25 سبتمبر 2015
التصنيف : منبر الجمعة
لا تعليقات
2٬761 مشاهدة

عيد الأضحى المبارك، دروسٌ في التضحية والصبر والتسليم

(الجمعة 25 / 9 / 2015م)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّدٍ، وعلى آله الطيِّبين الطاهرين، وأصحابه المنتَجَبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

تمهيد

إنّه عيد الأضحى المبارك، عيد التضحية في سبيل الله تبارك وتعالى، والتسليم لأمره، والإخلاص الكامل له، تقدَّستْ أسماؤه.

إنّه العيد الذي نستذكر فيه تضحية خليل الرحمن وأبي الأنبياء وشيخهم إبراهيم(ع)، بأعزّ ما يملك ـ وهو الوَلَد([1])، فكيف إذا كان ولداً وحيداً، وقد أُوتيه بعد طول انتظارٍ([2]) ـ في سبيل الله، واستجابةً لأمره، وهو الذي فارق طريقة قومه في عبادة الأصنام والأوثان، وتقديسها، وتقديم القرابين لها، والتضحية في سبيلها، وعادى في الله أقربَ المقرَّبين إليه، وهو أبوه، الذي لم يتحمَّلْ ـ كما بقيّة القوم ـ ما دعاهم إليه وَلَدُه إبراهيم(ع) من الحقّ والهُدى، فهدَّد وأزبد وأرعد: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ (مريم: 46).

وبكلّ محبّةٍ ووداعة، ولطفٍ وإحسان، كان الجواب من إبراهيم(ع): ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَنْ لاَ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ (مريم: 47 ـ 48).

إبراهيم(ع) في مواجهة قومه

ولمّا أصرّ هذا الأب على كفره وعناده، واستمرّ في عداوته لربِّ العالمين، الخالق والرازق والمدبِّر، امتلك إبراهيم الجرأة الكافية لاتّخاذ القرار الصَّعْب بالبراءة من أبيه، كما من بقيّة قومه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (التوبة: 114).

وهكذا قرَّر ان يفجعهم بآلهتهم المزعومة، ليحدث لهم صدمةً قد توقظهم ممّا هم فيه من الغِيّ والضلال والانحراف عن صراط الله المستقيم، إذا كان لا زال لهم حظٌّ في هدايةٍ وإنابة، فانطلق إلى آلهتهم، وحطَّمها واحداً بعد آخر، ولم يُبْقِ إلاّ على كبيرها، في محاولةٍ ذكيّة منه للاحتجاج عليهم: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * … * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء: 58 ـ 67). وأخذتهم العزّة بالإثم، وأرادوا أن يجعلوا منه عِبْرةً لمَنْ يقف في وجه أباطيلهم وأضاليلهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء: 68 ـ 70).

مهاجِراً إلى الله

وهكذا قرَّر خليل الله(ع) الهِجْرَةَ إلى ربِّه، ومفارقةَ قومه، واعتزالهم وما يعبدون من دون الله، ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الصافّات: 99). ولهذه المواقف ـ أيُّها الأحبَّة ـ الأثر الكبير في الحياة المعنويّة للأفراد والجماعات، وحاشا لله سبحانه وتعالى أن يخذل أو يتخلّى عمَّنْ هَجَر الخَلْق والأقارب والأحبّة لأجله، وابتغاء مرضاته.

وانطلق إبراهيم(ع)، بنفسٍ مطمئنّة، وقلبٍ خالصٍ من كلِّ شركٍ ورياء ومحاباة وتقصير، ولسانُ حاله: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 79)، ﴿إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162 ـ 163).

في طلب الولد الصالح

ويعود إبراهيم الخليل(ع) إلى نفسه، ووضعه الاجتماعيّ، فهو حتّى الآن لم يُرزَق بوَلَدٍ يخلفه، وتقرّ به عينُه، في الدنيا والآخرة([3])، كما يحصل لأغلب الناس، فرفع يدَيْه بالدعاء والابتهال إلى قاضي الحاجات، ومجيب الدَّعَوات، وهو أرحم الراحمين، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ (الصافّات: 100).

ويأتيه الجواب سريعاً ـ بالوَحْي أو عبر الإلهام، والله العالِم بحقيقة الحال ـ: إنّ عليك أن تتزوَّج من (هاجر)، وهي جاريةٌ قبطيّة كانت لزوجته (سارة) تخدمها، فأتى زوجته سارة، وقال لها: «لو شئتِ لبِعْتِني هاجر؛ لعلّ الله أن يرزقنا منها ولداً، فيكون لنا خَلَفاً، فابتاع إبراهيم(ع) هاجر من سارة، فوقع عليها، فولدَتْ إسماعيل(ع)»([4])، وهو تأويل قوله تبارك وتعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافّات: 101).

الامتحان الإلهيّ الأوّل

ويشاء الله تبارك وتعالى أن يمتحن إبراهيم في وَلَده وأمِّ وَلَده، فما أن «وُلد له من هاجر إسماعيل [حتّى] اغتمَّتْ سارة من ذلك غمّاً شديداً؛ لأنه لم يكن له منها ولدٌ، [و]كانت تؤذي إبراهيم في هاجر وتغمّه، فشكى إبراهيم ذلك إلى الله عزَّ وجلَّ…، فأمره أن يخرج إسماعيل وأمَّه، فقال: يا ربِّ، إلى أيِّ مكانٍ؟ قال: إلى حَرَمي وأمني، وأوّل بقعةٍ خلقْتُها من الأرض، وهي مكّة»([5]).

واستجاب إبراهيم(ع) لأمر ربِّه، طائعاً مخلِصاً، غير شاكٍّ في المصلحة الكامنة خلف هذا الأمر الإلهيّ. وهكذا كانت (هاجر) تلك المرأة الصالحة، التي وإنْ كانت من المستَضْعَفات، وهي الأَمَة (الجارية) القبطيّة، إلاّ أنّها كانت تمتلك من الإيمان والتَّقْوى ما لم تمتلكه كثيراتٌ غيرُها من الحرائر، وعلى رأسهنّ (سارة)، زوجة إبراهيم(ع).

غير أنّ إبراهيم(ع) ودَّعهم كأفضل ما يكون وداعٌ، حيث أوكلهم إلى الله، وهو القادر القاهر، وأودعهم عنده، راجياً ربَّه أن يمنّ عليهم بالخَيْرات، ويرزقهم من أصناف الثَّمَرات، ما ينفعهم، ويصلح بالهم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 35 ـ 37).

ويكبر إسماعيل سريعاً، برعاية الله وحفظه، وفضله ونِعَمه، التي لم يكن آخرها أن فجَّر له ولأمِّه التقيّة النقيّة الصابرة من الأرض القاحلة والرمال الحارقة ينبوعاً من الماء العَذْب اللذيذ الصافي، فشرب وارتوى، وكبر ونما. ثمّ جاءتهم قبيلة (جُرْهُم) العربيّة، وأرادت أن تنزل بفنائهم وجوارهم، حيث الماء والكلأ، فأذنوا لهم، وهكذا آنس الله وحدة تلك المرأةِ وابنِها؛ جزاءً لصبرهما، وعاقبةً لاتّكالهما عليه وحده لا شريك له([6]).

في خضمّ البلاء المبين

حتّى إذا بلغ إسماعيل(ع) مبلغ الرجال، وأطاق أن يسعى مع أبيه إبراهيم(ع)، ويعينه على أموره([7])، وبعد أن رفع وأباه(عما) القواعد من البيت([8])، وأذَّن إبراهيم(ع) في الناس بالحجّ؛ امتثالاً لأمر الله، وتنفيذاً لإرادته، حيث يقول: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ…﴾ (الحجّ: 26 ـ 28)، بعد ذلك كلِّه كان الامتحان الإلهيّ الكبير حيث رأى إبراهيم(ع) في عالم الرؤيا ـ والرؤيا في الأنبياء والمعصومين(عم) وحيٌ وحقٌّ وعِلْمٌ، وفي غيرهم غالباً ما تكون أضغاثَ أحلامٍ، ومَحْضَ ظنونٍ، وأوهاماً وأباطيل ـ أنّه يذبح وَلَده العزيز إسماعيل(ع). وجاء الأبُ الرؤوف إلى ولده يخبره بما رأى، ويتعرَّف رأيه في هذا الأمر، ليكون على بيِّنةٍ من أمره، وليكون بذلُه وعطاؤه وتضحيتُه عن عِلْمٍ ومعرفة ووَعْي، وعَزْمٍ صادق، ونيّةٍ خالصة لله، بعيداً عن أيِّ خديعةٍ أو حيلة أو اغتيال. وهذه هي أخلاق الأنبياء(عم)، وهذه هي تعاليم وأحكام السماء: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافّات: 102). إنّه التسليم لأمر الله، إنّه الفهم الصحيح والواعي لمعنى أن يكون الإنسان مسلماً، فلا يكفي أن ينطق بالشهادتين، بل لا بُدَّ من العَمَل بمضمونهما، أن يقرَّ ويعترف بألوهيّة الخالق وعبوديّة نفسه أمام سيِّده الكبير المتعال، وذي الجلال والإكرام، قَوْلاً وعَمَلاً، فلا يقصِّر ولا يتردَّد في طاعة الله، وعبادته، والاستجابة لأمره ونَهْيه، لأنّ ذلك هو قوام أن يكون عَبْداً لذاك السيِّد الجليل، إله الخلائق أجمعين.

وانطلقا بعيداً عن مضارب القوم، ومحضر النساء؛ كي لا تراه أمَّه فتُفْجَع به([9])، أو يحول بينهما وبين الاستجابة لأمر ربِّهما حائلٌ، أو يمنعهما عنه مانعٌ، وأسلما أمرهما لله، وتوكَّلا عليه، ورضيا لأنفسهما ما رضيه لهما. وأضجع إبراهيم(ع) ابنَه ووحيده إسماعيل(ع) على وجهه يريد ذبحه، قربةً إلى ربِّه، وإذا بالنداء الواضح الصريح: لقد تمّ الاختبار، وتحقَّق الاعتبار، فلا داعي للذَّبْح بالفعل، ولقد صدَّقْتَ الرؤيا؛ فأنْتَ لم تَرَ أنّك قد ذبَحْتَه فعلاً، وإنَّما رأيتَ أنّك تذبحه، وقد تحقَّق ذلك بتحقيق مقدِّمات الذَّبْح، مع نيّةٍ صادقة للبَذْل في طاعة الله ورضاه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ﴾ (الصافّات: 103 ـ 106).

وهكذا فداه الله تبارك وتعالى بكَبْشٍ سمين، سليمٍ من كلّ عَيْبٍ، وجعلها سُنَّةً باقية إلى يوم القيامة، فَرْضاً على حجّاج بيته الحرام في كلّ عامٍ، ونَدْباً للمُوسِر يضحّي ببهيمةٍ أو أكثر من الأنعام، ليأكلوا منها، ويطعموا القانع والمعترّ، والبائس الفقير: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصافات: 107 ـ 111).

دروسٌ وعِبَر

أيُّها الأحبّة، هذه هي شعائر الله الحقّة: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الحجّ: 36)، التي يجب أن نعظِّمها في نفوس العالَمين، ونصونها من خرافات الجاهلين، ونشجِّع عليها في كلّ مكانٍ وحين، أن يكون جزءاً مهمّاً من عباداتنا لمواساة الفقراء والمحتاجين، من خلال سدّ حاجاتهم الغذائيّة والتعليميّة والسكنيّة والاستشفائيّة و…، وتقديم يد العَوْن لهم في ذلك كلِّه، من خلال العمل الفرديّ والمؤسَّساتيّ، فإنّ ذلك هو روحُ الحجّ وفلسفتُه، بعيداً عن المظاهر الزائفة والمتطلَّبات العُرْفيّة التافهة. تلك هي شعائر الله، وتلك هي سبيلُنا إلى التَّقْوى والوَرَع وسَكينة القلب والنَّفْس والرُّوح: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحجّ: 32).

أيُّها الأحبَّة، إنّه درسٌ عظيمٌ في التضحية في سبيل الله، والتسليم لأمره، والرضا بقضائه، درسٌ نتعلَّمه من خليل الرحمن وأبي الأنبياء إبراهيم(ع)، وولده نبيّ الله، الصابر على بلائه، وصادق الوعد([10])، إسماعيل ابن هاجر(عما)([11]).

وهذا هو درسُ عيد الأضحى، عيد التضحية بهوى أنفسنا الأمّارة بالسوء على مذبح القربان الإلهيّ، استجابةً لنداء الإيمان الكامن في أعماق الفطرة والعقول، وعيد الرضا بقضاء ربّ العالمين، جلَّ ثناؤه، وتقدَّسَتْ آلاؤه، الذي لم يرتضِ لعباده كُفْراً([12]) أو ظُلْماً([13]) أو رضاً ببَغْيٍ([14]) أو ظُلْمٍ([15]) أو فسادٍ([16]).

ضدّ كلِّ ظالمٍ وفاسد: (لبَّيك يا حسين)

وهذا ما تجلَّى واضحاً في ثورة سيِّدنا ومولانا أبي عبد الله الحسين(ع) عند مسيره إلى الكوفة، تاركاً مكّة والحجيج، ميمِّماً وجهه تلقاء فَرْضِ عَيْنٍ لا يتخلَّف عنه إلاّ خاسرٌ في الدنيا والآخرة([17])، وقام خطيباً فقال: «الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوّة إلاّ بالله. خُط الموت على وُلْد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أَوْلَهنَي إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخِيرَ لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي وأوصالي يتقطَّعها عُسْلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جُوَفاً، وأجربة سُغُباً. لا محيص عن يومٍ خُطَّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفِّينا أجور الصابرين، لن تشذّ على رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القُدُس، تقرّ بهم عينُه، وينجز بهم وعدُه. مَنْ كان باذلاً فينا مهجته، وموطِّناً على لقاء الله نفسه، فلْيَرْحَلْ فإنّي راحلٌ مُصْبِحاً إنْ شاء الله»([18]).

فمع الحسين(ع) ـ لا مع غيره ـ نكون؛ للإصلاح في أمّة جدِّه رسول الله(ص)، ضدَّ كلِّ ظالمٍ، وكلِّ فاسدٍ، وكلِّ مستكبرٍ، وكلِّ طاغوتٍ مُفْسِد وعالٍ في الأرض، من زمرة عدوِّ الله فرعون، الذي ﴿اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54)، ونلبّي ـ ولو بعد مئات السنين، بملء حناجرنا، وببَذْل الأنفس والأولاد والأموال ـ نداءَ الحسين(ع): «ألا هل من ناصرٍ ينصرني»: (لبَّيك يا حسين)، و(هيهات منّا الذِّلَّة). وآخرُ دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالَمين.

**********

الهوامش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) حيث ورد عن أمير المؤمنين(ع) في وصيّةٍ له إلى ولده الحسن المجتبى(ع): «[و]وجدتك بعضي، بل وجدتك كلّي، حتّى كأنّ شيئاً [لو] أصابك أصابني، وكأنّ الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، فكتبت إليك كتابي هذا…».

([2]) راجِعْ: الكليني، الكافي 8: 370 ـ 373.

([3]) فقد روى الكليني في الكافي 7: 56، عن عدّةٍ من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن عيسى، عن منصور [ابن حازم]، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(ع) قال: «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلاّ ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته؛ وسنّة هدى سنَّها فهي يعمل بها بعد موته؛ أو ولد صالح يدعو له». وهذا الإسناد صحيحٌ.

([4]) رواه الكليني في الكافي 8: 370 ـ 373، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه؛ وعدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعاً، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي، عن أبي عبد الله(ع)….

([5]) رواه عليّ بن إبراهيم القمّي في التفسير 1: 60، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام، عن أبي عبد الله(ع)….

([6]) راجع: ما رواه عليّ بن إبراهيم القمّي في التفسير 1: 60 ـ 61، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام، عن أبي عبد الله(ع)…. وقد اختصرناه، وأضَفْنا إليه، لكنّ المعنى محفوظٌ.

([7]) راجع: الطوسي، التبيان في تفسير القرآن 8: 516، في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ (الصافّات: 102)، نقلاً عن مجاهد.

([8]) وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127).

([9]) فقد قال الزمخشري في الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل 3: 349 ـ 350: «وحُكي في قصة الذبيح أنّه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ، خُذْ الحَبْل والمُدْية وانطلق بنا إلى الشِّعْب نحتطب، فلمّا توسّطا شِعْب ثَبير أخبره بما أمر، فقال له: اشدد رباطي لا أضطرب، واكفُفْ عنّي ثيابك لا ينتضح عليها شيءٌ من دمي، فينقص أجري وتراه أمّي فتحزن، واشحذ شفرتك، وأسرع إمرارها على حلقي، حتّى تجهز عليّ؛ ليكون أهون؛ فإنّ الموت شديد، واقرأ على أمّي سلامي، وإنْ رأيت أن تردّ قميصي على أمّي فافْعَلْ فإنّه عسى أن يكون أسهل لها، فقال إبراهيم(ع): نِعْمَ العَوْنُ أنْتَ يا بنيّ على أمر الله…».

وذكر الطبرسي في مجمع البيان في تفسير القرآن 8: 326 نحوه، مع بعض الحذف والنَّقْص.

([10]) يقول تبارك وتعالى في كتابه المجيد: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ (مريم: 54).

([11]) خلافاً لما قد يُقال، وقد قيل فِعَلاً، من أنّ الذبيح المفتدى هو إسحاق بن إبراهيم، من زوجته (سارة)؛ فقد روى الصدوق في معاني الاخبار: 391، عن محمد بن موسى بن المتوكِّل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن داوود بن كثير الرقّي قال: قلتُ لأبي عبد الله(ع): أيُّهما كان أكبر، إسماعيل أو إسحاق؟ وأيُّهما كان الذَّبيح؟ فقال: «كان إسماعيل أكبر من إسحاق بخمس سنين. وكان الذبيح إسماعيل. وكانت مكّة منزل إسماعيل. وإنّما أراد إبراهيم أن يذبح إسماعيل أيّام الموسم بمِنى…. فمَنْ زعم أن إسحاق أكبر من إسماعيل، وأن الذبيح إسحاق، فقد كذَّب بما أنزل الله عزَّ وجلَّ في القرآن من نبأهما».

([12]) يقول عزَّ من قائلٍ في كتابه المجيد: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر: 7).

([13]) يقول جلّ وعلا في محكم كتابه: ﴿فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (التوبة: 36).

([14]) يقول عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (الشورى: 39).

([15]) يقول تبارك وتعالى في بليغ خطابه: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ﴾ (هود: 113).

([16]) يقول جلَّ ثناؤه في كتابه المبين: ﴿وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء: 151 ـ 152)؛ ويقول أيضاً: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: 33 ـ 34).

([17]) فقد روى محمد بن الحسن الصفّار في بصائر الدرجات: 501 ـ 502، عن أيّوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن مروان بن إسماعيل، عن حمزة بن حمران، عن أبي عبد الله(ع)، قال: ذكرنا خروج الحسين وتخلُّف ابن الحنفية عنه، قال: قال أبو عبد الله: «يا حمزة، إنّي سأحدِّثك في هذا الحديث، ولا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا. إن الحسين لمّا فصل متوجِّهاً [إلى العراق] دعا بقرطاسٍ، وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليٍّ إلى بني هاشم. أمّا بعد، فإنّه مَنْ لحق بي منكم استشهد معي، ومَنْ تخلَّف لم يبلغ الفتح. والسلام».

([18]) رواه ابن نما الحلّي في مثير الأحزان: 29، معلَّقاً عن الشعبي، عن عبد الله بن عمر، عن الحسين بن عليّ(عما)….



أكتب تعليقك