3 أكتوبر 2021
التصنيف : كلمات ومحاضرات، مقالات فكرية
لا تعليقات
208 مشاهدة

نستذكره(ص) لنتعلَّم ونتأسّى

نستذكره قبيل ذكرى وفاته، ولسنا هواة إحياء ذكريات، لولادةٍ أو وفاة…

وإنما نريد أن نتعلّم، أن نتأدَّب، أن نتمثَّل سيرة العظماء، أن نتشبَّه بالكرام:

وتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبُّه بالكرام فلاحُ

هو سيد الأنبياء وخاتم المرسلين محمد بن عبد الله(ص)، فعظَّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى رحيله من هذه الدنيا الفانية:

الموت لا والد يبقي ولا ولدا   هذا السبيل إلى أن لا ترى أحدا

نستذكره لنتأسّى به ونقتدي بهَدْيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾.

نستذكره «صادقاً وأميناً»، في زمنٍٍ قلّ فيه الأصدقاء الصادقون، والإخوان المخلصون، في زمن الجاهليّة، التي استبيحت فيها الحرمات، وانتهكت فيها المقدَّسات، وخان الناس بعضهم بعضاً، يخون زوجته، ويخون أولاده (وأد البنات)، ويخون إخوته، بل كانوا يختانون أنفسهم، في مثل هذا الزمن يبرز صادقٌ جليل يحافظ على الصدق والأمانة، فما أعظمه!

نستذكره «صابراً» على الفقر، والمصيبة (موت والدَيْه وجدّه وعمّه)، والأذى في جنب الله، وهو الذي قال: «ما أوذي نبيٌّ مثل ما أوذيت». يُغْرُون به الصبيان والسفهاء [الزعران]، يرمونه بالحجارة، ويضربونه بالعصيّ، ويلقون عليه الأوساخ والقاذورات، ويصبر على ذلك كلِّه ما دام بعين الله.

نستذكره «وحيداً فريداً»، لا ناصر له ولا معين في الدعوة إلى ربِّه، ومع ذلك يقوم بهذه المسؤوليّة على أفضل وجهٍ، فلا يدع مناسبةً إلاّ ويدعو فيها الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويردِّد: «أيّها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا». ولا يثنيه عن عمله قولُ أحدهم من هنا أو هناك: لا تصغوا لهذا المجنون أو هذا الكاهن أو هذا الساحر أو هذا الشاعر، وإنما يقول لعمّه: «والله يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الا/ر ما فعلتُه، حتّى يظهره الله أو أهلك دونه».

نستذكره «مثابراً»، لا يكلّ، ولا يملّ، ولا يتعب. طيلة 13 سنة، وليست بالزمن القليل، يخاطب أهل مكّة وما حولها بخطابٍ عقلانيٍّ رحمانيٍّ، وهم يصدّون عنه صدوداً، فلا يَفْتُر عن ذلك، بل يحزن عليهم ويعيش الهمّ والغمّ والضيق؛ لأنهم لم يسلموا، ولأنهم سيكونون من أهل النار. حتّى إذا يئس من هدايتهم انطلق يتواصل مع غير أهل مكّة، فكان لقاؤه في موسم الحجّ بمجموعةٍ من الحجّاج القادمين من يثرب، من طيبة، من المدينة المنوَّرة بنور رسول الله، وهكذا ترتَّبت ظروف الهجرة إلى يثرب، حيث أسَّس الدولة الإسلامية المباركة، وصار للإسلام دولةٌ وهيبة وسلطة.

نستذكره «قوياً شجاعاً»، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يخشى إلاّ الله، يقول الحقّ ولو كان مرّاً، ولو انزعج منه الكثيرون، فالمهمّ أن يرضى الله تبارك وتعالى، ومقداماً في الحروب التي فُرضَت عليه ولم يَسْعَ لها، وإنّما كانت حروباً دفاعية.

نستذكره «عادلاً بين الناس»، لا يفرِّق بين القريب والبعيد، ولا بين الغنيّ والفقير، ولا بين الشريف والوضيع، ولا بين أبيض وأسود، ولا بين عربيٍّ وعجميّ، فالجميع عنده سواءٌ، إلاّ مَنْ امتاز بعلمٍ أو تقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. لا يفرِّق بينهم في جزاءٍ أو حساب، في مثوبةٍ (غنيمة) أو عقوبة، ومن هنا كانت مقولته الشهيرة، يشرِّع قاعدة النجاة للمجتمعات، ومَنْ لا يلتزم بها فهو من الهالكين لا محالة: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحدّ، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها».

نستذكره «منصفاً للناس من نفسه»، مع أنهم لم يعيِّنوه ولم يوكِّلوه ولم ينتخبوه، وليس لهم فضلٌ عليه، وليس لهم حقٌّ عنده، فهو رسول الله، وقد اختاره الله لإبلاغ رسالته، وحسابُه مع الله فقط، ومع ذلك يخرج إلى الناس في آخر حياته ليقول: «أيها الناس، إنكم لا تمسكون عليَّ بشيءٍ؛ إني ما أحلَلْتُ إلا ما أحلّ القرآن، وما حرَّمْتُ إلاّ ما حرَّم القرآن». فلا تظنّوا أني عيَّنْتُ خليفتي ووصيّي عليّاً لأنه ابن عمّي أو لأنه صهري (زوج ابنتي)، بل لأن هذا هو أمر السماء: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. إنه يعطينا الصورة الواضحة عن القائد كيف ينبغي أن يكون؟ وكيف ينبغي أن يتعامل مع الشعب والجمهور؟ لا يتعالى ولا يتكبَّر ولا يأنف من مراجعةٍ أو نقدٍ أو محاسبةٍ. فمَنْ يكون مثله من سلاطين وملوك وزعامات؟

ويمكن أن نتعرَّف شيئاً من خصاله وصفاته الشخصية في وصف أمير المؤمنين عليّ(ع) له، حيث يقول: «وَلَقَدْ كَانَ(ص) يَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بَيَدِهِ نَعْلَهُ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ، فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ، فَيَقُولُ: «يَا فُلاَنَةُ ـ لإحْدَى أَزْوَاجِهِ ـ غَيِّبِيهِ عَنِّي، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا». فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْ لاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً، وَلاَ يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً، وَلاَ يَرْجُو فِيهَا مُقَاماً، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ، وَأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ. وَكَذلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ».

ومضى(ص) إلى ربِّه، كريماً صادقاً منيباً مخلصاً، قد أبلغ الرسالة، وأدّى الأمانة، فجزاه الله عن أمّته خير جزاء المحسنين، وحشرنا معه، وأرانا وجهه، وأكرمنا بلقائه، وسقانا من حوضه بيد وصيِّه وخليفته عليٍّ(ع)، أمير المؤمنين وإمام المتّقين. والسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً.



أكتب تعليقك