خُلقتَ للقيادة، لا للذوبان
محاضرة رمضانية بدعوةٍ من اللجنة المركزية لشيعة أوتاوا ـ كندا، بتاريخ: 25 / 2 / 2026
؟؟؟
الإخوة الكرام والأخوات الكريمات من أتباع أهل البيت(عم) في كندا السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه… والسلام موصولٌ مشفوعٌ إلى كلّ الإخوة والأخوات في الجاليات الإسلامية في بلاد الاغتراب… نهنئكم جميعاً بحلول شهر رمضان المبارك، ونسأل الله العليّ القدير أن يجعله شهر سلامٍ ومحبّةٍ ومغفرةٍ ورحمةٍ، وأن يتقبَّل فيه صيامنا وقيامنا، ويختم لنا بالخير والبركة.
أنت، مَنْ أنت؟ وما أدراك مَنْ أنت؟ أنت ابنُ آدم، أنت خليفةُ الله، أنت الذي باهى الله به ملائكته فقال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، وحَسِبوا أنهم أشرفُ وأرفعُ وأعظمُ من هذا المخلوق الجديد، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وخلق آدمَ على صورته، أي الصورة التي هو [أي الإنسانُ] عليها اليوم، لم يتبدَّل ولم يتغيَّر ولم يتطوَّر، فلقد خلقه الله منذ البداية في أحسن تقويم، سوّاه ونفخ فيه من روحه، فمنحه العقلَ دليلاً على التفضيل والتعظيم، وعلَّمَه وهداه إلى وظائف الكائنات جميعاً؛ تهيئةً له كي يتعامل معها، ويحيا بينها، ويستفيد منها: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، فأظهروا عَجْزَهم، وأقرّوا بأنه لم يعلِّمهم كما علَّم آدم، ولم يَهْدِهم ويبيِّنْ لهم كما فعل مع آدم: قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (*) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ.
أنت ابنُ آدم، أنت وكيلُ الله في هذه الأرض، أنت خليفتُه وحجّتُه.
بالعقل ميَّزك، بالعلم ميَّزك، بهدايته ونصيحته وإرشاده ميَّزك، وأَهَّلَك لتحمل الأمانة، وهي المسؤولية والتكليف بأمره ونهيه، رفضتها السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَالْجِبَالُ جميعاً، وقبلتَها، وكنتَ أهلاً لها، ولو لم تكن أهلاً لما حمَّلَك إياها؛ إذ سيكون من التكليف بغير المقدور، وهو قبيحٌ، جلَّ اللهُ وتعالى عنه عُلُوّاً كبيراً.
العقل، العلم، هدى الله، هذه مميِّزاتُك، وتحت هذه الأمور الثلاثة لا بُدَّ أن تتحرَّك.
أما العقل الذي هو أوّل مخلوقٍ لله تبارك وتعالى، فلما خلق الله العقل قال له: أقبِلْ فأقْبَل، وأدبِرْ فأدْبَر، ثمّ قال: وعزَّتي وجلالي، ما خلقتُ خلقاً أعزَّ عليَّ منك، أما إني إياك آمر وإياك أنهى، وبك أُثيب وبك أُعاقب.
العقل القادر لا العاجز، العقل الواعي لا المتخلِّف، العقل الحُرّ المستقلّ لا العقل التابع والحبيس.
هذا العقل الذي يمكنه أن يدرك الحُسن والقُبح، وكيف لا وهو الذي يُستدلّ به على اللهِ نفسِه، يُستدلّ به على وجود الله ووحدانيّته وسائر صفاته، ويُستدلّ به على لزوم بعث الأنبياء، ويُستدلّ به على ضرورة يوم القيامة والرجوع إلى الله تبارك وتعالى للحساب، فهو القادر في العقيدة فكيف لا يكون قادراً فيما سواها.
إذن هو يدرك الحُسن والقُبح، فيعرف ما هو الحَسَن ويعرف ما هو القبيح.
ولذلك من وحي عقلك وفكرك ووَعْيك وإدراكك، من وحي ما أودعه الله فيك عند خلقك في أحسن تقويم، وعندما نفخ فيك من روحه ما جعل منك الأفضلَ والأعظمَ بين المخلوقات؛ لأنك خليفتُه وحجّتُه، وفيك نفثةٌ من روح الله، وومضةٌ من علم الله.
من وحي عقلك هذا لا بُدَّ أن تكون مع مظاهر الحُسن والجمال والكمال على المستوى الإنساني والبشري…
أن تكون الصادقَ الأمينَ:
الصادقَ في قوله، وفي فعله، وفي موقفه، وفي كلّ حركةٍ له في هذه الحياة.
الأمينَ على نفسه التي هي وديعةُ الله عنده، وعلى غيره من شركائه في هذا العالَم، من الجنّ والإنس والحيوان والطبيعة، يحفظُها جميعاً من الخَطَر والضَّرَر والأذى.
وعليه ينبغي أن يكون العادل، الذي يعطي لكلّ ذي حقٍّ حقَّه، ولا يسلب أحداً ما يستحقُّه.
هذا هو معنى العدل الذي يمتدّ في كافة الاتجاهات:
العدل مع النفس بأن لا يظلمها بشِرْكٍ أو كُفْرٍ أو فِسْقٍ أو فجور؛
العدل مع الآخرين بأن يعطيهم حقوقهم كاملةً غير منقوصة: أن يُحسِن إليهم، أن لا يعتدي عليهم، أن لا يضرَّهم، ولا يؤذيهم، ولا يسخرَ منهم، ولا يغتابَهم، ولا يتجسَّسَ عليهم، ولا يحسدَهم، ولا يحقدَ عليهم، ولا ولا ولا…
أن يحفظ لكلّ ذي حقٍّ حقَّه، ولو لم يكن من صنف العقلاء، ولو كان من الحيوانات العجماوات، فإنها كائناتٌ حيّة، لها حقوقها، فلا بُدَّ من مراعاتها. وكذلك الطبيعة، وكذلك البيئة، وكذلك ما خلقه الله تبارك وتعالى من سماواتٍ وأرضين، وما تحويه من الغازات المفيدة والمؤثِّرة في حياة الإنسان على هذا الكوكب، لا بُدَّ أن يحافظ عليها ويحميها ويرعاها.
هذا هو العدل، وهو أحسنُ الحَسَن، فقد يقصر العقل أحياناً عن إدراك حُسنٍ أو قُبحٍ هنا أو هناك، ولكنْ لا يناقش أحدٌ في أن العقل يعرف ويدرك ويعلم قطعاً وجَزْماً ويقيناً بأن العدل حَسَنٌ، وأن الإحسان حَسَنٌ، وأن الصدق حَسَنٌ، وأن الأمانة حَسَنةٌ.
بهذا تملكُ قلوبَ العباد، وتستحوذُ على عقولهم، وتستميلُ مشاعرهم؛ ليكونوا إمّا إخوةً لكَ في الدين أو نظراءَ لكَ في الخلق. لا تنظر إلى أديانهم، لا تنظر إلى مذاهبهم، لا تنظر إلى سلوكهم، ولكنْ انظر إلى نفسك، فهذا العمل عملُك، يُنسب إليك؛ فإنْ كان حَسَناً فأنتَ الحَسَن الجميل، وإنْ كان قبيحاً فأنتَ القبيح الخبيث، فالعملُ عملُك، والموقفُ موقفُك، وهذا ما أكَّده القرآن الكريم: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لاَ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، قد يكون هناك أقوامٌ تبغضونهم وتختلفون معهم، لكنْ مع ذلك يبقى العدل هو المطلوب والمتعيِّن، وفي آيةٍ أخرى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، فالعفو خيرٌ، والصلح خيرٌ، والسلام خيرٌ، والمحبّة خيرٌ، والرحمة خيرٌ، هذه كلُّها من الخَيْرات الحِسان، التي ينبغي أن نتسابق إليها: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، أن نسارعَ ونستبقَ إلى كلّ ما فيه الخير، وكلّ ما هو حَسَن، وأن نبتعد عن القبائح والرذائل والعدوان والآثام والظلم والخيانة والكذب والإساءة، وحتّى عن مشاعر الكُرْه والحِقْد والحَسَد والضغينة و…، ولا سيَّما أننا نحمل ونمثِّل هذا العنوان (مسلمون) (أتباع محمّد) (أتباع عليّ) (أتباع أهل البيت)، وقد ورد في وصيّة أحد أئمتنا(عم) لصاحبه الشيعيّ الموالي: (الحَسَن من كلّ أحدٍ حَسَن، ومنكَ أحسن؛ لقُرْبك منا [إذ سيقولون هذا مسلم، هذا شيعي، هذا جعفري]، والقبيح من كلّ أحدٍ قبيح، ومنكَ أقبح؛ لقُرْبك منا). ونحنُ اليوم كذلك، محسوبون على هؤلاء العظام، فما يصدر منا يُنسَب إليهم ويُحسَب عليهم، ويُدانون به أو يكون وساماً على صدورهم بأنهم هَذَّبوا ورَبُّوا وأدَّبوا شيعتَهم وأتباعَهم على كذا وكذا، فيُعْجَب بهم الناس، ويتقرَّبون إليهم ويرغبون فيما معهم، ويدخلون في دينهم وفي مذهبهم، ويلتزمون بعقيدتهم وشريعتهم، وهكذا نكون الدعاةَ إلى هذه العقيدة وهذه الشريعة بغير لسانٍ: (كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم). هذا هو المطلوب، وهذا هو الذي يمكننا أن نقوم به.
وهذا هو الذي يمكن أن تُفسَّر به فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد، فلقد حار الفقهاءُ في تفسير قول رسول الله(ص): (مَنْ رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده؛ فمَنْ لم يستطع فبلسانه؛ فمَنْ لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان)، في حين أن الترتيب المنطقيّ ترتيبٌ آخر، يبدأ من الأخفّ إلى الأشدّ، يبدأ بالاستنكار القلبي، فإنْ لم ينفع فالاستنكار القولي باللسان، فإنْ لم ينفع فالاستنكار باليد، وهذا الترتيبُ معاكسٌ تماماً لما ذكره رسول الله(ص)! لكنْ لو فهمنا الأمر بالمعروف بهذا الشكل الذي سنذكره لحُلَّت المسألة بسرعةٍ: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مرتبة اليد ليس هو أن تضرب أو تكسر أو تهدم أو تقطع أو ما إلى ذلك من أعمال عُنْفيّة تجاه الآخر المرتكِب، وإنما تأمر وتنهى من خلال سلوكك وعملك وموقفك وسيرتك، لتكون القدوة والأسوة لهؤلاء جميعاً، بأنه يمكن لإنسان عاقلٍ ناجحٍ واعٍ بصيرٍ حضاريٍّ أن يقوم بكذا وكذا من أعمال البرّ، وأن يَدَع ويهجر كذا وكذا من أعمال الشرّ، وأن يكون ناجحاً وموفَّقاً وفي أعلى المراتب. هذا سيجعلهم ينبهرون بهذه التجربة، ويميلون إلى أن يكونوا مثله.
وأما العلم فهو ذاك المقدَّس، الذي جعله الله ميزاناً وفَيْصلاً وحَكَماً بين عباده: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ، ولم يذكر للعلم في هذه الآيه متعلَّقاً، لم يقُلْ ما الذي يعلمونه وما الذي لا يعلمونه؛ للإشارة إلى أن مطلق العلم مفيدٌ ونافعٌ ومقدَّمٌ ووسامٌ. وهكذا كانت سيرةُ خاتمِ الأنبياء والمرسلين نبيِّنا الأكرمِ محمّدٍ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً. فينبغي أن يكون هدفُنا على مستوى هذا الهدف النبوي، أن أزداد في كلّ يوم علماً وفَهْماً ووَعْياً وإدراكاً وتجربةً، وأن يكون لنا حضورنا في مقام الإبداع والاختراع، والاكتشاف لنظريّاتٍ وحقائقَ جديدةٍ، أن نعضّ على العلم بنواجذنا، ونقبض عليه بإحكامٍ، أن لا يكون في نفوسنا وقلوبنا أيُّ حزازةٍ تجاه العلم ومكتشفات العلم، ولا سيَّما الحقائق العلمية الثابتة الواضحة الجلية البيِّنة المسلَّمة التي لا نقاش فيها. هذا الجفاء مع العلم يعيدنا إلى العصور الخالية، إلى عصور الجاهلية، إلى عصور البداوة، إلى عصور الظلمات، إلى العصور القديمة، يعيدنا إلى الوراء، والله يريدنا أن نتقدَّم، يريدنا أن نرمي بأبصارنا إلى أقصى المستقبل، أن نتقدَّم يوماً بعد يومٍ، فعن أمير المؤمنين(ع): (مَنْ تساوى يوماه فهو مغبونٌ)، يعني هذا خَسْران، لا بُدَّ أن يكون المستقبل خيراً من اليوم، كما كان اليوم خيراً من الأمس. وهذا يعني أنه ممنوعٌ أن ترجع إلى الماضي، ممنوعٌ أن ترجع إلى الوراء، وانما يجب أن تتقدَّم دائماً أبداً إلى الأمام فقط، ولذلك لا بُدَّ أن نتصالح مع معطيات العلم، على كافّة المستويات، وفي كلّ الاتجاهات، في شؤون الدنيا، وفي الأمور المرتبطة بالدين أيضاً، فإن للعلم كلمتَه المحترمةَ حين يحقِّق لنا موضوعاً، أو حين يبلور لنا مفهوماً، أو حين ينقِّح لنا عنواناً من العناوين التي انصبَّتْ عليها أحكامُ الله (الأحكام الشرعية)؛ فالعلمُ هو الذي يرتِّب لنا ذلك، كما في مسألة بداية الشهر القمري مثلاً، فالهلالُ ظاهرةٌ كَوْنيّة سبقَتْ بني آدم، وستبقى بعدهم إنْ كان للأرض بقاءٌ، إذن هي ليست مرتبطةً بالإنسان، وإنما كانت قبله: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، يوم خَلَقها قبل الإنسان، ثمّ بعد ذلك قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، فالأرضُ قبل الإنسان، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، فهو يتحدَّث عن هذه الأشهر القمريّة المتحرِّكة في الفصول؛ إذ عندما تتقابل مع الأشهر الشمسية فالأشهر الشمسية تزيد عليها بأحد عشر يوماً تقريباً، وبالتالي لا بُدَّ أن تتحرَّك ولن تكون مستقرّةً أبداً، هذه الشهور التي يتحدَّث اللهُ عنها هي الشهور القمرية، وهي كانت موجودةً قبل الإنسان الذي يطمح لرؤية الهلال، وكان الشهر يدخل سواءٌ وَصَل نورُ الهلال إلى الأرض أو لم يَصِلْ بَعْدُ، وإنما يدخل الشهر بمجرَّد خروج القمر من ظلمة المحاق، ففي اللحظة الأولى لوقوع ضوء الشمس عليه يبدأ شهرٌ جديد، وينتهي الشهر الماضي. هذه هي بداياتُ الشهور ونهاياتُها عند الله. أما أن تصوم لرؤيته وتفطر لرؤيته فهذا هو الميسورُ والمقدورُ عليه في ذاك الزمن، هذا ما كانوا مضطرّين إليه؛ إذ ليس لهم وسيلةٌ أخرى لتحقيق العلمِ واليقينِ، بل الظنِّ القويّ فقط لا غير؛ أما اليوم فقد بلغ الإنسانُ ما بلغ، وصار قادراً على تحديد تلك اللحظةِ بدقّةٍ، اللحظةِ التي يخرج فيها القمر من ظلمة المحاق، ويحتضن ضوءَ الشمس لأوّل مرّةٍ بعد غياب. يحدِّد العلمُ ذلك بيقينٍ تامٍّ، فهل نترك مثل هذا اليقين، لنعود إلى طريقةٍ قديمةٍ باليةٍ اضطراريّةٍ ظنّيةٍ، كانت ولا زالت توجب الوقوع في أكثر من متاهةٍ وشبهةٍ وخطأ؟! ولذلك نجد في بعض الروايات أنه إذا غُمَّ عليكم ثمّ جاءكم مَنْ يشهد من البلدان المجاورة أنهم رأوه فاقْضِ، أو إذا رؤي في ليلةٍ مطوَّقاً فهو ابن ليلتين، فاقْضِ أو استغفِر اللهَ لصيام العيد، إذن كانوا ولا زالوا يتورَّطون في أمور كثيرة من هذا القبيل، يتركون بعض صيامهم، ويصومون في عيدهم، ولكنّهم كانوا مضطرّين لذلك، وكان هذا هو الخيار الوحيد المتاح لهم، أما اليوم فقد صار بالإمكان اللجوء إلى خياراتٍ أكثرَ دقّةً وصدقاً وضماناً لأداءٍ صحيحٍ للعبادات، فينبغي أن لا نهجر العلم، وأن لا نخاصم العلم، ينبغي أن نحترم العلماء وأهل العلم، ينبغي أن نقدِّرَهم ونساعدَهم، ينبغي أن نكونَ إلى جانبهم ونتيحَ لهم الظروف الملائمة؛ لكي يحلِّقوا ويبدعوا وينفعوا البشرية. هذا هو السقف الثاني: العلم.
وأما السقف الثالث فهو هُدى الله، شرعُه ودينُه وأحكامُه التي جاءنا بها الأنبياءُ والمرسلون، والتي كانت لخير البشرية وصلاحها في ما لا يمكنها أن تدركَه بعقولها، فمهما بلغَتْ هذه العقول من العَظَمة تبقى هناك بعضُ المناطق المظلمة، وتبقى هذه العقول متحيِّرةً متردِّدةً في بعض المواضع: ما الذي تؤدِّيه من طقوسٍ عبادية تقرُّبيةٍ ليرضى الله؟ أي ما الذي يريده؟ ما الذي يحبُّه؟ ما الذي يُرضيه؟ هذا لا يمكن أن تكتشفه بعقلك مَحْضاً، وإنما تحتاج فيه إلى معلِّمٍ، إلى مَنْ ينقل إليكَ ما الذي يريده الله، ما الذي يحبُّه، ما الذي يرضاه. وكذلك ما يتعلَّق باكتشاف بعض المصالح والمنافع الكبرى، أو بعض المفاسد والمساوئ العظمى، هذه قد لا يستطيع العقلُ أن يدركها، وإنما اللهُ تبارك وتعالى الذي خلق هو الأدرى والأعلمُ بتفاصيل ما خلق: أين تكمن المصلحة؟ وأين تكمن المفسدة؟ وما هو مقدار هذه المصلحة والمفسدة؟ فكيف تحصِّل سلوكاً وعملاً تراعي فيه المصلحةَ والمفسدةَ؟ تُراعي فيه المصلحةَ فتُقْدِم، وقد يكون إقدامُك هذا لازماً ضرورياً واجباً، وتُراعي فيه المفسدةَ فتُحْجِم، وقد يكون إحجامُك هذا لازماً ضرورياً واجباً، هذا ما قد لا يستطيع العقلُ أن يحدِّده، وإنما يحدِّده اللهُ من خلال أحكامه التي تدلّ على وجود مصلحةٍ أو وجود مفسدةٍ، فتراه يوجب ما يقود إلى المصلحة، ويحرِّم ما يؤدّي ويجرُّ إلى المفسدة:
فيحرِّم السرقةَ التي فيها عدوانٌ وظلمٌ، وهي أمرٌ قبيحٌ بحكم العقل، كما أسلَفْنا…
ويحرِّم الفسادَ الذي هو أعظم قُبحاً من السرقة.
ويحرِّم الكذب الذي فيه غشٌّ وخيانةٌ للحقيقة ولمَنْ تحدِّثُه، حيث تنقل إليه صورةً والصورةُ الواقعيةُ خلافُ ذلك تماماً.
ويحرِّم الرِّبا الذي هو سرقةٌ مقنَّعة، هو استغلالٌ خبيثٌ رخيصٌ لفقر الآخرين، يأتيكَ مَنْ يريد بعضَ المال لطعامه لشرابه لملبسه لمسكنه، فتعطيه وأنتَ تعرف أنه بالكادِ يستطيعُ أن يوفِّيك ما أعطَيْتَه، ولكنّك تطالبُه بالزيادة؛ لتجلسَ في بيتك بعد فترةٍ، ويكونَ كلُّ عملك هو هذا، أن تقرضَ الآخرين، ثم تستفيدَ من الزيادات من هنا وهناك. فمالُك ينتج المال دون جهدٍ أو تعبٍ أو عناءٍ. هذا ممنوعٌ. الذي ينتج المال هو المال مع الجهد، المال + الجهد يعطي المال وينمّي المال، أما المالُ وحدَه فلا يمكن أن ينتج مالاً حلالاً، وإنما يكون المال حراماً وسُحْتاً.
ويحرِّم العلاقاتِ غيرَ الشرعيّة بين الرجل والمرأة، يحرِّم الزِّنى؛ لما فيه من هَتْكِ أعراضٍ، واختلاط أنسابٍ، وخراب بيوتٍ فيما لو كان الزِّنى مع المتزوِّجات أو المتزوِّجين مثلاً. هذا قُبحُه وسوؤُه واضحٌ: وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً، هذا تجاوزٌ للحَدِّ الأخلاقي والقِيَمي، هذا أمرٌ سيِّئٌ في ذاته وطبيعته.
فالذي يحدِّد هذه المصالح أو المفاسد، أو القُبح أو الحُسن، هو اللهُ، ويمكن للعقل أن يفعل ذلك في بعض المواضع، ولكنْ لا بُدَّ من هدايةٍ إلهيّةٍ لتتميم وتكميل هذا الرشاد، ولذلك ينبغي أن نبقى تحت سقف الهداية الإلهية والتشريع الربّاني والحكم الشرعي.
تحت هذه السقوف، وبهذه المعايير جميعاً، بها كلِّها مجتمعةً، نستطيع أن نرقى ونتقدَّمَ ونكونَ في أعلى درجات الحضارة والتطوُّر والحضور الإنساني الأخلاقي القِيَمي العلمي، على كافّة المستويات: العلمية، الثقافية، الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية.
هكذا تكون لنا رتبةُ القيادة، لا القيادةُ التي تجعلنا نتحكَّم بمصائر العباد وشؤون البلاد، ولو من غير استحقاقٍ، بل أن نكون قادةً ربّانيين، لنا القيادةُ الربّانيةُ التي تهدف إلى خدمةِ المجتمعات، وتأمينِ رفاهيّتها، وتحقيقِ أمنها وسلامها، وتيسيرِ أمورها، وتوفيرِ كافَّة احتياجاتها، والنهوضِ بها في حركةٍ كَوْنيةٍ كبيرةٍ شاملة، نستطيع من خلالها أن نستفيد غايةَ الاستفادة ممّا خَلَقه الله تبارك وتعالى لنا ولأجلنا
فالهدفُ الأسمى والأكبرُ والأخيرُ هو الآخرة، ولكنْ لا ننسى نصيبَنا من الدنيا: وَابْتَغِ فِي مَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ، ما دُمْتَ تحت هذا السقف في الإحسان، المستند إلى العقل والعلم وهُدى الله، فهذا هو الطريقُ الصحيحُ المُوصِلُ إلى الله، هذا هو الطريقُ المَرْضيّ عند الله، هذا هو الطريقُ الذي به رَغَدُ العيش في الدنيا، والفوزُ والسعادةُ في الآخرة.
هكذا نكونُ خلفاءَ الله بحقٍّ، هكذا نكون القادةَ الربّانيين، هكذا نلفت أنظارَ العالَمين جميعاً إلى حُسْنِ ديننا، وجمالِ مذهبنا، وكمالِ عقيدتنا، وغنى شريعتنا. هكذا نكون الداعين إلى الله بغيرِ ألسنتِنا. هكذا يكون لنا الأجرُ مكرَّراً ومضاعفاً: أجرٌ عن أنفسنا؛ وأجرٌ عن الآخرين الذين أقبلوا على اللهِ بسببِنا.
بهذا نُرضي الله، بهذا نتقدَّم ونتطوَّر، بهذا نتعايَشُ مع الآخرين، بهذا نحبُّ العالَمين جميعاً، وبهذا نرجو منهم أن يقبلونا ويتعايشوا معنا. بهذا وَحْدَه تكون النجاةُ والفوزُ والسعادةُ في الدنيا والآخرة. والحمدُ لله ربِّ العالمين.



