البيت القرآني لا تهزّه العواصف
محاضرة رمضانية بدعوةٍ من اللجنة المركزية لشيعة أوتاوا ـ كندا، بتاريخ: 11/ 3/ 2026
؟؟؟
الإخوةُ الكرامُ والأخواتُ الكريماتُ من أتباعِ أهلِ البيت(عم) في كندا، السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه… والسلامُ موصولٌ مشفوعٌ إلى كلِّ الإخوةِ والأخواتِ في الجالياتِ الإسلاميةِ في بلادِ الاغتراب… ونلتقي ثالثةً في شهر رمضان، شهرِ القرآن، شهرِ الغُفْران، شهر الرِّضْوان، فهنيئاً لمَنْ رَضي اللهُ عنه فيه؛ فإنّ الشقيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرانَ الله في هذا الشهرِ العظيم.
إنه القرآنُ الكريم، كتابُ الله الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يدَيْه ولا من خلفه، الكتابُ الذي أراده اللهُ سبحانه وتعالى دستوراً وقانوناً ومنظِّماً وراعياً لحياتنا كلِّها، القرآنُ المحفوظ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، والحافظُ؛ إذ به نحفظ أنفسَنا من الزَّيْغ والضلال، وبه نحفظ حياتَنا من العواصف والاهتزازات، وبه نحمي أرواحَنا وعقولَنا من التشتُّتِ والضياع. قد لا يحفظُنا مادِّياً، كما يحلو للكثيرين أن يعتقدوا، فحتّى لو حملناه أو تدرَّعنا به أو وضَعْناه فوق أو تحت رؤوسنا قد لا يكون له تأثيرٌ يُذْكَر؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾، أي للقلوب والنفوس والأرواح، لا للأبدان، وإنّما تأثيرُه عندما نقرأُه ونتدبَّرُه ونفهمُه ونطبِّقُه، فنعملَ بما ورد فيه.
هذا ما نستوحيه من سلوكِ النبيِّ الأكرم(ص)، الذي سُئلَتْ أمُّ المؤمنين عائشة عن أخلاقه؟ فاختصَرَتْ الجوابَ بقولها: «كان خُلُقُه القرآنَ»، وكيف لا يكون كذلك وهو الذي قال: «إنَّما بُعثْتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاق»؟! فالبعثةُ وما تبعها من نزول القرآن إنما كان لأجل إتمام هذه المنظومة، منظومة المكارم والقِيَم والمبادئ الأخلاقية الراقية السامية الجميلة. وكيف لا يكون كذلك وهو الذي وَصَفَه ربُّه وخالقُه وآمرُه وناهيه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟!
من هنا، أيّها الأحبّة، نستطيع أن نتعرَّف على السرِّ والسببِ في استقرار حياته العائلية والاجتماعية؛ حيث كانت بيوتُه وعلاقاتُه ثابتةً راسخةً دافئةً، ملؤُها الحنانُ والعطفُ والرحمةُ والشفقةُ والعدلُ والإحسانُ ونحوُها من المفاهيم القِيَمية الاجتماعية الراقية. هكذا أصلح نفسَه، وأصلح بيتَه، وأصلح علاقاتِه.
فما هي وظيفتُنا نحن اليوم؟ وظيفتُنا أن نلتزمَ قولَ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فنتأسّى ونقتدي بهَدْي هذا النبيِّ الكريم: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِه﴾، نقتدي بهَدْيِه، ونسيرُ على نهجِه، ونتَّبعُ ما قام به تماماً، نتَّبعُ ما جاء في سيرتِه، وقبل ذلك نتَّبعُ وننضبطُ تحت تعاليم القرآن الكريم الكثيرة، ووصاياه العصماء، المبثوثةِ في آياتِه، من أوَّله إلى آخره، لا تخلو منها سورةٌ، بل نجدُها حاضرةً على الدوام؛ تعاليمُ واضحةٌ بيِّنةٌ جَلِيّةٌ مُحْكَمةٌ، لا مجالَ فيها لنقاشٍ وأخذٍ وردٍّ أو شُبهةٍ أو شَكٍّ، وإنما هي التعاليم القِيَمية الأخلاقية الإنسانية العقلائية، التي تثمرُ مصلحةً ومنفعةً وخيراً مطلقاً لكلّ أطيافِ المجتمع، وترفعُ المفسدةَ والضَّرَرَ والأذى عن الجميع.
هكذا ينبغي أن نكونَ تحت ظلِّ القرآن، أن نكونَ على جهوزيّةٍ معرفيّةٍ وعلميّةٍ وتخطيطيّةٍ لكلّ الطوارئ، وما أكثرها! ولكنْ يمكن أن نُعِدّ لها عُدّةً من وَحْي القرآنِ الكريم، وما جاء في آياته العامّة والخاصّة، وما دعا إليه في أكثر من موضعٍ:
1ـ حيث دعا إلى الاستقامة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. نبدأ من هنا، من هذه الوصيّةِ، من هذا الأمرِ الإلهيّ لنبيِّه الكريم: الاستقامةِ كما أمر الله تبارك وتعالى، الاستقامةِ على جادّةِ الشريعةِ المباركة، الاستقامةِ وإنْ كانت مُتعبةً شاقّةً مُجهدةً، لكنّها تضمن علاقةً صالحةً وصحيّةً لجميع الأطراف، على قاعدة: «خُذْ حقَّك، وأَعْطِني حقّي»، الاستقامةِ التي قال عنها رسول الله(ص): «شيَّبَتْني هود»، وهذه الآية في سوره هود، فسُئل: كيف شيَّبتكَ هود، يا رسول الله؟ قال: «قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾». فهي مسؤوليةٌ عظيمةٌ تحتاج إلى عَزْمٍ وصَبْرٍ من المؤمن التقيّ الوَرِع.
2ـ نبدأ بالاستقامة لنمرّ بعدها بالعدل والإحسان: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، العدل حَسَنٌ جميلٌ في ذاته، والإحسان حَسَن جميلٌ في ذاته، وكلُّ إنسانٍ عاقلٍ عالمٍ مثقَّفٍ مفكِّرٍ واعٍ يعرف أن العدل حَسَنٌ، وأن الإحسان حَسَنٌ.
أما العدلُ فهو «إعطاءُ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه» و«وضعُ الأمور في مواضعها»، وهذا أحسنُ الحَسَن، ويتشعَّب في كلّ اتجاهٍ: ليشمل العدلَ مع الله [فنؤدّي إليه كاملَ حقِّه في الطاعة والعبادة]، والعدلَ مع النفس [نوفِّيها حقَّها في إنقاذِها من سخطِ الله، وفي أن لا نعرِّضها لخَطَرٍ أو ضَرَرٍ أو أذىً]، والعدلَ مع الناس، والعدلَ مع الحيوان [فقد رفض أميرُ المؤمنين(ع) أن يعصيَ اللهَ في نملةٍ يسلبُها جِلْبَ شعيرةٍ؛ إذ لها الحقُّ في الحياة والرزق والأمن]، والعدلَ مع الطبيعة [فلا نستنزفُ طاقاتها وثرواتها]، والعدلَ مع البيئة [فلا نلوِّثها]، والعدلَ مع جميع ما في هذا الكَوْن قاطبةً.
وأما الإحسانُ فهو أن تتنازلَ للآخر أحياناً عن بعض حقوقِك؛ لأجل أن تحافظَ على علاقةٍ وُدّيةٍ سليمةٍ معه.
3ـ ونمرُّ أيضاً بالبِرّ: وهو الخير، حتّى للكافر غير المحارب والمعتدي: ﴿لاَ يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾، فإنما الناسُ «صنفان: أخٌ لكَ في الدِّين؛ أو نظيرٌ لكَ في الخَلْق»، ولهذا المخلوق حقوقُه، فكيف تأخذُها عنوةً وجَهْرةً؟! لذلك المطلوب أن تكونوا الأبرارَ معهم، أن لا تظلموهم، أن لا تضمروا لهم شرّاً، أن لا تُسيئوا إليهم، ولو في أحاسيسهم ومشاعرهم، بما لا يتنافى مع ضروريّات الإسلام الحنيف، أن لا تبارزوهم بحَرْبٍ، وإنّما هو التعاملُ بالحُسْنى، الذي سيجعله يرى جمالَ الإسلامِ وحُسْنَه وفضلَه، فيُقبلَ عليه، ويحاولَ دراسته والتعرُّف إليه، وشيئاً فشيئاً سيقتنعُ به، وسيدخلُ في الإسلام، ويكونُ لكَ الفضلُ في دخوله هذا، وأيُّ فضلٍ هو؟! يبيِّنه النبيّ الأكرم(ص) بقوله: «يا عليّ، لئن يهدي اللهُ بكَ رجلاً واحداً خيرٌ لكَ ممّا طلعَتْ عليه الشمس». هذا الثوابُ الجزيلُ الخياليُّ يأتيكَ بعملٍ واحدٍ، ألا وهو الدعوةُ إلى الله بغير لسانٍ، بالبِرّ والإحسان.
4ـ ونمرّ كذلك بالالتزام بالسُّنَن الإلهية الكثيرة جدّاً: وهي الحاكمةُ في الأُمَم كافّةً، لا تتبدَّلُ ولا تتحوَّلُ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾.
ولئن كانت معجزاتُ الأنبياءِ(عم) على خلافِ هذه السُّنَنِ الظاهرةِ فقد جَرَتْ وَفْق سُنَنٍ أخرى غيرِ معتادةٍ ولا معروفةٍ، لكنّها وَفْقَ سُنَنٍ، فهي خارجةٌ عن المألوف والمعتاد والمتعارَف، وليست خارجةً عن السُّنَن الإلهيّة، وإنّما هناك سُنَنٌ ظاهرةٌ؛ وسُنَنٌ خفيّةٌ. إذا كانت معجزة الأنبياء قد جَرَتْ وَفْقَ هذه السُّنَن الخَفِيّة، دون السُّنَن الظاهرة، فإنّه مع نبيِّنا الخاتَمِ(ص) ارتفَعَتْ المعجزاتُ الحاضرةُ الباهرةُ، كما رُفع العذابُ الفوريّ عن أُمَّته، وعليه فالمدار على السُّنَنِ الإلهيّةٍ الظاهرةِ المعروفةِ فقط لا غير، وأيُّ توقُّعٍ خارجَ هذه السُّنَن محكومٌ سَلَفاً بالخَيْبةِ والفَشَلِ.
هذه السُّنَنُ الظاهرةُ الحاكِمةُ تَتَشَعَّب وتَتَداخَل وتَتَشَابَك وتَتَوَاشَج، في صناعةٍ إلهيّةٍ ربّانية مُتْقَنةٍ؛ لتكوين المَشْهديةِ العامّةِ والكاملةِ، ومن أهمِّ هذه السُّنَن وأبرزها:
1ـ سُنَّةُ وجود المستكبِر والطاغي والظالم.
2ـ سُنَّةُ العُلُوّ بالإسلام والإيمان: فالإسلامُ يعلو ولا يُعْلَى عليه.
3ـ سُنَّةُ الابتلاء: حيث يختبر اللهُ عبادَه؛ لتظهرَ مواقفُهم جميعاً، ويميزَ الخبيثَ من الطيِّب.
4ـ سُنَّةُ المُدَاوَلة: إذ لا نصرَ دائماً، ولا هزيمةَ مستمرّةً، وإنّما الدنيا دُوَلٌ بين الناسِ والجماعات.
5ـ سُنَّةُ الاشتراك في النتائج: فليس من مواجهةٍ تكون نتائجُها، الإيجابيّةُ أو السلبيّةُ، صافيةً تماماً وبالكاملِ لفريقٍ دون آخر.
6ـ سُنَّةُ الزيادة عند الشُّكْر.
7ـ سُنَّةُ ديمومة وتكرار الجزاء، سَلْباً أو إيجاباً.
8ـ سُنَّةُ الفَيْض الإلهيّ، لكنْ بعد اعتزال الباطل: فالجزاءُ لا يكون إلاّ بعد العمل، ولا يكفي العَزْمُ والنيّةُ.
9ـ سُنَّةُ عدم ضياع العمل: فالعملُ مهما كان صغيراً أو كبيراً لا يضيعُ عند الله، ويُرَى أَثَرُه ولو بعد حينٍ، عاجلاً أو آجلاً.
10ـ سُنَّةُ التوكُّل على الله: دون التواكل، وبينهما حَدٌّ فاصلٌ رقيقٌ ودقيقٌ كالشَّعْرة.
11ـ سُنَّةُ ذهاب الرِّيح بالفُرْقةِ والتنازعِ.
12ـ سُنَّةُ كفايةِ المؤمنين المُخْلِصين: وأن فيهم الكفايةَ والغنى عن الخَوَنةِ والمرتَزِقةِ والطامعين.
13ـ سُنَّةُ الترابطِ الوثيق بين الداخل والخارج: ولعلَّها من أهمِّ السُّنَن: فإذا أرَدْتَ أن تتفرَّغَ للحربِ الخارجيّةِ فعليكَ ترتيبَ الداخل تماماً، وقد يعوقُكَ أو ينهكُكَ ذلك، لكنْ لا حربَ خارجيّةَ مضمونةَ النتائج إلاّ بعد ترتيبِ الداخل.
14ـ الأمرُ الإلهيُّ للقيادة بالتشاور مع أهل الخِبْرة والنصيحة.
15ـ الأمرُ الإلهيُّ بالاستجابة لدعوة السَّلام.
16ـ الأمرُ بالإعدادِ الأكملِ والتجهيزِ الأتمِّ، غايةَ المستطاع.
17ـ سُنَّةُ النصرِ الإلهيِّ المؤزَّر: إذا استجَبْنا لما تقدَّم من السُّنَن والأوامر الإلهيّة.
هذه السُّنَن لا تبديلَ لها، ولا تحويل، وهي ساريةٌ رَغْم الجميع، فهي لا تُراعي أحداً؛ إذ هي معادلاتٌ ربّانيّةٌ وَضَعها خالقُ هذا الكَوْن، والعارفُ بأسرارِه، بل واضعُ أسرارِه، ولذلك هي الوحيدةُ المنتجةُ والمثمرةُ، والتي تمثِّل سفينةَ نجاةٍ وفوزٍ لهذا الكائن البشريّ على وجه الأرض، والخاضعِ قَهْراً وجَبْراً لمثلِ هذه السُّنَن، فهو لا يستطيعُ تبديلها أو تغييرها، نعم، له أن يختارَ بينَها، من حقِّه أن يختارَ ما يراه مناسباً، لكنّه لا يستطيعُ أن يغيِّر أو يبدِّل شيئاً في هذه المعادلات.
ولكي يتشكَّل هذا المجتمعُ الهانئُ السعيدُ لا بُدَّ أن نبحث عن هناءِ وسعادةِ الخَلِيّةِ واللَبِنةِ الأولى لهذه المجتمعاتِ الكبيرة، ألا وهي الأسرةُ والعائلةُ، أو (البيتُ)، الذي يعني في ما يعنيه الزوجَ والزوجةَ والأولادَ.
ونستطيعُ من خلال القرآنِ الكريم أن نتعرَّف على الأحكامِ الناظمةِ للأُسْرة، الصغيرِ فيها والكبيرِ، وعلى كافّةِ المستويات.
وما أحوَجَنا إلى هذا الفقهِ القرآنيِّ الصافي الخالصِ الطاهرِ، الصالحِ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ! الفقهِ القرآنيّ الحاكمِ على غيره من فقهِ الحديثِ والرواية، أو فقهِ العقلِ والمصلحة وغيرها من طُرُقِ الاستنباط المعروفة والمتَّبعة عند العلماء.
ما أحوَجَنا إلى أن نرجعَ إلى القرآنِ، ليكونَ الحَكَمَ والفيصلَ والميزانَ! ليعطينا الزبدةَ في تنظيم هذه العلاقاتِ ما بين الزوج والزوجة والأولاد:
1ـ ففي قوله عزَّ وجلّ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يرسُمُ القرآنُ هذه المعادلةَ القِيَميةَ القانونيةَ الرائعة، التي تؤكِّدُ أن لكلِّ واحدٍ في هذه الحياة حقّاً، كما أن عليه واجباً؛ فللمرأةِ كما للرجل حقّاً، بل حقوقاً، ويقابلُها واجباتٌ عليهما أن يؤدِّياها. وكما أن عليها أن تؤدّي ما وجب عليها بالمعروف، أي المتعارَف، فإن لها من الحقوق ما ينبغي تسليمُه وأداؤه إليها كاملاً غيرَ منقوصٍ بالمتعارفِ أيضاً، وتختصرُه الآيةُ الكريمة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
2ـ ونلتقي أيضاً بقوله جلَّ وعلا: ﴿لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾، فإن للأبوَيْن اللذَيْن وَلَدا هذا الطفلَ الصغيرَ الحقَّ في أن لا يكون هذا الولدُ، صغيراً كان أو كبيراً، مصدرَ ضَرَرٍ وأذىً لهما.
3ـ ومن هنا كانت الوصيّةُ الإلهيّة ببِرِّ الوالدَيْن والإحسانِ إليهما وعدمِ إيذائهما. قد لا تجبُ طاعتُهما طاعةً عمياءَ من دون مُساءلةٍ أو نقاشٍ، ولكنْ إذا كانت هذه الطاعةُ من مصاديق البِرّ بهما والإحسانِ إليهما فتجبُ حينئذٍ، ولا يجوزُ أن يقومَ الولدُ، ذكراً أو أنثى، بأيِّ عملٍ يخالفُ الإحسانَ إليهما، فكلُّ عملٍ مُؤْذٍ ممنوعٌ، كلُّ عملٍ ضارٍّ ممنوعٌ، كلّ عملٍ يوجب شقاءَهما أو حزنَهما أو أَلَمَهما هو ضارٌّ وممنوع: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾، ما يوجب أن يكون هذا الوصفُ (الإحسانُ) هو الحاكمُ للعلاقة القائمة بين الوالدَيْن والوَلَدِ، فلا الولدُ يؤذي أبوَيْه، ولا الأبوان يؤذيان الأولادَ أو يَضُرّانهم: ﴿يُوصِيكُمْ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾، فهؤلاءِ هم وصيّةُ الله، فكما أوصى الأولادَ بالوالدَيْن إحساناً ها هو يوصي الآباءَ والأمهاتِ بالأولادِ رأفةً وشفقةً ورحمةً وحُبّاً وعطاءً وعنايةً ورعايةً وحِفْظاً، ليكونوا هم الوارثين منّا، والاستمرارَ لحياتنا.
أيُّها الأحبّة، هكذا استفَدْنا من بعضِ ما ذُكرَ في القرآنِ الكريم، وإلاّ فالأمرُ يتطلَّبُ وقوفاً طويلاً على آياتٍ كثيرةٍ عظيمةٍ مبثوثةٍ على امتداد سُوَرِ القرآنِ الكريم، بها تنتظمُ الحياةُ، وبها تكونُ النجاةُ، وبها تكونُ السعادةُ والهناءُ في الدنيا قبل الآخرة. وهذا هو الذي يرجوه المؤمنُ بحقٍّ، أن يعيشَ راضياً مرضيّاً في هذه الحياة، وأن يصلَ إلى اللهِ تبارك وتعالى مقبولاً محبوباً، لينالَ بذلك الرضوانَ الكبيرَ في جنّاتِ النعيمِ. والحمدُ لله ربِّ العالمين.



