13 مايو 2022
التصنيف : استفتاءات
لا تعليقات
234 مشاهدة

حكم الترحُّم على الكفّار

سؤال: يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، ترى هل (شيرين أبو عاقلة) من هؤلاء أم لا؟

الجواب: لسنا معنيين بما سيكون حسابها عند الله، فذاك يحدِّده الله، ويرتبط بنيّتها وعقيدتها الواقعية، التي قد لا تكون متطابقةً مع ما كانت تظهره من عقيدةٍ بين قومها وفي أهلها.

الذي يعنينا أن لها بعض المواقف الشريفة، التي قد تعكس نقاء سريرتها، ولا يضيع عند الله شيءٌ.

تماماً كما كان أبو طالب عمّ النبيّ(ص) يحميه ويرعاه ويدافع عنه، ما يعكس أنه كان على دينه، ولكنّه لا يفصح عن ذلك؛ لمصلحةٍ يراها.

في هكذا حالٍ (ليس لدينا يقينٌ بعنادها وجحودها ومكابرتها ومبارزتها لله تعالى بالكفر والشرك و…) لا بأس بالترحُّم عليها، وطلب المغفرة لها والعفو عنها، وهو يفعل ما يشاء.

من وَحْي حوارٍ طويل

فإنْ قيل: القرآن يمنع الترحُّم على غير المسلم ـ ولو كان أباً أو أمّاً ـ بأصرح العبائر: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ).

قلنا: المشرك أخصُّ من الكافر وغير المسلم، والآية تنهى عن الاستغفار للمشرك، فلا يستفاد منها النهي عن الاستغفار والترحُّم على الكافر وغير المسلم… واليهود والنصارى كفّارٌ من أهل الكتاب، ولهم أحكامهم في الإسلام، التي تختلف عن حكم المشركين.

فإنْ قيل: قوله تعالى: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) يحتاج لحكمٍ مخصِّص لهم عن عموم الكفّار والمشركين، يجوِّز الترحُّم على أهل الكتاب كما هي الأحكام الأخرى التي جوَّزت طعامهم ومناكحتهم مثلاً.

فيردّه:  قوله تعالى: (لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ) والعطف بالواو يقتضي التغاير.

وقوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

فهم كفّارٌ، لا مشركون، والآية تنهى عن الاستغفار للمشركين، والاستغفارُ لأهل الكتاب على الأصل جائزٌ، ما لم يرِدْ دليلٌ على تحريمه.

إذن ما معنى (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)؟

نقول: ليس النصارى واليهود فريقاً واحداً، بل هم فرق وطوائف. وبعضُهم غلا في المسيح وفي الأحبار والرهبان فجعلوهم أرباباً من دون الل،ه وهذا هو الشرك المقصود، وهو فعل وعقيدة فريقٍ من اليهود والنصارى

فقد يكون فيهم مشركون، ولكن جمهورهم كفّارٌ، وليسوا بمشركين.

يؤمنون بالإله الواحد ذي الأجزاء الثلاثة: الأب والابن والروح القدس إلهاً واحداً؛ ولكنهم لا يؤمنون بالإله الصمد، الذي ليس له أجزاء.

يؤمنون بالواحدية، ويكفرون بالأحدية والصمدية؛ ولذلك ما كانوا مشركين، بل كافرين.

كما قد يُقال بأن الاستغفار يختلف عن الترحُّم؛

فالاستغفار طلب المغفرة، والشرك لا يغفر؛ لقول الله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).

والترحُّم طلب الرحمة، ورحمة الله وسعَتْ كلّ شيء: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)؛ ولله رحمةٌ يوم القيامة تشرئبّ لها عنق إبليس

فطلب الرحمة هو طلب الممكن، فيجوز ويصحّ؛ وطلب المغفرة هو طلب الممتنع، فلا يجوز ولا يصحّ.

فإنْ قيل: أغلب المسلمين الأوائل كانوا مشركين فهل أن الله لن يغفر لهم فعلاً؟! وهل المغفرة إلاّ مقدّمة للرحمة؟!

قلنا: الذي تاب يُغفر له؛ ومَنْ لم يتُبْ فلا. وهذا ما قالته النصوص القرآنية، التي لا تفتقر إلى الدقّة والإحكام والتفصيل؛

فقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) يتحدَّث عن عدم المغفرة بلا توبةٍ؛ وقوله تعالى: إ(إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يتحدّث عن المغفرة مع التوبة. ولا وجود للتعارض.

فإنْ قيل: إن محاولة تفكيك المصطلحات وتضبيبها بغية إيهام بوجود أبعاد لكلّ حرفٍ قرآنيّ غالباً ما تأتي بمشاكل أكثر، والأفضل الاعتراف بأن الترحُّم و الاستغفار على مَنْ ولدوا لأديان أخرى ولم يؤمنوا أن محمداً طار بالبراق في الفضاء الخارجي غير جائز في شرعه، والسلام؛ والدليل قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)؛ وقوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

قلنا: في الآية الأولى لم ينهَهُ عن الاستغفار لهم، بل بيَّن أن الاستغفار لهم غير مفيدٍ… وفرقٌ كبير بين الدلالتين.

فإنْ قيل:  أليس الثالوث المسيحيّ شركاً؟

قلنا: الجواب واضحٌ بقوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ)، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). وبيان معناه تقدَّم فلا نعيد.



أكتب تعليقك