أبي ذرّ» (الطبرسي، الاحتجاج: 139؛ سنن الترمذي، ح 3802)، فإن هذا لا يمنع من الاعتقاد بأنّ أحدهم قد يخطئ، ولو عن غير قصدٍ أو لشبهةٍ أو…

3ـ وعلى ذلك أيضاً، لا يجوز توهينُ وردُّ حديث فلانٍ لمجرّد أنّه «رافضيّ»، كما يقع ذلك ـ للأسف ـ من بعض أئمّة الجَرْح والتعديل، فأن يكون المرء في خطّ أئمّة أهل البيت(عم)، ويؤمن بولايتهم وعدم ولاية غيرهم، لا يعني أنه غيرُ ثقةٍ أو غيرُ عَدْلٍ أو كذّابٌ أو وضّاعٌ؛ فلا تلازم بين الأمرَيْن بتاتاً.

3ـ التشهير والإعلان

كما يفعل بعضُ مَنْ لا يتفطَّنون للعواقب الوخيمة لمثل هذا العمل، في تسعير نار الفتنة، وإثارة البغضاء والأحقاد، وتعميق الخلافات والعداوات، وتوريثها للأجيال اللاحقة في امتداد الزمن. وهو على أيّ حالٍ أمرٌ مخالفٌ لمنهج أهل البيت(عم)، الذين كانوا يرفضون مثل هذه الأعمال رفضاً قاطعاً شديداً؛ فالولاء والبراءة من أعمال القلب، التي لا يمكن المنع منها أو الإكراه عليها، ويكفي فيها عقد القلب عليها، دون النطق بلسانٍ، ولذلك:

1ـ قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع): «أَلاَ وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي; فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي، فَإِنَّهُ لي زَكَاةٌ، وَلَكُمْ نَجَاةٌ; وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلاَ تَتَبَرَّأُوا مِنِّي، فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ» (نهج البلاغة، الخطبة 57).

2ـ قيل لمولانا الصادق(ع): يا بن رسول الله، إنّا نرى في المسجد رجلاً يعلن بسبِّ أعدائكم ويسمِّيهم؟ فقال: «ما له ـ لعنه الله ـ يعرِّض بنا» (الصدوق، الاعتقادات في دين الإماميّة: 107).

نداءٌ للوَعْي

هذه بعض مقارباتٍ صريحة، نرجو من خلالها أن يعي الجميع:

ـ أن موارد الاتّفاق بين كافّة المسلمين أكثر بكثيرٍ من موارد الاختلاف.

ـ أنه ما من حَسَنٍ وثقةٍ وعَدْلٍ مطلق، وما من قبيحٍ وغيرِ ثقةٍ وغيرِ عَدْلٍ مطلق؛ فالعصمة لأهلها فقط.

ـ أن الوسطيّة والاعتدال في النظر والتقييم هو السبيل الأوحد لتعايشٍ واقعيٍّ وسلميٍّ بين المسلمين.



أكتب تعليقك