6 مارس 2022
التصنيف : كلمات تحرير
لا تعليقات
325 مشاهدة

المنهج الإقناعيّ في نقد التراث الدينيّ، الأركان والعوائق

في عمليّة النقد والتمحيص العلميّ لتراثٍ دينيٍّ حبلَتْ كتبُ العقيدة والحديث والفقه والتاريخ والسِّيرة بالغَثِّ منه والسمين يواجه الناقد اتّهاماتٍ كثيرةً، وأقاويل وأراجيف عديدةً، تطعن في جدوائيّة عمله تارةً؛ وفي هَدَفه وغايته أخرى؛ وفي أسلوبه وطريقته ومنهجه ثالثةً؛ وفي نتائجه رابعةً؛ و…، وصولاً إلى ما قد طالعَتْنا به بعضُ الأخبار من اتّهامٍ لبعض الناقدين بأنه يزدري الدين الإسلاميّ وتاريخه…

وبغضّ النظر عن الموقف من هذا الناقد أو ذاك، والرضا بأسلوبه ونتائجه أو لا، فلا بُدَّ من تسليط الضوء على جملةٍ من الأمور في هذا الموضوع الشائك والخطير؛ عسى أن نوفَّق للمساهمة في تصحيح مسارٍ أو إطفاء نارٍ…

النقد ضرورةٌ إنسانيّة واجتماعيّة

لا ينبغي الشكُّ في أن النقد البنّاء والعلميّ، المستند إلى الدليل والبرهان، هو حاجةٌ فطريّة لدى الإنسان، الذي هو الركيزة الأساس في كلّ المجتمعات، والمحور الأهمّ في جميع الحضارات. فالنقد حاجةٌ إنسانيّةٌ واجتماعيّةٌ للتقدُّم والرقيّ والتخلُّص من عوالقَ وشوائبَ تسيء لصورة المجتمع والإنسان، بل رُبَما شوَّهَتْ صورةَ الخالق الرازق المنعم…، وتعاليمَه القيِّمة السامية، وشريعتَه السَّهْلة السمحاء.

فحُبُّ الكمال والجمال يمثِّل الدافع الأساس للنقد والتمحيص والتحقيق؛ طلباً للتغيير نحو الأفضل والأحسن والأجمل. وما نادَتْ وتنادي به بعضُ المجتمعات من الرغبة في البقاء على سُنّة الآباء والأجداد إنّما هو انعكاسٌ لهذا الحُبّ، لكنْ بفَهْمٍ قاصرٍ خاطئ، حيث يتصوَّرون أن عادات وأفعال أسلافهم هي خيرُ العادات والأفعال، ويرَوْن التمسُّك بها هو سرُّ التألُّق والمُكْنة والسلطة والجاه والقوّة والعزّة التي يعيشونها، فإذا اتَّضح لهم أن الأحسن هو خلافُها سرعان ما تركوها، ولجأوا إلى طقوس جديدة، قد اقتنعوا ـ ولو حديثاً ـ بخيرها وفضلها. إذن فمهمّة المصلحين ودعاة التغيير والتجديد هي بالدرجة الأولى مهمّةٌ إقناعيّة، تقوم على المحاولة تلو الأخرى في سبيل إقناع الملأ من الناس بحُسْن ما يدعون إليه، وبخير التغيير والتجديد الذي يطالبون به.

أركان المنهج الإقناعيّ

1ـ الفكرة الصحيحة

ومن هنا فإنّ للفكرة التي يطرحها المصلحون ودعاة التغيير، ومدى صحّتها، الدَّوْر الكبير في إقناع الجمهور بضرورة التحرُّك نحوها، ونَبْذ ما سواها، ولو كان ممّا اعتادوه ونشأوا عليه.

وإثباتُ صحّة فكرةٍ ما يعتمد على مدى الوَعْي وسعة الاطّلاع العلميّ والثقافي للمصلح والجمهور معاً. فقد تكون الفكرة صحيحةً واقعاً، وقد علم بها المصلح؛ جرّاء قراءته أو تجربته، ولكنّ الجمهور بعيدٌ كلّ البُعْد عن العلم بها، والمعرفة بآثارها و..، فلا يمكن للمصلح حينئذٍ إقناعهم بها، بل رُبَما يُخيَّل إليهم أنها فكرةٌ خاطئةٌ؛ إذ لم يشهدوا تجربتها، ولم يتلمَّسوا نتائجها.

2ـ الأسلوب الهادئ

وهكذا أيضاً يتجلّى دَوْر الأسلوب في عمليّة الإقناع المرتجى؛ فكلَّما كان الأسلوب حَسَناً رقيقاً ناعماً دافئاً هادئاً كان أثره في إيصال الفكرة الصحيحة وتثبيتها في القلوب أكبر. وهذا ما أكَّده القرآن الكريم بقوله مرشداً: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125)؛ وقوله مربِّياً: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159).

إذن لا بُدَّ لطالب الإصلاح عبر الإقناع من اعتماد الأسلوب الرقيق، الذي يجعل الفكرة تدخل بسلاسةٍ إلى العقل، وترتكز بيُسْرٍ في القلب، وتحضر بإلحاحٍ في العمل والسلوك، قولاً وفعلاً وموقفاً.

ففي مثل هذه الحركة الإصلاحيّة (الإقناعيّة) لا ينفع سبٌّ أو لعنٌ أو ترهيبٌ أو ترغيبٌ، وإنما النافع حَصْراً هو أسلوب الكلمة الطيِّبة، وعرض الفكرة مع دليلها، مجرَّداً عن كلِّ مؤثِّرٍ خارجيٍّ عنها، بل ينبغي الاعتماد على المؤثِّر الداخليّ فقط، ثمّ «مَنْ شاء فليؤمِنْ؛ ومَنْ شاء فليكفُرْ».

3ـ الظرف المناسب

ومع صحّة الفكرة، وحُسْن الأسلوب، لا بُدَّ من الاختيار الحكيم للوقت المناسب لطرح الفكرة؛ فعندما يستشعر أحدهم خطراً وجوديّاً لا يمكنه أن يتقبَّل أيَّ نقاشٍ في تفاصيل عقيدةٍ أو سلوكٍ أو سيرةٍ لعظيمٍ، وهو يرى أن وجوده في معرض الخطر والزوال، فهو يحافظ على العَرْش، ولا يعنيه النَّقْشُ وما يَرِدُ عليه من ملاحظاتٍ.

ولذلك فإن اختيار الوقت المناسب، بل رُبَما نقول: تهيئة الوقت المناسب، هو من أولى مهامّ المصلح والداعي إلى التغيير. وإذا انعدم مثل هذا الوقت ـ ولو في الأفق الزمنيّ المنظور؛ نظراً لكثرة وتوالي الأحداث و(المؤامرات) ـ فإن عليه أن يستعيض عن ذلك ببيانٍ مكثَّفٍ واضحٍ لهَدَفه من دعوته، وأنها لا تمسّ الجَوْهر والثوابت، وأنه في المقلب الآخر المباين لممثِّلي الخطر الوجوديّ، وليس منهم، ولن يكون.

مع ملاحظة ومراعاة هذه الأمور يكون الداعية قد قام بجُهْده المطلوب في حركته الإصلاحيّة: شخَّص الداء؛ عَرَف الدواء؛ عرَّفه للملأ، بالأسلوب الأحسن، في الوقت الملائم، فأتَمَّ الحجّة عليهم، وألزمهم بها.

وسائل التأليب على المصلحين  

غير أن هذا لا يعني أن الطريق إلى الهَدَف سيكون سَهْلاً؛ فالمعاندُ المكابر، والمتضرِّرُ الخاسر، والحاقدُ الحاسد، موجودون، ومستعدّون لإثارة الناس وتأليبهم على المصلحين، من خلال التشكيك في النوايا؛ واقتناص بعض الهَفَوات التي لا يخلو منها إلاّ مَنْ عصم الله؛ والتخويف من آثار مثل هذا التغيير والإصلاح، التي تبدأ ـ بزَعْمهم ـ بالانسلاخ عن الهويّة التاريخيّة والجغرافيّة والثقافيّة والدينيّة التي نشأ عليها الناس، ولم يعرفوا غيرها منذ وقتٍ بعيدٍ، ورُبَما لا تنتهي ـ وفق تصويرهم وبيانهم ـ بحلول النِّقمة والعذاب والغضب والعقاب والبلاء الإلهيّ؛ نتيجة العصيان والتمرُّد والمروق من الدين.

1ـ الطعن في شخص وذات المصلح

فيبدأ الطعن في شخصيّة الداعية، ولو بالاستناد إلى ماضيه وتاريخه الغابر، وحاضره العابر، إذا كان له بعضُ ما يَشين فيها، ومَنْ يخلو من مثلها؟!

2ـ التشكيك في النيّة

وهنا نشهد الإصرار على محاكمة الدعاة استناداً إلى نواياهم ـ التي لا يعلم بها حقّاً إلاّ الله جلَّ وعلا ـ، ولكنّ هؤلاء المرجفين يدَّعون علمهم بها، مُصرِّين على أن الغاية قبيحةٌ، والهَدَف خبيثٌ، والنيّة سيّئةٌ، والشواهد ـ التي يكون أغلبُها اتّفاقيّاً، والباقي خاطئاً ـ حاضرةٌ، وتثبت التُّهْمة…

3ـ اقتناص الهَفْوة والسَّقْطة

كما أن المصلحين ليسوا معصومين، فمهما حاولوا اختيار الأسلوب الأحسن سيكون منهم هَفْوةٌ هنا وسَقْطةٌ هناك ـ والعصمةُ لأهلها ـ، فيتمسَّك بها المتربِّصون لإسقاط المشروع والمهمّة والحركة كلّها، والجماهير القلقة على مصيرها وماضيها وتاريخها وهويّتها ستصدِّق بأدنى مقدّمةٍ أو دليلٍ أو شاهدٍ لإثبات سوء هذا الحراك التغييريّ.

4ـ التخويف من الآثار والنتائج

والأخطر من ذلك كلِّه هو حين يسعى هؤلاء المتربِّصون لشيطنة آثار ونتائج هذا الجهد التجديديّ والإصلاحيّ، مصوِّرين أن أيَّ تخلٍّ عن تراثٍ بالٍ، أو عقيدةٍ خرافيّةٍ، أو شريعةٍ بشريّةٍ أُلبِسَتْ لَبُوس الدين وهو منها براءٌ، هو محاربةٌ ومواجهةٌ وتسطيحٌ وقضاءٌ على الدين الإلهيّ القويم والحنيف، الذي به حُفظَتْ المجتمعات، قديماً وحديثاً، وأنّه بالتخلّي عنه ستتداعى علينا الأمم، وتكون النهاية المُخْزِية.

زبدة القول

ومن هنا تكون عادةً تُهْمة ازدراء الدين، وإثارة القلاقل والفتن؛ إذ لا يشكّ عاقلٌ في أن النقد العلميّ الصادر من مسلمٍ ليس ازدراءً للإسلام؛ فهو مسلمٌ يحترم الإسلام وتعاليمه الحقّة، التي صرَّحَتْ بها النصوص المقدَّسة (القرآن الكريم؛ والسنّة القطعيّة الصادرة)، ولكنّه يفرِّق بينها وبين ما يستنتجه ويفهمه ـ تحليلاً واجتهاداً ـ العقلُ البشريّ من تلك النصوص الظاهرة وغير الصريحة. فذاك دينٌ رفيعٌ مقدَّسٌ؛ وهذا تديُّنٌ قابلٌ للنقد والمناقشة، والتغيير على أيدي فقهاء وباحثين ومحقِّقين جُدُدٍ، وكم ترك الأوّل للآخر! وهذا هو معنى بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً.

بل إن الزمان هو الكفيل ـ أحياناً ـ بإثبات بطلان نسبة قولٍ أو فعلٍ إلى المعصوم، الذي لا يفعل ولا يقول ما يخالف العقل والعلم. فإذا تبيَّن؛ بمرور الوقت، وتقدُّم العلوم، أن فعلاً أو قولاً ما قبيحٌ بنظر العقلاء جميعاً، أو مخالفٌ للحقائق العلميّة القطعيّة، فهو مما يُنَزَّه عنه المعصوم، ولا نصدِّق صدوره منه، ولو كانت فيه رواياتٌ كثيرةٌ مُسْنَدةٌ وصحيحة.

وليس هذا ازدراءً للدين، بل هو تنزيهٌ للدين عن أن يُلصَق به ما ليس منه، وينسب إليه ما هو منه براءٌ.

نعم، هو نقدٌ لفكرٍ بشريٍّ فَهِمَ من النصوص الدينيّة ما استطاعه في مرحلةٍ زمنيّةٍ معيَّنةٍ، فأثبَتَ ذلك في كُتُبٍ لا ينبغي أن تكون لها القداسةُ المطلقة، التي تمنع من المساس بها؛ فمهما بلَغَتْ من القيمة العلميّة ـ قديماً وحديثاً ـ تبقى جُهْداً بشريّاً قابلاً للخطأ والصواب، وعرضةً لتكون على مَشْرَحة الفكر الحُرّ، والبحث العلميّ، المجرَّد عن الأهواء والنَّزَعات؛ طلباً للحقيقة، بعيداً عن التعصُّب الأعمى، والتقليد والتَّبَعيّة غير المسؤولة.



أكتب تعليقك