7 أبريل 2015
التصنيف : مقالات فكرية
لا تعليقات
2٬913 مشاهدة

السيد محمّد باقر الصدر والمرجعيّة الرشيدة

1974975_396438883861612_4593651814040519467_n - Copy

(بتاريخ: 7 / 5 / 2012م)

هو العالِم المجاهد والعبقريّ الفذّ والمرجع الدينيّ المعاصر والمستنير، هو السيد الشهيد محمّد باقر الصدر (رحمه الله).

كثيرون هم الذين يُسَمَّوْن بـ (أهل العلم والفضل) في الحوزات العلميّة، وكثيرون هم الذين أُجيزوا بالاجتهاد، وكثيرون هم الذين ثُنيت لهم وسادة الإفتاء والمرجعيّة، لكنّ قليلاً من هؤلاء جميعاً كان جديراً بموقعه ومحلّه.

أقول هذا الكلام وقد عايشتُ وعاينتُ كثيراً من الوقائع والأحداث في الحوزة العلميّة، كما عايشها وعاينها قبلي كثيرون، ويعاينها من بعدي آخرون وآخرون، ولكنّ القليل القليل مَنْ يجرؤ على النطق بهذه الكلمات.

لقد عايش الشهيد الصدر الكثير من هذه الأحداث منذ دخوله إلى الحوزة العلميّة، ومن هنا كانت دعوته إلى (المرجعيّة الرشيدة)، وكأنّه كان يرى أنّ المرجعيّة لم تُؤْتَ رُشْدَها بعدُ.

فقد شاهد بأمّ العين كيف أنّ أبواب الحوزة العلميّة مشرَعةٌ للداخلين إليها، من كافّة المستويات العلميّة (ابتدائيّ ـ متوسّط ـ ثانويّ ـ جامعيّ)، ويشترك الجميع في حلقة درس واحدةٍ، ثمّ ينتقلون من صفٍّ إلى آخر، سنةً بعد سنةٍ!

أمّا الكتب الدراسيّة المعتَمَدة فهي كتبٌ قد مضى على تأليفها عشرات السنين، علماً أنّها لم تؤلَّف للتدريس، وبالتالي ليست مراعيةً لمناهجه الصحيحة، ما يعني أنّها لن تشتمل على متطلَّبات العصر المعاش من الفتاوى والأحكام.

ومضافاً إلى ذلك فإنّ لغتها معقَّدةٌ للغاية، فهي أشبه برموزٍ وطلاسم يعجز غير واحدٍ من الأساتذة في كثيرٍ من الأحيان عن فكّ أسرارها، فكيف بذلك الطالب المسكين، الذي يقرؤها لأوّل مرّة؟!

وتقتصر الدراسة على بعض الموضوعات، كالفقه والأصول والمنطق والنحو والبلاغة و…، وهي غالباً لا تبلغ هدفها المنشود، فهل النحو سوى آلةٍ قانونيّة تعصم مراعاتُها اللسان عن الخطأ في الكلام؟ ورغم أنّ طلاّب العلوم الدينيّة في الحوزات العلميّة يدرسون الأجروميّة في النحو، والنحو الواضح بأقسامه الثلاثة، وقطر الندى، والألفيّة، فإنّ غالبيّتهم العظمى يقعون في عشرات الأخطاء النحويّة أثناء الكلام، فماذا يدرسون؟!

هذا في حين تغيب موضوعاتٌ أخرى، لا تقلّ أهمّيّةً عن الموضوعات المتقدِّمة، كالتفسير، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والرجال، والدراية، والأخلاق، و…، إلاّ ما ندر، عبر حلقاتٍ خاصّةٍ، وبطلبٍ خجولٍ من الطالب، وموافقةٍ متردِّدةٍ ـ خوفاً ووَجَلاً ـ من الأستاذ.

وبحجّة التفرُّغ للدرس والتحصيل يُفرَض على الطالب أن يعيش حالةً من الانقطاع والانعزال عن العالم الخارجيّ، فكريّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً، وما هي إلاّ برهة من الزمن حتّى يصبح الطالب في عالمٍ آخر يختلف عن هذا العالم تماماً، ليتوِّج غربته بلباسٍ يعود إلى ما قبل أكثر من ألف سنة مضت، عمامةٍ سوداء أو بيضاء لا يُحسن أكثر المعمَّمين لفّها، وقميصٍ وصايةٍ وجُبّةٍ ورداءٍ.

وفي حلقات الدرس، صغيرةً كانت أم كبيرة، أسلوبٌ واحدٌ قديمٌ في التدريس، وأمّا أساليب التدريس الحديثة ووسائل الإيضاح الجديدة والمتعدِّدة، فلا محلّ لها من الإعراب في النظام الحوزويّ.

وكلّ ذلك بعيداً عن أيّ دورٍ تربويّ أو تواصلٍ عاطفيّ يضطلع به الأستاذ تجاه طلاّبه.

إنّها المرجعيّة، مَنْ كان طالباً بالأمس غدا اليوم مرجعاً للتقليد، ويطالبه الناس ـ بعد شهادة طلاّبه له بالعلم والفضل والاجتهاد والأعلميّة ـ بالرسالة العمليّة تكون بين أيديهم ليرجعوا إليها في عباداتهم ومعاملاتهم.

وماذا يكتب مَنْ تعوَّد الإلقاء، ولم يعتَدْ على كتابة أبحاثه وتحقيقاته؟! فيهرع إلى الرسالة العمليّة لسلفه الصالح (المرجع السابق أو الأسبق) فيدخل عليها بعض التعديلات الطفيفة، ثمّ يطبعها، وتوزَّع على المكلَّفين.

ويفتح المكلَّف تلك الرسالة العمليّة فلا يستطيع أن يفهم منها شيئاً؛ فالعبارة معقَّدةٌ، والجمل متداخلةٌ، والمطالب مبعثرةٌ، والأحكام مورد الابتلاء غير موجودة، فيحسب أنّها لم تكن، وكلّما واجهته مشكلةٌ شرعيّةٌ هرع إلى هذا العالم أو ذاك. ولكلٍّ منهم جوابٌ يختلف عن جواب صاحبه، ويصبح الحكمُ الشرعيّ أحكاماً متعدّدة، والمكلَّف في ذلك كلِّه كالحَيْران.

وفي العُطَل والمناسبات ينطلق كثيرٌ من (العلماء) إلى المناطق للتبليغ والإرشاد، ولا تسَلْ عمّا يحدث من تنافسٍ وتزاحمٍ، ولا سيّما في المناطق ذات الوضع الاقتصاديّ المنتَعِش، طمعاً في غلّةٍ تكفيه مؤنة السنة كاملةً، وربما أمكنه التوسعة على العيال، وربما جدَّد فراشه وعياله.

ومن هنا يسعى هؤلاء (العلماء) إلى إقامة شبكة من العلاقات الشخصيّة المتينة مع الطبقة الثريّة في المجتمع، وبذلك يضمنون سيطرتهم على هذه المناطق، حتّى إنّهم ليقدرون على إخراجها من تحت سلطة المرجع نفسه إذا اقتضى الأمر.

يُسدِّد المكلَّفون ما يتوجَّب عليهم من حقوق الله (الخمس، والزكاة، والكفّارات، و…) إلى المرجع أو وكلائه في المناطق، وفي فكر كلّ واحدٍ منهم أنّ هذه الأموال ستصل إلى الفقراء والمساكين لتسدّ جوعهم، وستصرف في تحسين الوضع المعيشيّ والعمرانيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ، وحتّى العسكريّ، لمجتمعهم، وإذا بهم لا يزالون يسمعون آهات اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، ولا يزالون يعاينون الحرمان والبؤس في المجتمع على حاله، فأين ذهبت الأموال يا ترى؟!

لقد ذهبت إلى جيوب الطلاّب في الحوزات العلميّة، والحواشي في المكاتب هنا وهناك، فهذا محتاجٌ إلى مسكن، وذاك محتاجٌ إلى زوجة، وهذا محتاجٌ إلى كتاب، ولو سلَّمنا بوجود تلك الحاجات وضرورتها فهي مصارف محقّةٌ، ولكنْ أين هي عدالةُ أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) في العطاء، حيث ساوى بين الناس كلِّهم فيه.

هذا غيضٌ من فيضٍ ممّا عاينه السيد الشهيد محمّد باقر الصدر، وعاينّاه، ولا يزال كثيرٌ منه قائماً إلى يومنا هذا.

ومن الطبيعيّ أن يرفض السيد الصدر هذا الواقع المزري، وأن يتصدّى لتغييره عبر خطواتٍ أسماها (مشروع المرجعيّة الرشيدة)، ومن أهمّ هذه الخطوات:

1ـ تشكيل لجنة لتنظيم الوضع الدراسيّ في الحوزة العلميّة، من حيث تحديد الموادّ والكتب الدراسيّة ، ما يتيح للحوزة المساهمة في تحقيق أهداف المرجعيّة الصالحة.

2ـ كتابة الحلقات الأصوليّة الثلاث، لتحلّ محلّ الكتب الأصوليّة القديمة، وتمتاز بالعبارة الأدبيّة السلسة، والترتيب المنطقيّ، والتدرُّج في الطرح.

مضافاً إلى جملة من الكتب الأخرى، كـ (الأسس المنطقيّة للاستقراء)، و(فلسفتنا)، و(اقتصادنا)، و(المدرسة القرآنية)، وغيرها.

3ـ عَقْد جلسةٍ أسبوعيّة في منزله يحضرها خيرة تلامذته؛ بهدف التداول في أبرز المشاكل والأزمات الفكريّة والثقافيّة التي تعصف بالحوزة والعالَم.

مضافاً إلى الشروع في إلقاء دروس في التفسير الموضوعيّ للقرآن.

4ـ دعم الثورة الإسلاميّة في إيران علانيةً، في رسالةٍ واضحةٍ على تبنّيه لفكرة أن يكون للعلماء دورٌ في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعية للأمّة الإسلاميّة.

5ـ التواصل العاطفيّ مع الطلاّب، يرعاهم ويسهر على راحتهم، ويشاركهم همومهم ومشاكلهم، ويرفدهم بما يحتاجونه من دعم مادّيّ ومعنويّ، وصولاً إلى تفوُّقٍ في الدراسة، وفاعليّةٍ في العطاء.

6ـ كتابة (الفتاوى الواضحة) كرسالةٍ عمليّةٍ جديدة، وهي تبدأ بمقدّمةٍ تتناول جملةً من القضايا الاعتقاديّة، وقد طُرحت بأسلوبٍ جديدٍ، شمل طريقة السرد، وطريقة الاستدلال، وطريقة تبويب المسائل والموضوعات.

7ـ تشكيل لجنة للإنتاج العلميّ، تعنى بتشجيع الطلاّب على البحث العلميّ، ومتابعة سيره، وصولاً إلى إصدار مجلّةٍ أو نشريّة أو صحيفةٍ.

8ـ السعي لإقامة مشاريع ثقافيّة واجتماعيّة، كإنشاء محطّةٍ تلفزيونيّة وإذاعةٍ ودار نشرٍ في النجف الأشرف.

9ــ تشكيل لجنة مسؤولة عن شؤون العلماء في المناطق ، وتعنى بضبط أسمائهم وأماكنهم ووكالاتهم، وتراقب سيرهم وسلوكهم واتّصالاتهم، ناقلةً ذلك كلّه إلى المرجع، ليصوِّب ما يراه من خطأ أو انحرافٍ.

10ـ رفض الطريقة التقليديّة في إجازة الوكلاء بقبض الأموال من الناس، واستبدالها بطريقة تضمن وصول الأموال كلّها إلى بيت المال؛ ليتمّ توزيعها وفق خطّة شاملة، ويحصل الوكيل من ذلك كلّه على راتبٍ شهريٍّ يفي بمؤنته ومؤنة عياله.

لقد بذل الشهيد الصدر كلّ ما في وسعه لكي يضع الحوزة العلميّة على طريق التقدُّم والازدهار، غير أنّ يد الإثم والعدوان الغاشمة عاجلته بقدَرٍ محتومٍ، فكانت الشهادة في سبيل الله. فالسلام عليه مولوداً مباركاً، وعالِماً صالحاً مصلحاً، وشهيداً مضمَّخاً بدمائه الزكيّة، يلقى بها الله يوم القيامة، فيوفّيه أجره، ونِعْمَ أجرُ العاملين.



أكتب تعليقك