21 مايو 2014
التصنيف : استفتاءات
لا تعليقات
1٬497 مشاهدة

(لا تغضب): خُلُقٌ إسلاميٌّ قويم

بين السائل والمجيب

(21 / 5 / 2014م)

سلام عليكم موﻻنا، عندي طلب. ممكن آية ورواية تتكلَّم عن عدم التوتُّر والانفعال، وليس العصبيّة بمعنى القبليّة.

لقد حثَّ الإسلام في أكثر من موردٍ على ضرورة أن يمسك الإنسان نفسه عن الانفعال والعصبيّة والتوتُّر عندما يواجه بعض المشاكل والمصائب والفِتَن والمِحَن، أو عندما يعتدي عليه نَفَرٌ من الجُهّال، الذين لا يقيمون وَزْناً لحوارٍ عقلانيّ مسؤول، ولا يعيرون اهتماماً بدليلٍ علميّ حول أيِّ مسألةٍ تواجههم.

وهذا ما نلحظه في الآيات الكريمة التالية:

1ـ ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً﴾ (الفرقان: 63). وهي تبيِّن صفات عباد الرحمن الحقيقيّين، ومنها أنّهم لا يواجهون جهل العوامّ من الناس بانفعالٍ وتوتُّر، وإنَّما يُلْقون عليهم التحيّة، ويسيرون في دربهم ونهجهم الذي يرَوْن أنّه محلُّ رضا الله عزَّ وجلَّ.

2ـ وفي توصيفه للمؤمنين الصالحين يقول عزَّ من قائلٍ: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (الشورى: 37 ـ 39).

إذاً هم يغفرون لمَنْ أساء إليهم فلا يقابلون عدوانه بالعصبيّة والانفعال والرغبة في الانتقام. فإذا وصلت الأمور إلى حدٍّ لا يُطاق، وأصبح ذاك العدوان خَطَراً على الإسلام وأهله، وعلى الحكومة الإسلاميّة الشرعيّة، فحينها ينتصرون للإسلام ونهجِه القويم. ولم تبيِّن آليّة هذا الانتصار، وربما لا يكون منها الإساءة للطرف المعتدي بمقدار ما يكون المراد السعي لإحقاق الحقّ، وتثبيت أركان الدولة والنهج، والتصدّي لمؤامرات هؤلاء، ولو أدّى ذلك إلى ظهور الانشقاق والتمايز في المجتمع الإسلاميّ والإيمانيّ.

وهذا ما يتجلّى بوضوحٍ أكثر في قصّة موسى(ع) مع قومه، حين عَبَدوا العِجْل من دون الله، فعاد إليهم موسى(ع) غضبان، ولكنَّه بقي مسيطِراً على نفسه، فلم يرتكِبْ رَغْم غضبه ما يُسخط الله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِي الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ * وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف: 150 ـ 154).

وقد أكَّدَتْ رواياتٌ كثيرة على ضرورة أن يجتنب الإنسان الغَضَب؛ لما له من تأثيرٍ سلبيّ على روحيّة الإنسان المؤمن وإيمانه، وحياة الإنسان الاجتماعيّة.

فقد روى الشيخ الكليني(ر) عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله(ع) قال: قال رسول الله(ص): «الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخَلّ العسل»([1]).

وروى عن أبي عليّ الأشعري، عن محمد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه، عن ميسر قال: ذكر الغضب عند أبي جعفر(ع) فقال: «إنّ الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتّى يدخل النار، فأيُّما رجل غضب على قومٍ وهو قائمٌ فليجلس من فوره ذلك؛ فإنّه سيذهب عنه رجز الشيطان؛ وأيُّما رجل غضب على ذي رحمٍ فليدنُ منه فليمسَّه؛ فإنّ الرحم إذا مُسَّتْ سَكَنَتْ»([2]).

وروى عن عليّ بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن داود بن فرقد قال: قال أبو عبد الله(ع): «الغضب مفتاح كلّ شرٍّ»([3]).

وروى عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن أبي عبد الله(ع) قال: سمعتُ أبي(ع) يقول: «أتى رسول الله(ص) رجلٌ بدويّ فقال: إنّي أسكن البادية، فعلِّمْني جوامع الكلام، فقال: آمرك أن لا تغضب، فأعاد عليه الأعرابيّ المسألة ثلاث مرات، حتّى رجع الرجل إلى نفسه، فقال: لا أسأل عن شيءٍ بعد هذا، ما أمرني رسول الله(ص) إلاّ بالخير». قال: وكان أبي يقول: «أيُّ شيءٍ أشدُّ من الغضب؛ إنّ الرجل ليغضب فيقتل النفس التي حرَّم الله ويقذف المحصنة»([4]).

وغير ذلك كثيرٌ من الروايات، فلتُراجَع في محلّها من كتاب الكافي، الجزء الثاني، باب الغضب.

الهوامش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1])الكافي 2: 302، باب الغضب، ح1.

([2]) الكافي 2: 302، باب الغضب، ح2.

([3]) الكافي 2: 303، باب الغضب، ح3.

([4]) الكافي 2: 303، باب الغضب، ح4.



أكتب تعليقك