4 مارس 2026
التصنيف : كلمات ومحاضرات
لا تعليقات
17 مشاهدة

الطمأنينة والقلق المعرفي في الإسلام

محاضرة رمضانية بدعوةٍ من اللجنة المركزية لشيعة أوتاوا ـ كندا، بتاريخ: 4/ 3/ 2026

؟؟؟

الإخوةُ الكرامُ والأخواتُ الكريماتُ من أتباع أهلِ البيت(عم) في كندا، السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه… والسلامُ موصولٌ مشفوعٌ إلى كلِّ الإخوةِ والأخواتِ في الجالياتِ الإسلاميةِ في بلاد الاغتراب… ونلتقي مُجَدَّداً في شهر رمضان، شهرِ القرآن، شهرِ الإسلام، نتزوَّدُ من عَذْب مَعينِه ونَميرِه.

بأمرٍ إلهيٍّ خالدٍ وعظيمٍ افتُتِحَ الكتابُ الربّانيُّ المجيدُ، دستورُ المسلمين الخالدُ مدى الدهر: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. هكذا كانَ ﴿اقْرَأْ﴾ أوّلَ الرسالةِ التي ستمتدُّ لتشملَ كلَّ ربوعِ الأرضِ، هكذا كان الأمرُ الإلهيُّ لنبيِّه الخاتَمِ والأكرمِ محمّدٍ(ص) أن يقرأ في هذا الكَوْن قراءةً شهودِيّةً لمكتوبٍ شهودِيٍّ، وهو كتابُ الخِلْقَةِ والتكوينِ، كتابُ الآفاقِ والأنفسِ؛ بقرينةِ قولِه تعالى: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. ومن خلال التأمُّلِ النبويِّ في مَلَكوتِ السماءِ والأرضِ والأنفسِ وصل(ص) إلى ما كان عليه من السَّيْرِ والسلوكِ إلى اللهِ جَلَّ وعلا. وأمّا ﴿اقْرَأْ﴾ الثانية في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ فتتعلَّق بكتاب التشريع؛ بقرينةِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، أي قلمِ الهدايةِ والتشريعِ، وقد طَالَعَ رسولُ اللهِ(ص) جميعَ كُتُبِ التشريع، منذ آدمَ(ع) إلى عيسى(ع)، وإليه يُشير قولُه تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ﴾. ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، أي ما لم يعلَمْه سابقاً، ولكنْ يمكن أن يعلَمَ بعضَه لاحقاً بلا تعليمٍ من اللهِ، غير أنّ بعضَه الآخرَ لا يمكن العلمُ به إلاّ بتعليمِ الله.

فليَقْرَأْ هذا الخليفةُ للهِ في أرضِه كلَّ ما في هذا الكَوْن، ولْيستشرفْ أسرارَه، ولْيتعلَّمْ من التجارب الدروسَ والعِبَرَ. فلْيقرأْ باسمِ الخالقِ الذي خَلَقَ فأتقنَ. فلْيقرأْ هذا التنظيمَ والإبداعَ، فلْيقرأْ لِيرقى في سُلَّمِ التطوُّرِ والحضارةِ والحياةِ الهانئةِ السعيدةِ.

هكذا أُمِرَ ابتداءً، وهكذا تتابعَ الوَحْيُ إليه بالعلمِ الغزيرِ، علمٍ لا انقطاعَ له، علمٍ كثيرٍ كبيرٍ غنيٍّ بالمعارفِ والحِكَمِ، ومع ذلك كان نبيُّنا الخاتَمُ(ص) يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾، لم تشبَعْ نفسُه وروحُه وعقلُه من العلمِ والمعرفةِ، وإنّما أرادَ المزيدَ يوماً بعد يومٍ، أرادَه لنفسِه، وأرادَه لغيرِه، فحَثَّ أتباعَه المؤمنين على طَلَبِ العلمِ ولو في الصين، على طَلَبِ العلمِ من المَهْدِ إلى اللَّحْدِ، وكيف لا يفعلُ ذلك وهو يقرأُ في كتابِ خالقِه وربِّه وهاديه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

نعم، أيُّها الأحبّة، إنه العلمُ، القيمةُ الأسمى في هذه الحياةِ، العلمُ الذي يُضادُّ الجهلَ ، العلمُ الذي يشكِّلُ سبيلَ نجاةٍ ، العلمُ الذي به ترقى المجتمعاتُ، العلمُ الذي به تكونُ للإنسانِ هَيْبةٌ وقيمةٌ وسَكينةٌ. العلمُ الثقافةُ المعرفةُ الوَعْيُ كلُّها لوازمُ للعقل، الذي هو النعمةُ الكبرى، العقلُ والوَعْي والإدراكُ التي يقابلها الجَهْلُ والجَهالةُ، أي السفاهةُ والطَّيْشُ التي تخرِّبُ حياةَ الإنسانِ، وتَجُرُّه إلى النَّدَم، عاجِلاً أو آجِلاً، وتمنعُه من الرُّقِيِّ والتقدُّمِ، وتُدخلُه في صراعاتٍ ومتاهاتٍ وخلافاتٍ لا حدودَ لها. بالعلمِ وَحْدَه يمكن أن نتخلَّصَ من هذا السَّفَهِ، بالعلمِ وَحْدَه يمكننا أن نديرَ العالمَ باطمئنانٍ وثقةٍ، أن نمتدَّ بالعلاقاتِ المتشعِّبةِ الكثيرةِ إلى كلِّ ما حولَنا في هذا الكَوْن، بالعلمِ الذي يكشفُ أسرارَ هذه الكائناتِ جميعاً، ويضعُها في درجاتِها الحقيقيةِ، ويعرِّفُنا على مراتبها الوجوديّة، والذي إذا استَنَدْنا إليه فلن نخشى سقوطاً أو ضَرَراً أو أذىً .

ومن هنا كانت الدعوةُ الإلهيّةُ الربّانيةُ الدينيةُ إلى التفكُّرِ والتدبُّرِ والتأمُّلِ والنَّظَرِ، فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ﴾ ﴿أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلاَ يَنْظُرُونَ﴾. من هنا كان الحَثُّ على هذه الحركاتِ الفكريةِ العقليةِ الواعيةِ، من هنا اعتُبرَت هذه الأمورُ خيراً من آلافِ العباداتِ الطقوسيةِ الجامدة، فكان الحديثُ الشريف: «تفكُّرُ ساعةٍ خَيْرٌ من عبادةِ سَنَةٍ».

هو علمٌ نحصِّلُه بجهودِنا بتعبِنا بسَهَرِنا بتجاربنا بتحليلنا، ولكنْ هناكَ ما هو أسمى من هذا العلم، هناك العلمُ اللَّدُنّي: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾، هناك العلمُ الذي يقذفُه اللهُ في قلبِ مَنْ أحبَّ من عبادِه، واللهُ يحبُّ المتّقين ويحبُّ المحسنين ويحبُّ التوّابين ويحبُّ المتطهِّرين ويحبُّ الصابرين ويحبُّ المقسطين [أي العادلين] ويحبُّ المتوكِّلين، فعلينا أن نسعى لنكونَ من هؤلاء، كي نكونَ أحبابَ الله، فإذا أحبَّنا قرَّبَنا، وإذا قرَّبَنا أعطانا، وإذا أعطانا أدهشنا بعطائِه، وكفانا من نِعَمِه، المفيدةِ والنافعةِ.

نعم، يُعطينا ويُؤتينا كما آتى آخَرين من عبادِه الصالحين، كما آتى لقمانَ الحكمةَ، وكما آتى العبدَ الصالحَ رفيقَ موسى(ع) العلمَ الذي أفاد منه للقيامِ بخدمةِ الناس، ورعايةِ مصالحِهم، وجلبِ سعادتِهم، وحفظِ مستقبلِهم، في القصّة التي تعرفونها جميعاً من خلالِ سورةِ الكهفِ المباركة. هذا العلمُ اللَّدُنّي الراقي قد لا يكونُ متاحاً لكلِّ أحدٍ ، وإنّما يحتاجُ إلى مقدِّماتٍ على المستويات النفسيّة والروحيّة والعقليّة والإدراكيّة والأدبيّة والتربويّة. هذا العلمُ اللَّدُنِّي هو الذي يحلِّقُ بنا في سماءِ الوصولِ إلى الله، وإنْ كان للعلم الحصوليّ دَوْرُه وأهمِّيتُه، ولكنّ العلمَ اللَّدُنِّي لا يُقارَنُ به من حيثُ الأهمِّيةُ والدَّوْرُ والنَّفْعُ والخَيْرُ.

نعم، هذا العلمُ يُؤتينا اللهُ إيّاه، وهو الخالقُ الرازقُ المدبِّرُ الربُّ المسيطرُ المالكُ، وكلُّ شيءٍ تحت يدِه وتصرُّفِه وقدرتِه وسلطانِه، ولذلك عندما يُعطينا مثلَ هذا العلم فإن آثارَه ومنافعَه وخيراتِه ستكونُ كثيرةً جدّاً جدّاً جدّاً، وسترقى بالإنسان إلى دَرَجةٍ عاليةٍ يتعرَّف فيها على هذا الكَوْن وما فيه، بكلِّ تفاصيله، وبكلِّ دقّةٍ، فيعرفَ قيمةَ نفسِه، وقَدْرَ نفسِه، وأنّه العبدُ الذليلُ الحقيرُ الفقيرُ الخاضعُ المسكينُ المستكين أمامَ سيِّدٍ ومولىً قادرٍ قاهرٍ، جبّارِ السماواتِ والأَرَضين، مالكِ يوم الدين، عندَه مفاتيحُ خزائنِ هذا الكَوْن جميعاً.

ولذلك هذا العلمُ يورثُ الخشيةَ من الله تبارك وتعالى، لا الخشيةُ بمعنى الخوفِ والقَلَقِ والفَزَعِ، وإنّما الخشيةُ الإيجابيّةُ، أي أن نهابَ اللهَ تبارك وتعالى، الذي عَنَتْ كُلُّ الوجوهِ لهَيْبتِه، وانقادَ كُلُّ عظيمٍ لعَظَمتِه. هَيْبتُه وعَظَمتُه تتجلّى بأبرز صُوَرها للعلماءِ بحَقٍّ، لمَنْ يعرفون اللهَ تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا ـ وإنما في اللغة للحَصْر ـ يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، هؤلاءِ وَحْدَهم الذين يخشَوْن اللهَ كما ينبغي ويجب ويستحقّ، هؤلاءِ وَحْدَهم، دونَ غيرِهم، الذين يَصِلُون إلى هذا المستوى. ولذلك نقرأُ في الدعاءِ أيضاً: «اللهُمَّ عرِّفْني نفسَكَ فإنكَ إنْ لم تعرِّفْني نفسَكَ لم أعرِفْ رسولَكَ، اللهُمَّ عرِّفْني رسولَكَ فإنكَ إنْ لم تعرِّفْني رسولَكَ لم أعرِفْ حجَّتَكَ، اللهُمَّ عرِّفْني حجَّتَكَ فإنكَ إنْ لم تعرِّفْني حجَّتَكَ ضَلَلْتُ عن ديني»، وأيُّ خَسارةٍ أكبرُ من الضلالِ والتِّيهِ والضياعِ عن الدين؟! وهنا نلاحظُ هذا الترتيبَ التربويَّ العظيم: البدايةُ معرفةُ اللهِ عزَّ وجلَّ، ثمّ معرفةُ النبيِّ الرسولِ صاحبِ الشريعة، ومنه نعرف الأعمالَ التي يجب أن نلتزمَ بها ـ أمراً ونَهْياً ـ، والدستورَ الذي ينبغي أن نحترمَه ونخضعَ له، والأحكامَ الشرعيّة التي تمثِّل القانونَ التفصيليَّ في هذه الحياةِ، ثمّ معرفةُ الوصيِّ والحُجَّةِ، الكفيلِ بإتمامِ ما بَدَأه الأنبياءُ جميعاً.

بهذه المعرفةِ وهذا العلمِ نرقى ونتطوَّرُ ونتقدَّمُ إلى الأمامِ دائماً، ونكونُ على أُهْبَةِ الاستعدادِ لتلقّي الفيضِ الإلهيِّ الكبيرِ على مخلوقاتِه في هذا الكَوْنِ الفسيح. فالمهمُّ أن تكونَ القابليةُ موجودةً، ولا قابليّةَ إلا بالعلمِ، وبمثلِ هذه المعرفةِ العميقةِ المتجذِّرةِ.

هذا العلمُ وهذه المعرفةُ يقودانِنا إلى محاولةٍ رائدةٍ في العصمةِ، عصمةِ النَّفْسِ عن الذنوبِ والخطايا، وإلزامِها بالتقوى والوَرَعِ والطاعةِ، فإنْ لم نكُنْ قادرين على أن نكونَ المعصومين بشكلٍ كاملٍ يمكنُنا أن نقتربَ من هؤلاءِ بهذا العلمِ المتاحِ للجميعِ. يمكنُ لنا أن نسيرَ في دَرْبِ العصمةِ والطهارةِ فنقتربَ شيئاً فشيئاً، وإنْ لم نصِلْ إلى النهايةِ والغايةِ.

نعم، أيُّها الأحبة، العلمُ يعني وضوحَ الرؤيةِ، أمّا الجاهلُ فهو كالأعمى الذي يسيرُ خَبْطَ عشواءَ، لا يهتدي إلى طريقٍ صحيحٍ، لا في عقيدةٍ، ولا في شريعةٍ. العلمُ يعني وضوحَ الرؤيةِ، يعني السَّكينةَ والطمأنينةَ؛ إذ قد تعيشُ القَلَقَ لكي تحصلَ على معلومةٍ صحيحةٍ دقيقةٍ صائبةٍ نافعةٍ، وذلك خَيْرٌ لكَ من أن تبقى في حالةِ الجَهْلِ، ويبقى القَلَقُ مرافقاً لكَ طوالَ الطريقِ. قد تعيشُ القَلَقَ لتحصيلِ العلمِ، وقد يمتدُّ هذا القَلَقُ لفترةٍ قصيرةٍ، هي فترةُ تحصيلِ العلمِ، لكنْ بعدَ ذلكَ ستكونُ الطمأنينةُ والسَّكينةُ والراحةُ والخَيْرُ والمنفعةُ، وسيكون النجاحُ في الدنيا والآخرةِ؛ النجاحُ في الدنيا من خلالِ مكتَشَفاتِ العلمِ، التي لا بُدَّ أن تتغيَّر، ولا بُدَّ أن نواكبَها ونستعدَّ لها، لا بُدَّ أن نكونَ على قَدْرِ المسؤوليةِ في أن نتلقَّفَ مُعْطَياتِ العلمِ، وبسرعةٍ؛ لئلاَّ يفوتَنا القطارُ، فقطارُ العلمِ سريعٌ جدّاً، ومَنْ رَكبَه سارَ ووَصَل، ومَنْ تخلَّف عنه بَقِيَ حيث هو، في غياهِبِ الماضي وعصورِ الجاهليّةِ الجهلاء؛ وأما النجاحُ في الآخرةِ فبهذا العلمِ يمكنُ لنا أن نتعرَّفَ على اللهِ أكثر، وأن نتعرَّفَ على حاجتِنا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ أكثر، وأن نتعرَّفَ إلى لزومِ أن يكونَ هناكَ أنبياءُ ورُسُلٌ وأوصياءُ أكثر، ونتعرَّف على ضرورةِ أن يكونَ هناكَ يومُ معادٍ إلى اللهِ تبارك وتعالى؛ يُخرجُنا من قبورِنا لنقفَ بين يدَيْه للحسابِ؛ حتّى لا يستوي العادلُ والظالمُ، ولا يستوي البَرُّ والفاجرُ، ولا يستوي المؤمنُ والمجرمُ. وهكذا تكتملُ عندنا العقيدةُ، فإذا توفَّرَتْ العقيدةُ الصحيحةُ كنّا من المؤمنين المُسْلِمين المُسَلِّمين الراكعين الساجدين الخاضعين للهِ بكلِّ جوارحِنا وجوانحِنا؛ لأنّنا نعرفُ مَنْ هُوَ؟ بهذا نَخْرُجُ من الإلحادِ الذي قد يكون ظاهراً واضحاً، وقد يكون مُقنَّعاً خَفيّاً، كالذي نشهده في يومِنا هذا، من خلال الدَّعواتِ التي تستبطنُ شيئاً من الإلحاد الخَفِيّ؛ إذ فيها ما يقودُ إلى التشكيكِ في بعض صفاتِ الله، وحديثٌ عن أن الكَوْن قد وُجِدَ بمَحْضِ الصُّدْفَةِ أو بعضِ التفاعلاتِ الذاتيّةِ لجزئيّاتِه، وما إلى ذلكَ من الأفكارِ المنحرفةِ، وهذا الأمرُ خطيرٌ جدّاً. بالعقيدةِ الصحيحةِ نُعْدِم فكرةَ الإلحادِ بشكلٍ علميٍّ مستَدَلٍّ، ونقضي على اليأسِ والقنوطِ في صفوفِ الناشئةِ؛ إذ يمكنُنا من خلالِ هذه المعرفةِ وهذا العلمِ أن نؤسِّسَ لارتباطٍ وثيقٍ باللهِ جلَّ وعلا، بحيث لا يكونُ في تصوُّرِنا إلاّ هُوَ، ولا يكونُ أمامَنا إلاّ شَرْعُه، ولا نَثِقُ بحُكْمٍ إلاّ حُكْمُه ودينُه وشريعتُه، فنسلِّمَ ونذعنَ لهذه الأحكام، مؤمنين موقنين بأنها هي الخلاصُ والمَنْجى، وبها الفوزُ والنجاحُ والفلاحُ، فنسلِّمَ لها تسليماً كاملاً، دون نقاشٍ أو اعتراضٍ: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾، فإذا قَضَيْتَ بحُكْمٍ، يا محمّدُ، فلا بُدَّ أن يأخذوه أخذَ المُسَلَّمات، لا بُدَّ أن يَقْبَلُوه بلا ضِيقٍ أو حَرَجٍ، وإنّما يُقبِلون عليه بشَوْقٍ، ويعملون به برضاً وحُبٍّ.

هذا هو المطلوب: أن ترتاحَ نفوسُنا، أن نستكينَ، أن نستقرَّ، أن نعيشَ حالةَ الطمأنينةِ والراحةِ والرضا التامِّ بأحكام الإسلام، ولا يكونُ ذلكَ إلاّ من خلال المعرفةِ والعلمِ والثقافةِ، من خلالِ الجِدِّ والاجتهادِ في طلبِ العلمِ من مظانِّه ومصادرِه الأصليّة؛ من كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، نَتَلَقّاهُ في دروسِ التفسير والمحاضرات الدينيّة للعلماءِ الربّانيين، العاملينَ بإخلاصٍ؛ ومن سُنَّةِ رسولِ الله(ص) وأئمَّةِ أهلِ البيت(عم)، نستقيهِ من وَحْيِ تعاليمِهم في أحاديثِهم ورواياتِهم.

من هؤلاءِ نستقي ونأخُذُ، وعليهِم نعتمدُ؛ لكي نصلَ إلى اللهِ تبارك وتعالى، علماءَ أبراراً واعين، راضين مرضيّين.

هذا ما يريدُه اللهُ لنا، وهذا ما أنعمَ اللهُ به علينا، وحقُّ كلِّ نِعْمةٍ أن تُشْكَرَ؛ طلباً للزيادة: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. شكرُ المُنْعِمِ واجبٌ، وقد أنعَمَ اللهُ علينا فلا بُدَّ أن نشكُرَه، ولكنْ كما يُحِبُّ ويرضى هُوَ، لا كما نُحِبُّ ونهوى نحنُ، ولا يتحقَّق ذلكَ إلاّ بالعلمِ والمعرفةِ المأخوذةِ منه، والكاشفةِ عن إرادته. ويبقى السؤالُ: ها هو قد تحرَّكَ نَحْوَنا بكلِّ وسيلةٍ، فهل نُلاقيهِ في وَسَطِ الطريق، أو نكونُ من الجاحدينَ المعاندينَ المستكبرين؟ بأعمالِنا يكونُ الجوابُ، المُحَدِّدُ للمصير؛ فإمَّا إلى رَوْحٍ ورَيْحَانٍ وجَنَّةِ نعيمٍ؛ أو إلى بُؤْسٍ وشَقاءٍ وقَعْرِ جحيمٍ. وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.



أكتب تعليقك