16 أكتوبر 2021
التصنيف : كلمات تحرير
لا تعليقات
152 مشاهدة

الجنسانيّة المختلفة، رغبةٌ في الفساد أو حاجةٌ إلى الإصلاح؟

كلمةُ تحرير مجلة الاجتهاد والتجديد، العدد 56، خريف 2020م

أوّلاً: تمهيدٌ وتساؤلات

تعالَتْ وكثرَتْ في الآونة الأخيرة الدَّعَوات لقبول «الشاذّين جنسيّاً» (المثليّين والمثليّات) على المستوى الاجتماعيّ، وتفهُّم رغباتهم ومشاعرهم، واحترام «حقوقهم»، كما تُحتَرم حقوق سائر الرجال والنساء الأسوياء. وساهم في ذلك كثيرون، بما في ذلك رجالُ دينٍ، ونُخَبٌ فكريّة واجتماعيّة و…

وقبل الدخول في جملةٍ من المباحث حول: حقيقة هؤلاء، والطريقة المُثْلى في التعاطي معهم، وفي تعاطيهم مع أنفسهم، وبعض حقوقهم… ينبغي الإشارة إلى أن الجنسانيّة البشريّة (Human sexuality) هي الطريقة التي يعبِّر بها الناس عن أنفسهم جنسيّاً، بما يشمل المشاعر العاطفيّة والسلوكيّات البيولوجيّة والاجتماعيّة والجنسيّة…

وقد جَرَتْ سُنّة الله في مخلوقاته، سواء في الإنسان أو الحيوان أو الجنّ، أن يميل الذكر إلى الأنثى، وتميل الأنثى إلى الذكر، يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21).

ويتحدَّد ذلك (الذكورة والأنوثة) من خلال الهويّة الجندريّة (Gender Identity)، أي إدراك وشعور الشخص بكونه ذكراً أو أنثى، ويرتبط ذلك بما يلاحظه في نفسه من الوَهْلة الأولى، كمظاهر الجنس البيولوجيّة. فإذا اختلفَتْ الهويّة الجندريّة عن الجنس البيولوجيّ، وتجلّى هذا الاختلاف على المستوى العاطفيّ في مَيْل الذَّكَر في ظاهره إلى مثله، وكذلك الأنثى، بدأت رحلةٌ طويلةٌ من المعاناة، ولا سيَّما في المجتمعات الدينيّة المُحافِظة. ويمكننا أن نطلق على هؤلاء (مزدوجي الجنس)، أي مَنْ لهم حضورٌ جنسيٌّ مزدوج ومختلف، ما بين الجَسَد والمشاعر والميول؛ أو (ذوي الجنسانيّة المختلفة)، أي ذوي الطريقة المختلفة عن المتعارَف في التعبير عن النَّفْس من الناحية الجنسيّة.

1ـ مزدوجو الجنس واقعٌ أو خيال؟

قد تُتصوَّر الازدواجيّة الجنسيّة على مستوى الجَسَد، كما لو كان للشخص الواحد أعضاءُ كلٍّ من المرأة والرجل.

كما قد تُتصوَّر على مستوى المشاعر، كما لو كان مظهره رجلاً أو امرأةً، ولكنّه يميل في مشاعره العاطفيّة إلى جنسه، مع برودةٍ كاملة في المشاعر تجاه الجنس الآخر، ورُبَما وصل الأمر إلى الاشمئزاز منه بشكلٍ كامل، وهذا قد يكشف عن أنّه امرأةٌ في مظهر الرجال أو رجلاً في مظهر النساء.

أمّا الازدواجيّة الجَسَديّة ـ وهم المعروفون بـ (الخُنْثى) ـ فلها مصاديق خارجيّة، وإنْ كانت قليلةً، بل رُبَما تكون نادرةً. وقد ثبت وجود هؤلاء عبر التاريخ، من خلال كثيرٍ من الروايات التي كانت تتعرَّض لحكم هؤلاء في تحديد هويّتهم، التي تتعلَّق بها جملةٌ من الأحكام الشرعيّة، كالحجاب وغيره، وصولاً إلى الميراث.

وهؤلاء حدَّد لهم الإسلام طُرُقاً([i]) لتحديد هويّتهم، ولئلاَّ يكونوا في حَيْرةٍ من أمرهم على الإطلاق. ولعلّنا نستطيع القول: إنّ هؤلاء بعد أن تتحدَّد هويّتهم عبر الطرق والعلامات الشرعيّة يمكنهم أن يزيلوا الأعضاء الخاصّة بالجنس الآخر، إذا لم يستلزم ذلك ضَرَراً أو حراماً، كالنظر أو اللمس، وتزول حرمة اللوازم ـ أي النظر واللمس ـ إذا كان وجود الأعضاء الزائدة ضَرَريّاً أو يسبِّب الحَرَج غير المحتَمَل.

وعلى أيّ حالٍ لا بُدَّ لهم من التحلِّي بالصَّبْر، والتأنِّي في القرار، ولهم الأَجْرُ والثواب في ذلك.

وأمّا الازدواجيّة من حيث المشاعر فلا بُدَّ من التحقُّق أوّلاً: هل لهذا الازدواجيّة واقعٌ خارجيّ صحيح، أو هي مجرّد دعوى ناشئةٍ عن مَرَضٍ نفسيّ، وقَلَقٍ فكريّ، وتربيةٍ خاطئة؟ وهذا سؤالٌ ينبغي لعلم النَّفْس أن يجيب عنه. وفي مثل هذه الحالات هل يمكن للطبّ تحديد واكتشاف الهويّة الأصليّة؟

2ـ لماذا خلق الله هؤلاء؟

ونعلم ممّا تقدَّم أنّه على الأقلّ المبتَلُون بالازدواجيّة الجَسَديّة موجودون. ولهذا أسبابُه الماديّة التكوينيّة، تماماً كما هي الحال في سائر العيوب الخَلْقيّة التي يُبتَلى بها المواليد، فيولد أعرجاً أو مشلولاً أو أعمى أو…

وقد يكون هذا ابتلاءً من الله تبارك وتعالى لبعض خلقه؛ لينظر مدى عبوديّتهم وتسليمهم له. وعلى أيِّ حال فإنّه يُقال في هذا المجال: الوجود خَيْرٌ من العَدَم. فوجود المرء ولو مع وجود عَيْبٍ أو نَقْصٍ أو زيادة خَيْرٌ من عدمه.

ولكنّ الأغلب والأكثر من هذه الحالات ـ والله العالم ـ إنّما يكون جزاءً لتصرُّفاتٍ خاطئة.

وهنا قد يُقال: ليس من الصحيح أن يُقال: لماذا خلق اللهُ هؤلاء هكذا؟ وإنّما الصحيح أن يُقال: لماذا فعل الأب أو الأم أو كلاهما ما يجعل الولد بهذه الشكل؟ مثلاً: لو لم تتغذَّ الأمُّ جيِّداً في مرحلة الحَمْل، أو عرَّضت نفسها للجراثيم أو الأمراض أو…، ثمّ خرج الولد مشوَّهاً، فالصحيح أن يُقال: لماذا فعلت الأمُّ ما فعلَتْ؟ وليس صحيحاً أبداً أن نسند الأمر إلى الله تبارك وتعالى.

إذن هناك شروطٌ لهذه الحياة المادّية، في انطلاقتها واستمراريّتها، وقد بيَّنها اللهُ للناس، فمَنْ التزم بها نال جزاءها، ومَنْ خالفها نال جزاء ذلك أيضاً، فعلى سبيل المثال: روى ابنُ بسطام في كتاب (طبّ الأئمّة)، عن أبي عبد الله×، أنّه قال لرجلٍ من أوليائه: «لا تجامع أهلك وأنتَ مختضبٌ؛ فإنّك إنْ رُزقْتَ ولداً كان مخنَّثاً»([ii])، مخنَّثاً جسديّاً أو مخنَّثاً على مستوى المشاعر.

كما أنّ أصحاب الازدواجيّة على مستوى المشاعر لم يُخلَقوا كذلك، وإنّما هو مَرَضٌ نفسي ناتجٌ عن: سوء تربيةٍ، وطبيعة مجتمعٍ يعيش التفلُّت الجنسيّ والانحلال الأخلاقيّ. فاللهُ لم يخلُقْهم بهذا الشكل، وإنّما جَنَوْا على أنفسهم بابتعادهم عن تعاليم الله ووصاياه.

ثانياً: عمليات تصحيح الجنس، بين القبول والرفض

لا تزال كثيرٌ من المجتمعات البشريّة تعتبر عمليّة تغيير الجنس ظاهرةً سلبيّة؛ بسبب القِيَم الدينيّة والثقافيّة الشائعة فيها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه قد يجري في بعض الأحيان تغيُّر طبيعيّ، مع التقدُّم في السنّ، وصولاً إلى سنّ البلوغ. وهذا تغيُّرٌ قَهْريّ، لا إراديّ، وليس بيد المكلَّف كي يكون ذا حكمٍ شرعيٍّ خاصّ به.

وأمّا بشأن التغيير والتحوُّل الاختياريّ فلا بُدَّ من تحديد أنّ هذا التغيير هو حاجةٌ (جَسَديّة أو نفسيّة) أم هو رغبةٌ شهوانيّة؟

وقد تقدَّم أنّه إذا ثبت أنّ بعض الأعضاء زائدةٌ، وليست متناسقةً مع الهويّة الأصليّة للمكلَّف، بحَسَب العلامات الشرعيّة المحدِّدة لهويّته، فيجوز استئصال هذه الأعضاء ما لم يلزم منه الضَّرَر أو محرَّماً آخر، كالنظر واللمس، ويكون من قبيل: تصحيح التشوُّه في الخِلْقة.

وأمّا إذا لم يمكن تحديد الهويّة الأصليّة، أو كان يريد إجراء عمليّة على خلاف هويّته الأصليّة، كأنْ يستأصل الأعضاء المتناسبة مع هويّته؛ استجابةً لرغبةٍ شهوانيّة، أي إنّه يرفض مظاهر جَسَده رفضاً غير مبرَّر عقلائياً ـ وهذا مَرَضٌ نفسيّ ينشأ من: سوء التربية؛ وطبيعة المجتمع؛ و… ـ، فهنا وقع كلامٌ بين الفقهاء في جواز هذا التحوُّل وحرمته، ولا سيَّما أنّه ليس في النصوص الروائيّة ما يشير إلى حكم هذا العمل صراحةً، فيعمل المجتهد حينئذٍ وفق المبادئ والقواعد، وحين تختلف تطبيقاتهم لهذه القواعد يكون الاختلاف في الحكم.

1ـ مقدّماتٌ مهمّة

وهنا لا بُدَّ من ذكر مقدّمات:

الأولى: إذا لم يمكن القطع بالهويّة الأصليّة بحَسَب العلامات العُرْفيّة أو الشرعيّة المحدَّدة فهل يمكن للطبّ الحديث أن يحسم الأمر، ولا سيَّما في أصحاب الازدواجيّة من حيث المشاعر؟! وبناءً على الجواب سيتغيَّر الحكم.

الثانية: هل عمليّة التحوُّل تغييرٌ حقيقيّ، أو هي مجرَّد تغيير ظاهريّ في شكل الجسم وأعضائه الظاهريّة (اللحية، الثدي، والعورة) والباطنيّة (المبيض، الرحم)، ولكنَّه ليس تغييراً حقيقيّاً قادراً على التفاعل التامّ، فلا ثمرة له، ولا نتائج تُرجى منه (لا منيّ، لا بويضات، لا حَيْض، لا حَمْل ولا ولادة).

الثالثة: ممّا اعتُبر دليلاً قرآنيّاً على التحريم:

أـ قوله تعالى ـ وهو يتحدَّث عن الشيطان ـ: ﴿لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً﴾ (النساء: 118 ـ 119)، فقالوا: إنّ إزالة بعض الأعضاء، وتشكيل أخرى مكانها، هي تغييرٌ لخلق الله، فلا يجوز.

والجواب: إنّ المراد من قوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ تغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي الإسلام، وإلاّ فإنّه قد جرى ذكر التغيير الخَلْقي بتبتيك آذان الأنعام، فلماذا التكرار والإعادة؟!

ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30)، حيث من الواضح أنّه يعني بـ (خَلْقِ اللهِ) الذي لا تبديل له الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهي فطرة الإسلام والعبوديّة لله تبارك وتعالى.

ب ـ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (النساء: 32)، فقالوا: إذا كان مجرَّد التمنّي لأحكام وحقوق الجنس الآخر ممنوعاً فكيف بالتحوُّل الفعليّ إليه، وما يستتبعه من تغيُّر الأحكام والحقوق؟!

والجواب: إنّ هذه الآية في سياق الحديث عن الإرث، والتفاضل بين الرجال والنساء في الإرث، فتختصُّ بموردها، وإلاّ فهل يحرم على المرأة أن تتمرَّن لتمتلك بالفعل القوّة البدنيّة للرجال؟!

الرابعة: ممّا اعتُبر دليلاً روائيّاً على التحريم ما رُوي من «لَعْن رسول الله| المتشبِّهين من الرجال بالنساء، والمتشبِّهات من النساء بالرجال»([iii]).

وهذا الحديث ضعيف السند في مصادر الشيعة، وصحيح السند عند السنّة؛ ولكنّ موضوعه الرجل والمرأة، اللذان ثبتت لهما هذه الصفة، وأما مورد كلامنا ففي مَنْ يدّعي أنّه ليس برجلٍ أو ليست بامرأةٍ، وإنْ كان الظاهر الجَسَديّ يخالف الدعوى.

2ـ آراء الفقهاء في أصل التحوُّل الجنسيّ

بعد هذه المقدّمات نستعرض رأي الفقهاء عموماً في حكم أصل التحوُّل الجنسيّ.

ذهب فقهاء السنّة إلى أنّ عمليّة التحوُّل حرامٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾؛ وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ وللحديث الصحيح: «لعن رسول الله| المتشبِّهين من الرجال بالنساء، والمتشبِّهات من النساء بالرجال».

وقد تقدَّم الجواب عن هذه الأدلّة جميعاً.

وأمّا فقهاء الشيعة فقد ذهب بعضُهم([iv]) إلى التحريم. ولعلَّ مستندهم الآية الأولى المتقدِّمة، كما صرَّح بعضهم بذلك.

وذهب بعضٌ([v]) إلى أنّها حلالٌ مطلقاً ـ أي ولو كان التغيير في الشكل فقط ـ؛ لأصالة الحِلّ، ولا دليل تامّاً على التحريم. وطبعاً لا ينبغي الشكّ في أنّه يشترط أن لا تستلزم هذه العمليّة محرَّماً آخر، كالإضرار بالنفس أو النظر أو اللمس.

وفصَّل آخرون([vi]) بين عمليّة التغيير الواقعيّ والحقيقيّ، بحيث يصير الرجل امرأةً وتصير المرأة رجلاً بكامل مواصفات وخصائص الجنس الجديد، وبين عمليّة التغيير الظاهريّ، فيكون التغيير في الشكل والمظهر لا غير، فقالوا بجواز الأولى (عمليّة التغيير الحقيقيّ) ـ ما لم تستلزم محرَّماً ـ، وحرمة الثانية (عمليّة التغيير الظاهري). وقد أكَّد بعضهم أنّ عملية التغيير الكاملة ـ وعليها المعوَّل ـ ليس لها وجودٌ حتّى اليوم.

وقد لفت نظري رأيٌ متميِّزٌ لبعض الفقهاء([vii])، يمكن أن يُستفاد منه الكثير، وهو أنّ مَنْ يمتلكون بعض خصائص الأنوثة من الناحية النفسيّة، ولديهم ميولٌ أنثويّة كاملة، ولو لم يبادروا الى تغيير جنسهم وقعوا في الفساد, يجوز لهم القيام بعمليّة التحوُّل الجنسيّ إذا كانت لكشف وإظهار الجنسيّة الواقعيّة. فكأنّه يعتبر أنّ خصائص الأنوثة النفسيّة كاشفةٌ عن جَنْبة واقعيّة، فيجوز إبرازها وإظهارها بالعمليّة، بشرطين: عدم استلزامها المحرَّم؛ وعدم حصول المفسدة.

وهذا مخالفٌ لما عُرف عند الأقدمين([viii]) من أنّه لا قيمة في تحديد هويّة الخنثى للشعور باللذَّة الجنسيّة.

3ـ الآثار الشرعيّة لعمليّات تصحيح الجنس

وأمّا حكم مُجري عمليّة التحوُّل بعد التغيير فقد اختلف فيه الفقهاء أيضاً.

فمنهم([ix]) مَنْ ذهب إلى أنّه ما دامت العمليّة ظاهريّة فحَسْب، وليس لها تأثير على الحقيقة والهويّة الأصليّة، فلا يترتَّب عليها أثرٌ.

وعليه فالمسألة متوقِّفة على إثبات أنّ التحوُّل حقيقيٌّ، وليس ظاهريّاً فحَسْب.

فإذا ثبت ذلك يجوز للمتحوِّل إلى رجلٍ أن يتزوَّج النساء.

ويجوز للمتحوِّلة إلى أنثى أن تخلو بالمرأة الأجنبيّة.

كما أنّه يبطل عقد المتحوِّل إلى امرأةٍ، فلو كان متزوِّجاً، ثمّ تحوَّل، بطل عقده على زوجته، وصارت كالأجنبيّة بالنسبة إليه (إليها؛ بلحاظ أنّه صار امرأةً).

وكذلك يرث نصيبه من الإرث بحَسَب هويّته الجديدة، لا هويّته القديمة.

وبعبارةٍ أخرى: عندما يكون التحوُّل حقيقيّاً فإنّه ترتَّب عليه جميع الأحكام الخاصّة بذي الهويّة الجديدة، وكأنّ هذه هي هويّته الأصليّة.

ثالثاً: العلاقة بين الاختلاط والكَبْت والشذوذ

ويعتبر بعضٌ أن منع الاختلاط يولِّد الكَبْت، وبالتالي الشذوذ، وبعبارةٍ أخرى: هناك مَنْ يحمِّل الشريعة الإسلاميّة مسؤولية ارتفاع نسبة هذه الظاهرة؛ كونها تمنع ظاهرة الاختلاط بين الجنسين.

ويَرِدُ على هؤلاء:

أوّلاً: إن الشارع لم يحرِّم الاختلاط بين الجنسين تماماً، وإنّما وضع للعلاقة بينهما حدوداً وضوابط، تقيهما من الوقوع في الحرام والمعصية، تماماً كما وضع حدوداً وضوابط لاختلاط أفراد الجنس الواحد أيضاً، فحرَّم بعض النظر، وبعض اللمس، وبعض الحديث، وبعض الوضعيّات.

ثانياً: لا بُدَّ من التفريق بين (الكَبْت) و(الضَّبْط)؛ فليس كلُّ منعٍ يؤدّي إلى الكَبْت، ولا يوجد قانونٌ في العالَم ليس فيه ممنوعاتٌ ومحظورات، فهل تؤدّي إلى الكَبْت والضَّغْط، يليهما الانفجار والتفلُّت؟!

الإسلام يدعو إلى عدم الاختلاط حيث يكون في الاختلاط مفاسد، ومع ذلك فهو يريد ذلك في مناخٍ اجتماعيّ تربويّ صحّي، يستند إلى وَعْيٍ كامل للمخاطر المُحْدِقة.

إذن الإسلام يرفض نوعاً من الاختلاط؛ انطلاقاً من حِرْصه الشديد على احترام المرأة وخصوصيّتها، كما يحرص على راحة الرجل وخصوصيّته.

وهذا النوع من عدم الاختلاط لا يمكن أن يولِّد الكَبْت، أو يصرف الرجل عن المرأة، بل تبقى هي الريحانة التي يتوق لتزيين حياته بها، وهي السَّكَن والمودَّة والرَّحْمة، التي لا تحلو الحياةُ إلاّ بها. فيبقى الوصال بالمرأة هَدَفاً نبيلاً يسعى إليه.

نعم، هناك منعٌ من الاختلاط ناشئٌ عن مَرَضٍ نفسيّ، وعن فَهْمٍ خاطئٍ لحقيقة المرأة، ودَوْرها في هذه الحياة.

وهذا المنع يستند إلى احتقار المرأة، واستقذارها، والنُّفور منها:

فهي ـ كما في بعض الديانات المحرَّفة، والتي سبَقَتْ الإسلام، كاليهوديّة ـ نجسةٌ في أيّامٍ خاصّة، وهي أيّام عادتها الشهريّة.

ولا حقَّ لها في الحديث والسؤال عن أحكام دينها في المحافل الدينيّة العامّة (في الكنائس)([x]).

وهي ناقصة العقل والحَظّ والدِّين؛ حيث يُروى عن النبيّ| أنّه قال: «ما رأيتُ من ناقصات عقلٍ ودين أغلب لذي لُبٍّ منكنَّ»، قيل: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: «أمّا نقصان العقل والدين فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجلٍ، فهذا نقصان العقل؛ وتمكث الليالي لا تصلّي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين»»([xi])؛ ويُروى عن أمير المؤمنين× أنّه قال: «إنّ النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول؛ فأما نقصان إيمانهنَّ فقعودهنَّ عن الصلاة والصيام في أيّام حيضهنَّ؛ وأما نقصان حظوظهنَّ فمواريثهنَّ على الأنصاف من مواريث الرجال؛ وأما نقصان عقولهنَّ فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد»([xii]).

ونحن لا نستبعد أن يكون ما رُوي عن النبيّ|، أو عن أمير المؤمنين×، هو من وَضْع بعض الفاسدين الذين أرادوا الإساءة للإسلام، وإلاّ فما معنى نقصان الدين؟! وهل تترك المرأة الصلاة والصوم في أيّام حَيْضها أو نفاسها ـ وهما من أسرار الخِلْقة الإلهيّة، ولا تفقدهما إلاّ مريضةٌُ ذاتُ عاهةٍ ـ إلاّ امتثالاً لأمر الله، وتقرُّباً إليه؛ حيث يحرم عليها أن تأتي بالصلاة ولو رغبَتْ فيها، تماماً كما يحرم على الجُنُب وغير المتوضِّئ، سواءٌ كان رجلاً أم امرأةً، أن يدخل في الصلاة قبل تحصيل الطهارة؟! وهل يستطيع الرجل المسافر أن يصوم قربةً إلى الله تعالى؟! إنَّه لا يصحّ منه، بل يحرم عليه، ويأثم لفعله؛ لأنَّه أُمر بالإفطار، وما عليه سوى الامتثال، فكذلك المرأةُ أُمرَتْ بالإفطار؛ تخفيفاً عليها في حالات معيَّنة، فعليها الالتزام، وهذا من تمام التديُّن وكمال الإيمان.

وإذا كان الحَيْضُ نقصاً في دين المرأة فهل أنّ تأخُّر سنّ اليأس عند العلويّة ـ وهو يتأخَّر إلى 60 سنة، كما يراه بعض الفقهاء ـ يوجب طول فترة نقصان دينها؟! وهل في هذا تكريمٌ ومدحٌ لبنات رسول الله| أو إهانةٌ وذمٌّ لهُنَّ؟! وهل يكون غيرُهُنَّ أفضلَ منهُنَّ في هذا المجال. مع الإشارة إلى أنَّنا نرفض هذا التمايز بين النساء، كما الرجال. ولا فضل إلاّ بالتقوى، كما هو صريح القرآن الكريم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).

ولو تأوَّلنا نقصان الدين بأنّ كثيراً من النساء لا يلتفتْنَ إلى ما يجب عليهنَّ من قضاء صلوات قد فاتَتْهُنَّ قبل أن يطرقهنَّ الحَيْض، كما لو أنّها حاضَتْ بعد مضيّ وقتٍ يتَّسع لصلاة الظهر مثلاً، فإنّه يجب عليها أن تقضي هذه الصلاة (صلاة الظهر) بعد طهرها، فمَنْ تفعل ذلك؟! أو أنّهنَّ لا يستطِعْنَ تحديد نهاية الحَيْض بدقّةٍ، فتفوتهنَّ بعض الصلوات، ولا يقضينَها؛ ظنّاً أنّهنَّ كنَّ معذورات؛ بسبب الحَيْض؛ أو ينسَيْنَ عدد أيّام حَيْضهنَّ فيقضينَ أيّاماً غير مضبوطةٍ، ويفوتهنَّ قضاءُ الأيّام الأُخَر، أو يؤخِّرْنَ القضاء إلى أن يأتي شهر رمضان، وهذا معصيةٌ وذنبٌ، ويترتَّب عليه الإثْم والوِزْر؛ وهكذا…، فما معنى نقصان العقل؟! وهل أنّ الرجل ناقص العقل حيث لم يُقبل منه في الشهادة على الزِّنا إلاّ بأربعةٍ، وليس باثنين؟! وكيف تُقبَل شهادة المرأة ناقصة العقل منفردةً في مواضع، كالعُذْرة، وعيوب النساء، والولادة، والاستهلال (خروج الولد من رحم أمِّه حيّاً صائحاً)، والرِّضاع؟!

وما معنى نقصان الحَظّ؟! وهل يبقى لرجلٍ من المال الذي يصل إليه ـ بعد أنْ كانت نفقة البيت الزوجيّ عليه ـ بمقدار ما يبقى للزوجة التي لم تُكلَّف شيئاً من النَّفقات؟!

للأسف إنّها أحاديث غير صحيحةٍ، بل لا يساورنا الشكُّ في أنَّها موضوعةٌ مكذوبة، ومع ذلك يتمسَّك بها بعض الناس؛ للترويج لبعض الأفكار الخاطئة عن الدِّين، ونظرته إلى المرأة في المجتمع الإسلاميّ، ولكنَّ الدِّين من ذلك كلِّه براءٌ.

نعم، إنّ مثل هذا المنع المَرَضيّ من الاختلاط، وهذه النظرة الخاطئة للمرأة، سيشكِّل عائقاً أمام الرجل في إشباع حاجاته الغريزيّة والطبيعيّة جدّاً، ما سيدفع به للبحث عن موضعٍ آخر لتلبية هذه الحاجات، وقد يدفع به إلى الشذوذ والانحراف.

رابعاً: العلاقة العكسيّة بين الشذوذ والثقافة الجنسيّة الصحيحة

وبما أن الجنس غريزةٌ طبيعيّة وضروريّة في الإنسان، كما في الحيوانات عامّةً، فمن الأفضل أن نُطلع الناشئة على تفاصيل هذا الموضوع بطريقةٍ صحيحة، ومع بيان الضوابط والحدود الشرعيّة لإشباع هذه الغريزة، قبل أن يسبقنا إليهم مَنْ لا يخاف الله فيهم.

ومن هنا فنحن نشجِّع، بل قد يجب ذلك؛ أمام هذه الهجمة الثقافيّة للانحراف والفساد، نشجِّع على تدريس مادّة الثقافة الجنسيّة من قِبَل أصحاب الاختصاص العلميّ والدينيّ، بحيث نزاوج ونصادق بين العلم والدِّين، ليشكِّلا سدّاً منيعاً أمام أيِّ انحرافٍ أو شذوذ.

وعندما نقول: الثقافة الجنسيّة فنحن لا نعني اختصاص هذه المادّة ببيان وظائف الجسد الجنسيّة للرجل أو المرأة، والكيفيّة الصحيحة للاستفادة منها، وإنّما نعني ما هو أوسع من ذلك، ليشمل بيان ماهيّة وطبيعة العلاقة الاجتماعيّة بين الرجل والمرأة، ولزوم قيامها على الاحترام المتبادل، والإيمان بالخصائص الذاتيّة لكلٍّ منهما، وحقوق وواجبات كلٍّ منهما، على المستوى الفرديّ والاجتماعيّ، بحيث يصل هذا المثقَّف إلى الإيمان بأنّ الرجل والمرأة شريكان في هذه الحياة الإنسانيّة، لا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر. وأمّا إذا بقي في النفوس ـ ولو في اللاوَعْي المتشكِّل من مسموعاتٍ متكرِّرة ـ إيمانٌ واعتقاد بأن المرأة تابعةٌ للرجل، وأنّها أحطُّ شأناً منه، وأنّها نجسةٌ، و…، فهذا يعني أنّ أبواب الشذوذ والانحراف لم تُغلَق تماماً، ويبقى الخطر محتَمَلاً من هذه الجهة.

فالله الله في الثقافة، أيّاً كان موضوعها. الثقافة تعني العلم، تعني الفكر، تعني الوَعْي، وهذا ما يميِّز الإنسان عن غيره من الكائنات، ويحدّ من انحرافه وشذوذه وفساده.

خامساً: حكم الشريعة في المثليّين

بعد أن ثبت أنّ أغلبَ حالات المَيْل العاطفي للجنس نفسه ناشئةٌ من مَرَضٍ نفسيّ مستندٍ إلى سوء التربية، وطبيعة المجتمع، و…

وبعد أن فُتح الباب، ولو قليلاً، لإمكانيّة التحوُّل الجنسيّ لهؤلاء، وتترتَّب عليه سائر الأحكام الخاصّة بذي الهويّة الجديدة.

بعد ذلك كلِّه لا مبرِّر عُرفيّاً أو شرعيّاً لرجلٍ ـ ولو في الظاهر ـ أن يقيم علاقةً جنسيّة مع رجلٍ، أو لامرأةٍ ـ ولو في الظاهر ـ أن تقيم علاقةً جنسيّة مع امرأةٍ. وإنّما عليه أن يبادر لتحديد هويّته الأصليّة (ولو بواسطة التأكيد العلميّ لمَيْله العاطفي نحو الجنس نفسه)، ثمّ يجري عمليّة تحوُّلٍ، فيصير من الجنس الآخر، وتصير علاقتُه حينئذٍ وفق الضوابط العُرْفيّة والشرعيّة المقرَّرة.

من هنا فإنّ الشارع المقدَّس رفض رفضاً تامّاً انتشار أيّ علاقةٍ جنسيّة خارج مؤسّسة الزواج المعروف، وهو العلاقة بين الرجل والمرأة الأجنبيّين (من غير المحارم).

وهو في ذلك يهدف للحفاظ على خصائص كلٍّ من الرجل والمرأة.

ويهدف أيضاً لحماية كلٍّ منهما من الضَّرَر والأذى الجَسَديّ، ورُبَما النَّفْسيّ والمعنويّ.

كما يهدف إلى المحافظة على النَّسْل والذُّرِّية، والأجيال البشريّة المتعاقبة؛ إذ إنّ استغناء الرجال بالرجال، واكتفاء النساء بالنساء، على مستوى واسعٍ ومنتشر، يؤدّي إلى خَلَلٍ اجتماعيّ فظيع، وهو انقطاع النَّسْل، وفساد التدبير، وخراب الدنيا([xiii]).

وبناءً على ما تقدَّم فقد غلَّظ الشارع الحكيم في عقوبة مرتكب هذه الفاحشة، وممارسي هذا الشذوذ، من الرجال والنساء معاً؛ فكان عقابُهما ـ بحَسَب اختلاف فقهاء المسلمين ـ مردَّداً بين التعزير أو الجَلْد مئة جلدة أو القتل ـ بأنواع مختلفة منه ـ، سواءٌ كانا محصَنَيْن بالزواج أم لا.

وبعد الذي تقدَّم من فساد هذا العمل، وهذه العلاقة، لا تعود هذه الأحكام الشديدة غريبةً أو مستهجَنة، وإنّما هي جزاءٌ عادلٌ لمَنْ ارتكب مثل هذا الفساد والانحراف.

 

الهوامش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([i]) كلحيةٍ أو طول شعرٍ أو حَيْضٍ أو احتلامٍ أو مبالٍ أو عدد أضلاعٍ أو مَيْل طبعٍ….

([ii]) طبّ الأئمّة: 132.

([iii]) البرقي، المحاسن 1: 113؛ صحيح البخاري 7: 55.

([iv]) كالسيد أبي القاسم الخوئي، والشيخ جواد التبريزي، والسيدين محمد وصادق الشيرازي.

([v]) كالسيد الخميني.

([vi]) كالسيد السيستاني، والسيد محمد سعيد الحكيم، والسيد محمد حسين فضل الله، والسيد كمال الحيدري.

([vii]) وهو السيد الخامنئي.

([viii]) كالطوسي في المبسوط 4: 266.

([ix]) كالسيد السيستاني، والسيد محمد حسين فضل الله، والسيد محمد سعيد الحكيم.

([x]) يقول الكتاب المقدَّس في رسالة كورنثوس الأولى 14: 33 ـ 35: «لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مَأذُوناً لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضاً. وَلَكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئاً فَلْيَسْألْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ؛ لأنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ».

([xi]) مسند أحمد بن حنبل 2: 66 ـ 67؛ صحيح مسلم 1: 61؛ صحيح البخاري 1: 78؛ الكليني، الكافي 5: 322.

([xii]) نهج البلاغة 1: 129.

([xiii]) الصدوق، علل الشرائع 2: 547.



أكتب تعليقك