وعي الانتظار، متى ترانا ونراك؟
خلاصة محاضرة أُلقيت في المعهد الشرعي الإسلامي ـ القسم النسائي، بتاريخ: الأربعاء 4 / 2 / 2026
؟؟؟
أسعد الله أيامكم بولادة الإمام أبي القاسم محمد بن الحسن المهديّ المنتظر(عج)، وجعلنا من أنصاره وأعوانه، والممهِّدين لسلطانه.
نحتفل به حيّاً مولوداً موجوداً، ولو أنكروه وأكثروا.
نافعاً نفعاً كثيراً، كما العبدُ الصالح الخضرُ مع بني إسرائيل، يحمي ويصلح ويحفظ؛ كالانتفاع بالشمس وقد حجبها السحاب، لكنّ حرارتها حاضرةٌ ومؤثِّرة، به يرفع اللهُ العذابَ، فهو الأمان لأهل الأرض.
ونزعم أننا نمهِّد لدولته، فأيُّ تمهيدٍ هو المطلوب والمرضيّ؟
لا تمهيد توسعة البنيان، كما في جمكران.
لا تمهيد تجهيز المكان، كما في الكوفة ومساجدها.
لا تمهيد تحديد الزمان: قريباً أو تعييناً دقيقاً.
لا تمهيد السلاح، فهو لا يريد سلاحاً ولا يعوزه السلاح.
لا تمهيد الهتافات والشعارات والأناشيد الطنّانة الرنّانة…
وإنما التمهيد المتناغم مع أهداف الدولة والمشروع.
هو وارث الأنبياء جميعاً، هو محقِّق حلم الأنبياء جميعاً، هو تجلّي إرادة الله في أن يكون له في الأرض خليفةً لا يفسد في الأرض ولا يسفك الدماء، وإنما هو العدل والإحسان والصلاح والإصلاح والرحمة والمحبة والسلام والأمان…
فإذا أردنا التمهيدَ الحقَّ فإنما يكون في هذا الخطّ والنهج والاتجاه:
1ـ التمهيد بدءاً من الذات:
أـ عبر تزكية النفس: ولا أتحدَّث هنا عن المعاصي الفردية، رغم خطورتها، بل عن المعاصي الاجتماعية، كالفساد والظلم والعدوان والبغي، كمخالفة قوانين السير، والتعدي في البنيان، وتقاضي الرشوة، وخيانة العمل، وخيانة الزواج، وخيانة الأوطان…، إلخ. والامتحانُ ببابكم، فموسم الانتخابات قادمٌ، فانظروا مع مَنْ تكونون.
ب ـ عبر تربية الأجيال تربية إيمانية صالحة وصادقة.
2ـ أن لا يكون همُّنا أن نراه، في منامٍ أو يقظةٍ أو….
3ـ أن لا نصدِّق مَنْ يدَّعي رؤيته ولقاءه والحديث معه.
فليس مهمّاً أن نراه، بل المهمّ أن يرانا هو، وكيف يرانا؟ ألا نقرأ: (متى ترانا ونراك؟): رؤيته لنا أوّلاً، ثمّ تكون رؤيتنا له: (اللهمّ أرنا الطلعة الرشيدة)، ظهوراً، لا مجرَّد لقاءٍ عابر فاتر.
والأهمّ: كيف سيلقانا؟ كيف سيجدنا؟
هل هو راضٍ عنا؟
هل سيقبلنا في جُنده وأنصاره؟
هل سيفتخر على نبيّ الله وروح الله عيسى ابن مريم(ع) بنا؟
هل سيباهي بنا الأمم أو سنكون وصمةَ عارٍ في جبين التشيُّع؟
لن يظهر قبل جهوزنا، قبل أن نصير لائقين مستعدّين.
لن يظهر قبل أن يأمن أننا لن نسلِّمه لطاغيةٍ أو مستبدٍّ، وأننا لن نخذله ونرفضه، وأننا لن نسبَّه ونشتمَه، وأننا لن نقول له: ارجِعْ يا بن فاطمة، فما هذا الدينُ الجديد الذي جئتنا به؟! دينٌ لا مكان فيه للبِدَع والخرافات والعادات والتقاليد البالية، دينٌ لا حسابَ فيه للمجاملات، دينٌ لا محلَّ فيه للمطامع والشهوات والرغبات الممنوعة شرعاً: فلا ربا، ولا تطفيف، ولا غشّ، ولا خيانة، ولا رشوة، ولا واسطة، ولا تقديمَ للمفضول على الفاضل، ولا فساد، ولا ظلم، ولا عدوان، ولا بغي، ولا استهانةَ بالكرامات، ولا تكفير، ولا اضطهاد، ولا قمعَ للحُرِّيات: (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، ولا… ولا….
فهل نحن مستعدّون للقبول والخضوع لهذا الدين؟! هل نحن مستعدّون للالتزام بوصاياه في غيبته، كبرهانٍ على جهوزيتنا للالتزام بأوامره ونواهيه عند حضوره؟!
فقد أوصى المؤمنين بالتقيّة، التي هي دين آبائه وأجداده، وهي علامة الدين الكبرى: (فلا دين لمَنْ لا تقيّة له). هل نتمسَّك بها أو نجاهر ونفاخر ونكاثر بما لدينا، ولو كان حقّاً، دون حسابٍ لعاقبةٍ أو تغيُّر أحوال؟
هو آخر تجربةٍ إلهيّةٍ، ولن يسمح الله بإفشالها، ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، ولو كره الكارهون. ستنجح حَتْماً جَزْماً عَزْماً، فهل نتحمَّل خِزْيَ وعارَ وخَجَلَ منعها وإفشالها ومواجهتها.
إلى الله نشكو غيبته، لا لنسقط في وطأة الهمّ والحزن والكَرْب والبلاء، بل لنرتفع ونرقى في درجات العمل والسعي الدؤوب لسدّ هذا الفراغ قدر المستطاع؛
لئلا نكون عثرةً في طريق ظهوره، وعقبهً أمام خروجه، وحاجزاً وحائلاً دون حضوره.
لئلا نكون قاطعي طريقٍ، ومانعي نعمةٍ إلهيّةٍ كبرى؛ اذ لن يحضر عند المتقاعسين عن أداء مسؤولياتهم، وعند المجرمين المفسدين، وعند العابثين اللاهين.
لن يحضر إلا عند جهوزية المؤمنين الواعين المخلصين.
وحينها لا حاجة لسلاحٍ، ولا حاجة لعسكرٍ، ولا حاجة لمقرّاتٍ ومقاماتٍ ومساجد خاصّة؛ لتكون كالمعسكرات، فقلوبُ الناس هي معسكره، وعقولُ الناس هي ميدانه، وحياةُ الناس هي ساحته.
فهل أعددنا العدّة لظهوره؟! هذا هو السؤال الذي ينتظر جواباً، نرجو أن يكون إيجابياً، وأن لا يطول كثيراً.



