5 ديسمبر 2013
التصنيف : برامج تلفزيونية (إعداد وتقديم)
لا تعليقات
1٬624 مشاهدة

الحلقة الثالثة من برنامج (آيات) على قناة الإيمان الفضائية: آدم وحوّاء

003-دعاية برنامج آيات2

(بتاريخ: الاثنين 22 ـ 10 ـ 2013م)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ (النساء: 1) (صدق الله العليّ العظيم).

وأراد الله أن يكون لهذه الأرض عمّارٌ يحيونها، ويعيشون فيها؛ ليكونوا مظهراً من مظاهر سلطانه وقدرته، فجعل فيها خليفته (آدم)، أبا البشر، وخلق له زوجةً تؤنسه ويسكن إليها، وهي (حوّاء). ثمّ ما لبث أن تكاثر البشر في هذه الأرض، من خلال نظام تكوينيّ بديع، أبدعه الخالق القادر، فخلق الإنسان من ماءٍ مهين، وأودعه في قرارٍ مكين، إلى أمدٍ معلوم، ينمو ويتكامل، ﴿خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ﴾، حتّى إذا استوى خلقاً تامّاً، وإنساناً كاملاً، أخرجه من رحم أمّه طفلاً صغيراً، لا يملك من أمره شيئاً، فتكفَّل برزقه ونموّه وحياته، وهداه إلى ما فيه صلاح دنياه وآخرته.

أيُّها الأحبّة، لماذا خُلق (آدم) من التراب؟ ومِمَّ خُلقت (حوّاء)؟ وكيف تمّ التناسل في الجيل الأوّل من أولاد (آدم)؟

لماذا خُلق (آدم) من التراب؟

مشاهدينا الكرام، بعد أن استمعنا وإيّاكم إلى ما قيل في هذا التقرير نشير إلى عدّة أمور باختصار:

1ـ يقول سبحانه وتعالى في كتابه المجيد، واصفاً نفسه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (السجدة: 7 ـ 8).

فهي البداية والاستمرار. أما البداية فكانت من الطين وهو التراب المختلط بالماء، حتّى أنّه ليشبه الفَخّار يقول عزَّ من قائل: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (الرحمن: 14). إذاً هو طينٌ ليِّنٌ يميل إلى الحُمرة، وأمّا أنّه خُلق من طينة متعدِّدة الألوان فليس من دليلٍ معتبرٍ على ذلك.

إنّه التراب المادّة المنشأ الأولى لهذا الكائن المكرَّم، الذي لم يُخلق لغواً أو لهواً، وإنّما خُلق لهدفٍ سامٍ وعظيم، ألا وهو عبادة الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾.

ولن تكون العبادة خالصةً إلاّ بمعرفة المعبود، وما يستحقّه من شكرٍ وثناء وطاعة وعبادة، وقد يسَّر الخالقُ العظيم معرفتَه للناس كافّة، فنحن نقرأ في دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام: «يا مَنْ دلَّ على ذاته بذاته، وتنزَّه عن مجانسة مخلوقاته».

ولن يكون العبدُ عبداً مطيعاً خاضعاً وهو يحمل ذرّةً من كِبْرٍ أو استعلاء أو شعورٍ بالتفوُّق. لهذا خُلق من التراب، وهو الأقلُّ قيمةً، تدوسه الأقدام، ويتلوّث بالعَذَرة. فمن التراب بدأ، وإلى التراب يعود، فكيف يتكبَّر؟!

والكِبْر، أيّها الأحبّة، من صفات إبليس اللعين، وهي الصفة التي أخرجَتْه من الجنّة، وتسبَّبتْ بغضب الله عليه؛ حيث امتنع عن السجود لـ (آدم)؛ تكبُّراً واستعلاءً، ظانّاً أنّه أفضل منه، وهو الجنّيّ الذي خُلق من النار، ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف: 12)، فطرده الله من رحمته، وأخرجه من جنّته: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (ص: 77 ـ 78).

فالبداية من التراب، وأمّا الاستمرار فهو خَلْقٌ عظيمٌ ذو مراحل، يتلو بعضها بعضاً، في انتظامٍ وهندسةٍ كأفضل ما يكون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [في رحمٍ قويّ محكمٍ لا يتمزَّق ولا يتفلَّت إلى أن يحين وقت الخروج] * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: 12 ـ 14).

وهكذا خُلق الإنسان من ترابٍ؛ ليدرك حقيقة نفسه، وأنه لا مجال لها كي تتكبَّر أو تتجبَّر، فبَدءُ خلقه من طين، واستمرارُه من ماءٍ مهين، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام، حيث يقول: «ما لابن آدم والفخر، أوّله نطفة، وآخره جيفة، لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه».

ويُقال: إنّ اسم (آدم) مشتقٌّ من الأديم، وهو وجه الأرض، فكأنّ (آدم) خُلق من تراب ظاهرها، هذا الظاهر الذي تدوسه الأقدام، وتلوِّثه العذرات.

ويقال: إنّ اسم (آدم) مرتبطٌ بلون بشرته، والله سبحانه وتعالى هو العالِم.

هذا خلقُ (آدم)، وأمّا (حوّاء) فمن أيِّ شيء خُلقت؟

مِمَّ خُلقت (حوّاء)؟

كما شاهدنا في التقرير يعتقد كثيرون أنّ (حوّاء) قد خُلقت من ضلعٍ من أضلاع (آدم)، بل من الضلع الأيسر لآدم، فهل هذا صحيحٌ؟

بعد أن خلق الله (آدم)، وأودعه جنّتَه في دورةٍ تدريبيّة يتعرَّف فيها على عدوِّه الأكبر، وهو الشيطان الرجيم، وكانت إرادته أن يكون هذا المخلوق خليفةً له في أرضه، لزم أن تكون له ذرّيّة ونسلٌ يملؤون الأرض ويحيونها، وتستمرّ بهم الحياة، وهذا يقتضي بحكم الله سبحانه وتعالى أن تكون هناك علاقةٌ وارتباطٌ بين ذكرٍ وأنثى، بين رجلٍ وامرأة، وقد خلق الله (آدم) رجلاً، فمَنْ هي شريكته في الحياة؟ ومَنْ هي التي ستلد له ما يكون به استمرارُ الحياة ودوامُها؟

إنّها (حوّاء)، خلقها الله من الطينة نفسها التي خلق منها زوجها، يأنس بها وتأنس به، وتسكن إليه ويسكن إليها، وإلى ذلك تشير آياتٌ كريمة كثيرة، وأبرزها: قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (النحل: 72).

والنفس في اللغة هي عينُ الشيء، فيقولون: رأينا الرجلَ نفسَه، أي عينَه، أي هو هو لا غير. وعليه فقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، أي من شيءٍ واحدٍ لا غير.

فما خُلقت منه (حوّاء) هو نفسُه ما خُلق منه زوجُها (آدم)، وهو الطين. فكلاهما من طينةٍ واحدة.

وأمّا ما يُقال من أنّ (حوّاء) خُلقت من ضلعٍ من أضلاع (آدم) فهو ممّا لا دليل عليه، بل أنكره ونفاه وكذّبه أئمّةُ أهل البيت عليهم السلام.

وهو في نفس الوقت مخالفٌ لما أثبته علماء التشريح اليوم، من تساوي أضلاع الرجل والمرأة، فلا تزيد أضلاع الرجل عن المرأة، ولا العكس، وقد انكشف الأمر لهم بشكلٍ كامل لا لبس فيه.

والظاهر أنّ هذا القول، وهو أنّ (حوّاء) خُلقت من ضلع من أضلاع (آدم)، من الإسرائيليّات التي راجت بين المسلمين؛ حيث جاء هذا الخبر في الفصل الثاني من سفر التكوين من التوراة.

وكذلك نعرف ممّا جاء في هذه الآيات الكريمة أنّ البشر كلَّهم خُلقوا من شيءٍ واحد، وهو الطين. وبذلك يثبت بطلان ما يشيع بين بعض المؤمنين، من أنّ النبيّ الأكرم محمد(ص) وأهل بيته الأطهار(ع) قد خُلقوا من نور؛ إذ خُلق (آدم) من طين، فوجدهم بعرش الله مُحدِقين، أو أنّه نظر إلى يمين العرش فأبصر أنوارهم(ع).

هذا الاعتقاد باطلٌ، وإنْ تضمَّنته بعض الروايات؛ فإنّها ـ كلَّها ـ ضعيفةٌ سنداً، أو مضموناً؛ إذ مفاد هذه الروايات أنّ لله عرشاً مجسَّماً محدوداً، له يمينٌ وشمال، وتُحدق به الأشياء. تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

ويُقال: إنّ اسم (حوّاء) مرتبطٌ بلونها، الذي كان حَوّةً، وهو البياض الذي يميل إلى الحُمرة، والله سبحانه وتعالى هو العالِم.

وخلق الله (آدم) من الطين، وخلق (حوّاء) من الطين، ثمّ جعل نسلَهما من سلالة من ماءٍ مهين، من علاقة خاصّة بين الرجل والمرأة، فكيف تمّ التناسل من أولاد (آدم)، وهم إخوةٌ وأخوات؟

كيف تمّ التناسل في الجيل الأوّل من أولاد (آدم)؟

إذاً وكما شاهدنا في هذا التقرير يعتقد بعض الناس أنّ أولاد (آدم) قد تزوَّجوا من بعضهم البعض، فتزوَّج الأخ أختَه، غير أنّ الأخ من هذا البطن يتزوَّج أخته من البطن الأخرى، وكذلك يفعل الآخر.

وللعلماء في هذا الموضوع قولان:

1ـ ما شاهدناه في هذا التقرير، وهو أنّ الأخ تزوَّج أختَه، وأنّ الله هو الذي أحلَّ له ذلك، وبيده التحليل، وبيده التحريم، والله يفعل ما يريد، وله الحكم والأمر. فلمّا كانت الضرورة تقتضي ذلك أحلّه وأباحه لمرّةٍ واحدة، ولمّا لم يعُدْ ضرورياً حرَّمه الله سبحانه وتعالى تحريماً مطلقاً، وغدا الزواج يتمّ بين أولاد العمّ والخال.

وهذا ما يختاره العلاّمة الطباطبائي في تفسيره المعروف (الميزان في تفسير القرآن)، وبه يقول أيضاً سيّدنا الأستاذ المرجع فضل الله.

2ـ غير أنّ هناك قولاً آخر، ذكرَتْه بعض الروايات، وهو أنّه لمّا بلغ ابنا (آدم)، هابيل وقابيل، مرحلة الزواج أهبط الله عليهما حوريّتين، أو حوريّةً وجنّيّة، فتزوَّج أحدهما الحوريّة، والآخر الجنّيّة، فولدتا لهما صبيّاً وبنتاً، ثمّ رفع الله الحوريّة والجنّيّة من هذه الأرض، وغدا الزواج يتمّ بين أولاد العمّ.

والحقيقة أنّ القول الأوّل هو القولُ الصحيح، وهو الموافق لما جاء في القرآن الكريم.

وأمّا القول الثاني فهو مخالفٌ لظاهر الكتاب.

أمّا زواج الإخوة والأخوات فتؤيِّده الآيات التي تلَوْنا بعضها في ما تقدَّم؛ فقد ذكرت أنّ الله خلق الناس من نفسٍ واحدة، وخلق منها زوجها، أي من تلك النفس، أي من تلك الطبيعة، أي من ذلك الجنس. فالزوجان في هذه الدنيا، وعلى هذه الأرض؛ بحسب التكوين الإلهي، لا بدّ أن يكونا من طبيعةٍ واحدة، لا من طبيعتين متغايرتين، وجنسين مختلفين. فلا يمكن أن يُتصوَّر زواجٌ كاملٌ ومنتِجٌ بين إنسانٍ وحوريّة، أو بين إنسانٍ وجنّيّة، بل لا بدّ أن يكون الزواج المثمِر بين إنسانين مخلوقين من طبيعةٍ واحدة، وجنسٍ واحد، ألا وهو الطين.

وهكذا يصبح واضحاً ـ أيّها الأحبّة ـ فساد وبطلان ما يُدَّعى من قبل بعض المشعوذين أنّه قد تزوَّج جنّيّةً، أو زوَّجها لفلانٍ من الناس. وعليه فلا يجوز تصديق مثل هذه الأكاذيب والخرافات، والارتباط بمدّعيها، باعتبار أنّهم أصحاب قوّة وقدرة. فتلك دعاوى لا دليل عليها، بل الدليل على عدمها.

وليس لقائلٍ أن يقول: إنّ ذلك مختصٌّ بـ (آدم) وحده، فزوجتُه (حوّاء) من جنسه، وهو الطين، وأمّا بقيّة الناس فيمكن أن تكون زوجاتُهم من طبيعةٍ أخرى، تختلف عن طبيعتهم، وهذا ما حصل مع أولاد (آدم).

هذا القول غيرُ صحيح؛ لأنّ الخطاب الإلهيّ للناس كافّة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. وتؤكِّد ذلك الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾، حيث استعملت صيغة الجمع (أنفسكم). فالقاعدة عامّةٌ، وشاملةٌ للناس كافّة، وهي أنّه لا يُتصوَّر زواجٌ بين الطين والنار، بين الإنس والجنّ، أو بين الإنس وطبيعةٍ أخرى، أيّاً كانت تلك المخلوقات المختلفة جنساً.

إذاً ـ مشاهدينا الأعزّاء ـ القولُ الأوّل، وهو زواج الإخوة من الأخوات، هو القولُ الصحيح، وقد ذكرَتْه رواياتٌ، وهو الموافق للقرآن الكريم.

وأما القول الثاني، وهو الزواج بحوريّة أو جنّيّة، فهو مخالفٌ لظاهر القرآن، وما ورد في ذلك من رواياتٍ فهي ضعيفةٌ سنداً ومضموناً، ولا يمكن الاستدلال بها، والاعتماد عليها.

اللهمّ لك الحمد أن كرَّمتنا بهذا الخلق القويم، وهديتنا إلى نعمة الإسلام العظيم، فثبِّتنا على دينك ما أحييتنا، ولا تزِغْ قلوبنا بعد إذ هديتنا.

والسلام عليكم أيّها الأحبّة ورحمة الله وبركاته.



أكتب تعليقك