4 مارس 2014
التصنيف : برامج تلفزيونية (إعداد وتقديم)
لا تعليقات
1٬584 مشاهدة

الحلقة 13 من برنامج (آيات)، على قناة الإيمان الفضائية: (اليتيم)

013-دعاية برنامج آيات3

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾ (الضحى: 9) (صدق الله العليّ العظيم).

عندما نتحدَّث عن اليتيم لا يسعُنا إلاّ أن نتذكَّر يتيماً فريداً، يتيماً أحاطَتْه يدُ الرعاية الإلهيّة بالحنان والعطف والتأييد، حتّى غدا أباً روحيّاً للبشريّة جمعاء، وللإنسانيّة كلِّها، وصِرْنا بعد فَقْدِه وعترتِه أيتاماً، عَنَيْتُ به نبيَّ المحبّة والرحمة، نبيَّ الحقّ والهدى، نبيَّ الإسلام العظيم، محمّد بن عبد الله(ص).

قد يفقد المرءُ أباه فيفقد الكافل والراعي والموجِّه والمرشِد، فتتضايق حياتُه مادّيّاً ومعنويّاً، إلى أجلٍ مسمّى.

وقد يفقد الشخصُ أمَّه فيفتقد الحبَّ والحنان والعطف والرحمة.

وقد يفقد الإنسان معلِّمه أو مرشِده أو مربِّيه، فيفتقد بعضَ هدىً، ويترنَّح ذات اليمين وذات الشمال في درب الحياة، إلى أن يقيِّض الله له مَنْ يأخذُ بيده من جديد في دروب العلم والمعرفة والهدى والرشاد.

مَنْ هو اليتيم؟ سؤالٌ قد يَحْسَبُه البعضُ ساذجاً، إلاّ أنَّه إذا علمنا أنّه تترتَّب على جوابه مسؤوليّاتٌ ووظائف فسيزول الاستغراب حَتْماً، وسيصبح سؤالاً مهمّاً.

وقبل الإجابة عنه نستمع وإيّاكم ـ مشاهدينا الكرام ـ إلى هذا التقرير، فلنتابعْه.

1ـ مَنْ هو اليتيم؟

من الطبيعيّ أن يكون الجواب أنّ اليتيم هو مَنْ فقد أبوَيْه، أو أحدَهما. غير أنّه لفتني في هذا التقرير جوابان:

1ـ إنّ اليتيم هو مُهمَلُ الوالدَيْن، أي مَنْ لم ينَلْ من أبوَيْه الرعاية الكاملة، والتربية الصحيحة السليمة. فهو يتيمٌ ولو كان أبواه لا يزالان على قيد الحياة. وهذا ما أشار إليه أميرُ الشعراء أحمد شوقي بقوله ـ ولنِعْمَ ما قال ـ:

لَيْسَ اليَتيمُ مَنِ انـتَهى أَبَواهُ مِن

هَمِّ الحَياةِ وَخَلَّفاهُ ذَليلا

فَأَصابَ بِالدُّنيا الحَكيمَةِ مِنهُما

وَبِحُسنِ تَربِيَةِ الزَّمانِ بَديلا

إِنَّ اليَتيمَ هُوَ الذِي تَلقَى لَهُ

أُمّاً تَخَلَّت أَو أَباً مَشغولا

2ـ إنّ اليتيم يتيمُ العقل، أي فاقدُه. فالعَقْلُ أهمُّ نعمةٍ أنعم اللهُ بها على الإنسان، وميَّزه بها عن سائر المخلوقات، فكان الواسطةَ لبلوغ الإنسان أسمى مراتب الكمال، حتّى لَيكونُ أشرفَ من الملائكة، وقد ينحدر به إلى أسفل سافلين، حتّى لَيكونُ أحطَّ من الحيوان: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: 179).

وقد ورد في الحديث الصحيح عن مولانا أبي جعفر الباقر(ع) أنّه قال: «لمّا خلق اللهُ العقلَ استنطقه، ثمّ قال له: أقبِلْ، فأقبل، ثمّ قال له: أدبِرْ، فأدبر، ثمّ قال: وعزَّتي وجلالي، ما خلقتُ خلقاً هو أحبُّ إليَّ منكَ، ولا أكملتُكَ إلاّ في مَنْ أُحبُّ، أَمَا إنّي إيّاكَ آمُر، وإيّاكَ أنهى، وإيّاكَ أعاقب، وإياكَ أُثيب»([1]).

إلاّ أنّ اليتيم من الناحية الشرعيّة هو فاقدُ الأب.

فمع الإدراك التامّ لما يتركه غياب الأمّ وفقدها من فراغٍ عاطفيّ وروحيّ ومعنويّ في حياة الولد، إلاّ أنّ أثره يبقى في داخل النفس وطوايا الروح، لا يظهر للملأ، ولا ينعكس في الحياة، إلاّ في حالاتٍ قليلة، بل نادرة.

وأمّا غياب الأب من حياة الطفل الذي لم يبلغ الحُلُم، أي الذي لم يتجاوز سنَّ التكليف الشرعي؛ إذ «لا يُتْمَ بعد احتلام»، كما جاء في وصيّة النبيّ(ص) لأمير المؤمنين عليٍّ(ع)، أمّا غياب الأب فهو غياب الراعي والكفيل، وبالتالي سيعيش فاقدُ أبيه حالةً من الاهتزاز والخلل المادّيّ والروحيّ معاً، ما قد يجعل مسار حياته يتحوَّل، وبشكلٍ فجائيّ ونهائيّ، إلى مأساةٍ حقيقيّة فاجعة.

وهكذا نعرف، أيّها الأحبّة، أنّ «اليتيم» بنظر الشرع المقدَّس هو مَنْ فقد أباه وهو لا يزال طفلاً دون سنِّ البلوغ الشرعيّ.

والمسؤوليّة تجاه هذا الفرد ـ أي اليتيم ـ في المجتمع كبيرةٌ جدّاً، وهي تتوزَّع، وإنْ بنِسَبٍ مختلفة، على أقربائه وكافّة المسلمين. فحتّى لو كان لهذا الطفل الصغير وليٌّ، كجدِّه لأبيه ـ أي والدُ والده ـ، تبقى المسؤوليّة الشرعيّة ملقاةً على عاتق المسلمين جميعاً تجاهه، فضلاً عمّا إذا لم يكن له وليٌّ، وكان وليُّه الحاكم الشرعيّ ـ وهو المجتهدُ العادل حقّاً ـ، المؤتمَنَ على المال والقُصَّر والأيتام.

يبقى اليتيم وصيَّةَ أمير المؤمنين عليٍّ(ع) وهو على فراش الموت، بعدما ضربه عبد الرحمن بن ملجم بالسيف على رأسه الشريف، فجمع أهلَ بيته يوصيهم، فكان ممّا قاله لهم: «والله الله في الأيتام، فلا تغبُّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم»([2]). وفي وصيّته(ع) بالأيتام في تلك الساعات الحَرِجَة، والظروف الاستثنائيّة من حياته الشريفة، إشارةٌ إلى أهمّيّة وعظمة هذه المسؤوليّة والوظيفة الملقاة على عاتق المسلمين جميعاً، ولا سيَّما حُكّام الشرع، وعلماء الدين، الذين يتبوّأون منصبَ «ورثة الأنبياء»، ولا بدّ أن يكونوا بالمستوى الأخلاقيّ والسلوكيّ اللائق بذلك المنصب الدينيّ الكبير.

إذن اليتيمُ هو مَنْ فقد أباه في الصِّغَر، فكان لزاماً على وليِّه وسائر المسلمين أن يرعَوْه، ويأخذوا بيده في مدارج الكمال المادّيّ والمعنويّ؛ حتّى يصل إلى برِّ الأمان، ومرحلة الرشد، حيث يكمل مسيرة حياته الإنسانيّة، كما أترابُه. فما هي سُبُل مساعدة اليتيم؟

نتعرَّف إليها ـ مشاهدينا الكرام ـ ولكنْ بعد مشاهدة هذا التقرير، فلنتابعْه.

2ـ ما هي سُبُل مساعدة اليتيم؟

مشاهدينا الكرام، وكما جاء في هذا التقرير، تتعدَّد سبل مساعدة اليتيم ما بين المادّيّ والمعنويّ.

أمّا من الناحية المعنويّة فعلى أفراد عائلة اليتيم مسؤوليّةٌ كبيرة، تتمثَّل في السعي الدؤوب لإحاطته بكامل الرعاية والعناية والعطف والحنان، حتّى لا يشعر بالفراغ الحاصل جرّاء غياب الأب أو الأمّ عن مسرح الحياة. وقد يعتقد البعض ـ مخطئاً ـ أنّه ليس لهذه المشاعر والتصرُّفات العاطفيّة كبيرَ أثرٍ في حياة الأطفال اليتامى، إلاّ أنّ الدليل النقليّ والوجدانيّ على خلاف ذلك.

فكَمْ من قصّةٍ تحكي ذكرياتِ طفلٍ يتيم أو طفلةٍ يتيمة تُبيِّن عظيمَ الأثر للمعاملة الرقيقة التي عُومل بها على شخصيَّته ونفسيَّته وتربيته وسلوكه ومستقبله.

وإلى جانب ذلك نقرأ في الآثار المنقولة عن نبيِّ الرحمة محمد(ص) حثّاً وتشجيعاً منقطع النظير على كفالة الأيتام، حيث رُوي عنه(ص) أنّه قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتَيْن في الجنّة، وأشار بإصبعَيْه السبابة والوسطى»([3]).

أيُّها الأحبّة، لقد أكَّد الإسلام في دستوره الخالد، القرآن الكريم، على ضرورة تأمين المأوى والمطعم والمشرب لليتامى، في جوٍّ من الرحمة والإكرام والإحسان.

فقال الله سبحانه وتعالى مخاطِباً نبيَّه الأكرم محمداً(ص): ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى﴾ (الضحى: 6)، في إشارةٍ إلى ما ينبغي أن يكون خُلُقُ المؤمن مع اليتيم؛ إذ هذا حقُّه على أخيه المسلم.

وفي آية أخرى يذمُّ الذين تخلَّفوا عن بعض أفعال البِرّ، فيقول: ﴿فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (البلد: 11 ـ 16). وهذا تأكيدٌ لحقِّ اليتيم، ولا سيَّما إذا كان من الأقرباء، في الكفالة المادّيّة، وعلى رأسها الإطعام. ويؤكِّد هذا المعنى ما ورد في قصّة أهل البيت(عم) المشهورة: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ (الإنسان: 8).

وقال عزَّ وجلَّ على لسان الخِضْر(ع) في قصّته مع النبيّ موسى(ع): ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (الكهف: 82). إذاً هي الرحمةُ الإلهيّة تشمل اليتيم أَفلَيس ينبغي للمؤمن أنْ يرحمَه؟!

ويبيِّن سبحانه وتعالى السببَ الحقيقيّ في تقتير الرزق على بعض الناس، فيحسبونه ابتلاءً وامتحاناً؛ لمزيد ثوابٍ، وهو في الحقيقة جزاءٌ وعقاب؛ لعمل سوءٍ: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي * كَلاَّ بَل لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ (الفجر: 16 ـ 20).

وها هي آياتٌ أخرى تأمر بالإحسان لليتامى، وتعتبره ميثاقاً بين الله وعباده: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (النساء: 36)، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (البقرة: 83).

ويشتدّ الخطاب الإلهيّ حِدّةً، ويزدادُ وضوحاً، حين يعتبر أنّ الذي ينتهر اليتيمَ بغِلْظةٍ، ويزجره بشدّةٍ، ويدفعه بجفوةٍ وعنف، ما هو إلاّ مكذِّبٌ بالدِّين: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (الماعون: 1 ـ 3).

لقد كانت الشريعةُ الإسلاميّة الغرّاء في منتهى الحَزْم والصَّرامة حين قارَبَتْ مسألة الاستفادة من أموال اليتامى، فمنعت من كلِّ تصرُّفٍ لا يتضمَّن مصلحةً لليتيم: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (الإسراء: 34؛ الأنعام: 152)، بالتي هي أحسنُ لذاته، ولحاضره، ومستقبله.

وهنا قد ينفر بعض المؤمنين من مسؤوليّة الولاية على الأيتام؛ بحجّة أنّه لا يضمن أن تكون كلُّ تصرُّفاته إحساناً ومصلحةً لليتيم، فقد يخطئ التصرُّفَ، فتنقلبَ عاقبةُ أمره خُسْراً.

ولكنَّ تتمّة الآية في سورة الأنعام تبيِّن أنّ الله سبحانه وتعالى يعفو ويغفر الهَنات الصغيرة في هذا المجال، حيث قال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾.

وفي آية أخرى لم يمنَعْ من مخالطة الأيتام والتعامل معهم، كإخوةٍ في الله، نحفظ حقوقهم، ونرعى مصالحهم، فقال عزَّ من قائل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ﴾ (البقرة: 220).

فإذا ما بلغ اليتيم ـ سواءٌ كان صبيّاً أو بنتاً ـ سنَّ التكليف الشرعيّ، وهو السنُّ الذي يستطيع فيه أن يتزوِّج، وتبيَّن رشدُه، وأنّه أصبح يمتلك من الوعي ما يؤهِّله للتصرُّف بأمواله مستقلاًّ، من غير حاجةٍ إلى توجيهٍ وإرشاد ولفت نظر، وجب دفعُ أمواله إليه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ (النساء: 6)، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ (النساء: 2)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ (النساء: 10).

ولَكَمْ كان التشريع الإسلاميّ حريصاً على تحرّي العدالة والقِسْط مع اليتامى! حتّى نهى عن أن لا تُدفَع أموالُ اليتيمة إليها بعد بلوغها، ثمَّ يتمّ الزواجُ منها، وبالتالي يسيطر الزوج على أموالها، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ (النساء: 127)، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ (النساء: 3)، أي من غير اليتامى؛ فذلك أحوطُ لدينكم.

أيّها الأحبّة، الأيتام وصيّةُ نبيِّنا(ص)، ووصيّةُ أئمّتنا(عم)، فهل نحفظ الوصيَّة؟! نحفظها بالدعم المعنويّ والمادّيّ ـ من مال الخمس والزكاة وغيرها من الأموال الشرعيّة ـ، وبشكلٍ مستمرٍّ، للمؤسَّسات الراعية لأيتام الأمّة، في جوٍّ تعليميّ وتربويّ سليم، أيّاً تكن هذه المؤسَّسات، شرط أن تكون في مستوى المسؤوليّة والأمانة.

والسلام عليكم ـ مشاهدينا الكرام ـ ورحمة الله وبركاته.

الهوامش


([1]) الكليني، الكافي 1: 10. وسند الحديث: أخبرنا أبو جعفر محمد بن يعقوب قال: حدَّثني عدّة من أصحابنا، منهم محمد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(ع).

([2]) نهج البلاغة 3: 77، الوصيّة 47، وهي وصيّته(ع) للحسن والحسين(عما) لمّا ضربه ابن ملجم.

([3]) النوري، مستدرك وسائل الشيعة 2: 474، نقلاً عن تفسير الشيخ أبو الفتوح الرازي، معلَّقاً مرفوعاً.

وفي صحيح البخاري 6: 178: (حدَّثنا عمرو بن زرارة: أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل، قال رسول الله(ص): أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئاً).

وفي صحيح البخاري 7: 76: (حدَّثنا عبد الله بن عبد الوهّاب قال: حدَّثني عبد العزيز بن أبي حازم قال: حدَّثني أبي قال: سمعتُ سهل بن سعد، عن النبيّ(ص) قال: أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا، وقال: بإصبعَيْه السبابة والوسطى).



أكتب تعليقك