حوارٌ مع سماحة الشيخ محمد دهيني
ضمن برنامج (آراء وأحداث)، على قناة الثقلين العالميّة، مع الإعلامي يعقوب علويّة
بتاريخ: الثلاثاء 25 ـ 6 ـ 2013م، الساعة 5.00 عصراً
1ـ ما هو رأي الدين في مسألة تأخر سن الزواج هذه الأيام؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.
للدِّين رأي واضحٌ في مسألة الحثّ على الزواج عموماً، فقد جاء عن النبيّ(ص): «النكاح سُنَّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» (بحار الأنوار 100: 220).
وأمّا الزواج المبكِّر أو المتأخِّر فيختلف حكمه بحسب الحاجة إليه، وبمعنى آخر: إنّما شُرِّع الزواج ورُغِّب فيه إحصاناً للنفس، ولذلك يُطلق على المتزوِّج صفة «المحصَِن»، وتغلَّظ عليه العقوبة إذا ما ارتكب فاحشة الزنا، فيُرْجَم، وأمّا غير المحصَِن فيُجْلَد لا غير.
إذاً حكم الزواج المبكِّر أو الزواج المتأخِّر يدور مدار الحاجة إليه، وكونه عوناً على تحصين النفس من المعصية. فإذا ما شاع السفور، وانتشرت الفحشاء ـ كما في زماننا هذا ـ، وخاف الإنسان على نفسه من المعصية أو خيف عليه ذلك، وجب عليه أن يبادر إلى ما يكون حاجباً بينه وبينها، كما يجب على مَنْ يقوم بشؤونه أن يسعى في تزويجه، زواجاً مؤقَّتاً أو دائماً، وأمّا الإحصان بملك اليمين فقد استطاع الإسلام أن يخلِّص البشريّة بعد أكثر من ألف عامٍ، وإلى الأبد إنْ شاء الله تعالى، من نظام الرِقّ والعبوديّة المقيت والظالم، والذي يتنافى مع كرامة الإنسان، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
ومن الطبيعي أن يتنافى الزواج المبكِر مع بعض أوضاع الإنسان في الحياة، حتّى قال الشهيد الثاني رحمه الله مقالته المشهورة في تنافي طلب العلم مع الزواج المبكِر، أو مثل ما نراه من أنّ بعض الشباب لا يملكون شيئاً على الإطلاق، لا بالفعل ولا بالقوّة، يعني لا نقداً ولا عملاً ينتج لهم مالاً، ومع ذلك يبادرون إلى الزواج بمجرَّد رغبتهم فيه، فيتحوّلون إلى كَلٍّ وعِبْء على الناس المحيطين بهم. هنا لا يحسن الزواج المبكِّر. وهذا ما يدفعنا للتأمُّل في السبب الذي دفع رسول الله(ص) إلى تأخير زواجه حتّى بلغ الخامسة والعشرين، وهكذا فعل أميرُ المؤمنين عليٌّ(ع)، حتّى أخذ بالعمل، وامتلك ناقةً ودِرْعاً وسيفاً، وزوَّجه رسول الله(ص) بمهرٍ بسيط هو قيمة الدرع، خمسمائة درهم.
لهذا أنا أدعو الإخوة الشباب المتحمِّسين للزواج كثيراً، ولمّا يبلغوا العشرين من العمر، أو لمّا يدخلوا ساحة العمل والإنتاج، أن يتفكَّروا جيِّداً في ما يُقْدِمون عليه.
نعم تأخير الزواج أو الإعراض عن الزواج بشكلٍ نهائي، بحججٍ غير واقعيّة، أمرٌ مرفوضٌ في الشريعة، لأنّه يتنافى مع الحصانة الأخلاقيّة للإنسان، وأيضاً يؤثِّر في إضعاف بِنية المجتمع الإسلامي، من حيث العدد، ولهذا ورد عن النبيّ(ص) أنّه قال: «تناكَحوا تناسَلوا؛ فإنّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة» (عوالي اللآلي 1: 259).
وهذا الأمر ليس خاصّاً بالشباب فقط، بل هو يشمل الفتيات أيضاً، وإنْ كانت مجتمعاتنا لم تعتَدْ على أن تكون الفتاة هي مَنْ يُقدِم على الزواج، وإنّما تنتظر مَنْ يتقدَّم لخطبتها، ولكنْ عليها أن تراعي في شروطها وتصوُّراتها التي تبني عليها موقفها في القبول والرفض مسألة كون هذا الزواج زواجاً مبكِّراً أو زواجاً متأخِّراً، فإذا كانت قد بلغت سنّاً متقدِّمة فعليها أن تتنازل عن كثير من هذه الشروط، التي قد لا تكون واقعيّة، وتكون سبباً في أنّها تأخَّرت إلى هذه السنّ؛ كي تتمكَّن من تكوين حياة أُسَرِيَّة توفِّر لها وللزوج السكينة والمودَّة والرحمة، وتشكِّل إحدى لبِنات المجتمع الإسلامي العزيز والكريم.


















