30 ديسمبر 2016
التصنيف : منبر الجمعة
التعليقات : 1
3٬840 مشاهدة

أذى الجِنّ، نحوسة الأيّام، الغُلُوّ المذهبيّ: سلسلةٌ لا تنتهي من الخرافات

 (الجمعة 30 / 12 / 2016م)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّدٍ، وعلى آله الطيِّبين الطاهرين، وأصحابه المنتَجَبين.

تمهيد

ويبقى للمجتمعات البشريّة والشعوب الإنسانيّة ألف خرافةٍ وخرافةٍ، كلّما أفنَوْا واحدة مَطُّوها بأخرى، في سلسلةٍ لا متناهيةٍ من بنات الوَهْم والخيال، والحُبّ والبُغْض، والعصبيّة الدينيّة، والمذهبيّة، والقوميّة، والعِرْقيّة، والمناطقيّة (البَلَديّة).

ونعني بالخرافة كلَّ قولٍ أو فعلٍ مخالِفٍ للعقل أو العلم أو الطبيعة أو العُرْف (المشهور والمعروف بين الناس)، ولم يقُمْ عليه دليلٌ قطعيٌّ من الشرع الحنيف أو الواقع.

إنّها الاعتقادات النابعة من الجهل المطبِق بالأمور، والخوف والوَجَل من المجهول، والفهم الخاطئ لنظام العلّة والمعلول، تسيطر على ذوي الإرادات الضعيفة والنفوس المستكينة، وقد غاب عنها الفكر والعقل والرشد.

فمن تلك الخرافات:

أذيّةُ الجِنّ للإنسان

1ـ ما يُدّعى من ظهور بعض الجانّ في صورة نساءٍ أو رجالٍ لبعض الآدميّين من النساء والرجال على حدٍّ سواء، وملازمتهم لهم في كلّ حركاتهم، وصولاً إلى سرير النوم، والتعرُّض لهم بالضرب واللطم وشدّ الشعر وما إلى ذلك، وهو المعروف بين الناس باسم (القَرِينَة). وهذا ما يوجب أذيّتهم وبقاءَهم في حالةٍ من القلق والخوف والهَلَع، ويحوِّل حياتهم إلى جحيم لا يُطاق. كلّ ذلك دون أن يكون لهذا المخلوق الضعيف، وهو الإنسان، أيّ قدرة على دفع الأذى عن نفسه، وإبعاد هؤلاء المزعجين والعابثين، فمتى شاؤوا حضروا، ومتى شاؤوا غابوا، ويعيثون في حياة هذا المسكين فساداً؛ عُتُوّاً وطغياناً واستكباراً.

إنّ تصوُّر حضور هؤلاء المستمرّ وتصرُّفاتهم المؤذية ما هو إلاّ نتاجٌ للإرادة الضعيفة والنفس المستكينة، مصحوبةً بخيالٍ واسعٍ ووَهْمٍ شديدٍ، وإلاّ فإنّ تسليط هؤلاء الفَسَقة من الجنّ على الإنس، دون أن يكون لهم سبيلٌ إلى الدفاع عن أنفسهم، ولو باستعمال القوّة؛ للخلاص من ذلك، ظلمٌ لهؤلاء البشر، ويتنافى مع العدل الإلهيّ، وتعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

نعم، الجانّ حقيقةٌ لا يسع أحداً إنكارُها، وقد نبّأنا القرآن الكريم ببعض أخبارهم في سورة سُمِّيَت باسمهم (سورة الجنّ). وممّا أخبرنا به أنّ من البشر مَنْ كان يتواصل معهم، ويعوذ بهم، فازدادوا رَهَقاً، وعرَّضوا أنفسهم للتَّعَب والنَّصَب والشقاء، وأنّ منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، ومنهم المؤمنون ومنهم القاسطون الفاسقون. ولكنْ ما هي حدود سلطتهم على البشر اليوم؟ وما هو مدى قدرتهم على التواصل مع الإنس في هذا الزمان؟ الظاهر من الآيات الكريمة أنّ هذا التواصل كان قبل نزول القرآن، وأمّا بعده فقد انتفى هذا التواصل. يقول تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً (الجنّ: 6 ـ 9)، فإذا لاحظنا سياق الآيات وقارنّا بين قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا، وكلاهما بصيغة الماضي (كان) (كنّا)، وعلمنا ـ كما أخبرتنا الآية الكريمة نفسها ـ أنّ استماعهم إلى أخبار السماء قد أصبح اليوم ممنوعاً ومحظوراً؛ لأنّها مُلئت حرساً شديداً وشهباً، أمكننا أن نقول: وإنّ استعاذة رجالٍ من الإنس برجالٍ من الجنّ أصبح محظوراً اليوم أيضاً، وعلى أقلّ تقدير نقول: إنّ ما أخبرت عنه الآيات من وقوع الاتّصال بين الجنّ والإنس إنّما كان في الماضي، وأمّا اليوم فلا دليل على وقوع مثل هذا الاتّصال.

وعلى أيّ حالٍ يمكننا القول: لو دلّت الآية على إمكانيّة الاتّصال بين الإنس والجنّ فإنّها تدلّ على أنّ مَنْ عاذ بهم تواصلوا معه، وهو سيشقى بهم، ويزداد تَعَباً ونَصَباً ورَهَقاً، ويكون مستحقّاً لذلك. أمّا مَنْ لا يقربهم من أيِّ وجهٍ كان فأنَّى يكون لهم السبيل عليه والطريق إليه، فيؤذونه، ويُرهبونه، ويخرِّبون حياته، وهو لا يطيق دفعهم عن نفسه؟! إنْ هذا إلاّ افتراءٌ على الله.

نحوسةُ الأيّام وشؤمُها

2ـ ما يعتقده البعض من العوامّ بأنّ الشروع في عملٍ ما في اليوم الكذائيّ موجِبٌ للنَّحْس والشُّؤْم وعدم تماميّة العمل على أتمّ الوجوه وأكملها، ومن هنا لا يشرعون في أيِّ عملٍ في تلك الأيّام.

ولو اقتصر الأمر في مثل هذا الاعتقاد الباطل على بعض العوامّ لكان الأمر سهلاً، ولكان الاعتماد على العلماء الواعين في تخليصهم ممّا هم فيه من الجهل والباطل، غير أنّ المؤسِف جدّاً أن هذه الأفكار والأوهام قد سَرَتْ من العوامّ إلى مجتمع المؤمنين، بل إلى العلماء أنفسهم، حتّى أنّ بعض (العلماء) في الحوزة العلميّة الدينيّة لا يشرع بالدرس يوم السبت أو الاثنين، وإنَّما ينتظر يوم الأحد أو الثلاثاء أو الأربعاء كي يشرع بدرسه، فإذا كانت حال الحوزة العلميّة الدينيّة بهذا الشكل المُزْري فكيف هي حال بقيّة الناس يا تُرى؟!

الغُلُوّ الدينيّ والمذهبيّ

3ـ مظاهر الغُلُوّ الدينيّ والمذهبيّ، وهي تدبّ في حياة المؤمنين كدبيب النمل، وسرعان ما تنتشر وتعمّ، حتّى يخالها البعض من ضروريّات الدين أو المذهب، في حين أنّها دخيلةٌ عليهما، وهما منها بَراءٌ، حيث لم يقُلْ بها، ولم يمارسها، أيٌّ من أئمّة الدين والمذهب.

ونعني بالغُلُوّ الاعتقاد بثبوت صفات وقدرات للأنبياء والأولياء(عم)، رغم أنّه لم يقُمْ دليلٌ شرعيٌّ على ثبوتها لهم(عم)، ولو لم يصِلْ ذلك إلى حدِّ التأليه والعبادة. وكذلك يشمل الغُلُوّ ممارسةَ بعض الأعمال طَلَباً لرضاهم وشفاعتهم(عم)، باعتقاد أنّه ما دامت تلك الأعمال لأجلهم(عم) فإنّ تأثيرها حتميٌّ، وهو كذا وكذا، في حين لم يرِدْ دليلٌ قطعيٌّ على وجود أيّ أثرٍ لتلك الأعمال، بل ربما كان المستفاد من الروايات كراهتها أو حرمتها. وهذا هو معنى الارتفاع المرادف للغُلُوّ، كما في بعض الروايات، وهو مراتبُ عديدةٌ، أقصاها القول بألوهيّتهم. إذن الغُلُوّ هو الارتفاع بالأنبياء والأولياء(عم) عن طبيعتهم البشريّة، وتركيبتهم المادّيّة، التي شاء الله أن تكون لهم؛ ليكونوا الحجّة التامّة له على الخلق، ولو شاء الله لبعث مَلَكاً رسولاً، ولكنّه أراده بشراً مثل الناس ليكون كمالُه حجّةً لله على خلقه، أنْ لو تحلَّيتُم بالإرادة القويّة والعزم الراسخ ـ وهو مقدورٌ لكم ـ لوصلتم إلى كمالكم، ولكنّكم لم تفعلوا، وإنّما فعل ذلك الأنبياء والأولياء(عم).

الزهراء البتول(عا)، بين الواقعيّة والغُلُوّ

أـ ومن مظاهر الغلوّ الاعتقاد بأنّ للزهراء(عا) صفاتٍ خَلْقِيّة تختلف عمّا لغيرها من النِّساء، فهي ـ بنظرهم ـ امرأةٌ لا تشبه بناتَ جِنْسها، وقد وَلَدَتْ أولادَها من فخذها([1])، ولا ترى دماً كبقيَّة النِّساء([2])، مع مخالفة ذلك لطبيعتها البشريّة، وهي على أيّ حالٍ ليست أفضل من أبيها رسول الله(ص)، الذي كان يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويبول، ويغوط، ويُمْني ـ في غير احتلامٍ ـ، فيتولَّد له ذكورٌ وإناثٌ، فأيُّ غضاضةٍ في ذلك؟!

سوى أنّ العصبيّات المذهبيّة تأبى ذلك، وتوسِّع الدائرة لتشمل أمَّهات الأئمّة(عم) جميعاً([3]).

وهذا أمرٌ عَرَفَتْه المذاهب كافّةً، فها هو أحد علماء أهل السُّنّة يرى أنّ زوجات النبيّ(ص) ـ أمّهات المؤمنين ـ منزَّهاتٌ عن الاحتلام وخروج المنيّ في غير جماعٍ، عِلْماً أنّ منهُنَّ مَنْ كانت متزوِّجةً لسنواتٍ طوال قبل زواجها من رسول الله(ص)([4]).

إنّنا نرى أنّ هذه الإشاعات تمثِّل في حقيقتها إساءةً وإهانةً لشخص الزهراء(عا)، حيث تُرْمى بما هو نَقْصٌ وعَيْبٌ في الفتاة([5])، وهو أمرٌ معروفٌ ولا ينبغي النقاش فيه.

وهي حُجَّةُ الله، و﴿للهِ الحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (الأنعام: 149)، وحُجَّتُه على النساء في ما أمرهُنَّ به من أحكامٍ خاصّة بهنَّ هي الزهراء(عا)، وزينب(عا)، ومريم البتول(عا)، وخديجة(عا)، وكلُّ تلك النسوة الطاهرات المؤمنات، فأيُّ حُجَّةٍ ستبقى مع التمايُز في الخَلْق؟!

دمُ المعصوم وفضلاتُه طاهرةٌ أو نجسة؟

ب ـ ومن مظاهر الغلوّ أيضاً القول والاعتقاد بطهارة دم المعصوم(ع) أو بوله أو غائطه.

وها هو أحد الأعلام(حفظه الله) يُسأل: هل أنّ بول وغائط الأئمّة الأطهار(عم) طاهرٌ؟

فيجيب: اعتبرت الشريعة الإسلاميّة أنّ البول والغائط من النجاسات، ولم يرِدْ تخصيصٌ يخرجه عن هذا الحكم. وبالتالي فيكون الحكم شاملاً([6]).

تناقضٌ واضطراب

ولكنّه ما يلبث أن يقع في تناقضٍ واضحٍ حيث سُئل: هل دم المعصوم أو النبيّ يعتبر طاهر أو لا؟

فيجيب: ليس الاعتقاد بأحد الطرفين لازماً، وبعقيدتي شخصيّاً أنّ دم الإمام(ع) أو النبيّ(ص) طاهرٌ، ولكنْ كان اللازم عليه معاملته كالنجس لمصالح الأمّة.

ولم تتَّضح لنا تلك المصالح في أن يكون دمه طاهراً ولكنّه مكلَّف بمعاملته معاملة النجس. ولماذا لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى بوله وغائطه؟!

إننا نعتقد أنّ القولَ بطهارة دم المعصوم ناشئٌ عن شبهةٍ عقائديّة وعصبيّة مذهبيّة، بعيداً عن الحقّ والحقيقة والواقع.

ويشهد لذلك أنّه(حفظه الله) يبرِّر جوابه ذلك بما هو أغرب من القول بالطهارة، حيث سُئل: هناك علماء أجلاّء مجتهدون يقولون بأنّ دماءهم وفضلاتهم التي تخرج من أهل البيت(عم) بأنّهم طاهرون مطهَّرون من كلِّ شيءٍ وبعضهم يقول بأنّ دماءهم نجسةٌ حالهم مثل حال البشر؟

فأجاب: عنوان هذه المسألة مع عدم ترتُّب أثر عمليّ عليه لا تترتّب عليه سوى الإهانة. مثلاً: قد وصلني استفتاءٌ من أحد بلاد إيران أنّ أحد المنحرفين يوم عاشوراء وقبل الشروع في الوعظ قال: إنّ من النجاسات دم الحسين(عليه الصلاة والسلام) فكتبتُ في الجواب: إنّ الدم الذي بإراقته بقي الإسلام حتّى قالوا: إنّ الإسلام حسينيّ البقاء لا يتفوّه أحدٌ ليقول بنجاسته إلاّ إذا كان معانداً. حفظ الله تعالى المسلمين من الأشرار والمُعاندين([7]).

ومن الواضح أنّ هذا خَلْطٌ بين القيمة المعنويّة للدم الزاكي والمقدَّس الذي بذله سيّد الشهداء أبو عبد الله الحسين(ع) في أرض كربلاء يوم العاشر من المحرّم سنة 61هـ؛ دفاعاً عن الإسلام وتعاليمه، بعد أن كادت تندرس وإلى الأبد؛ بفعل سياسة خلفاء الجَوْر والفساد والطغيان، وبين كونه مادّةً نجسةً، كما هو مبيَّنٌ في الدِّين الحنيف.

التمسُّح بأضرحة المعصومين(عم) وتقبيلُها

ج ـ ومن مظاهر الغلوّ أيضاً التمسُّح بالأضرحة المذهَّبة والمفضَّضة للأئمّة(عم) وتقبيلها، والاعتقاد بأنّ ذلك موجبٌ لمحبّة صاحب القبر لفاعل ذلك ورضاه عنه؛ إذ لم يرِدْ ذلك في آيةٍ أو رواية، وإنّما الوارد في الروايات ـ بغضّ النظر عن صحّتها وضعفها ـ الزيارة والسلام، والصلاة، والدعاء، والوقوف عند الرأس، والانكباب على القبر، ووضع الخدَّيْن عليه([8])، وليس هو إلاّ الانكباب على تراب القبر الشريف، ووضع الخدَّيْن على ذلك التراب المقدَّس لا غير، فإذا ما وُضع صندوقٌ معدنيٌّ حول القبر انتفى موضوع الاستحباب، وسقط الحكم، فمن أين جاء التمسُّح بالأضرحة المذهَّبة والمفضَّضة للأئمّة(عم) وتقبيلها ولم يرِدْ عن معصومٍ أنّه فعله، بل لم تكن أضرحةٌ مذهَّبةٌ ومفضَّضةٌ في عهد المعصوم(ع) حتّى يتمسَّح بها أو يقبِّلها.

تساؤلاتٌ مشروعة

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا حُوِّلت هذه القبور عمّا كانت عليه إلى أضرحةٍ فضِّيةٍ وذهبيّةٍ عاليةٍ وغاليةٍ بلا أمرٍ ولا إذْنٍ من المعصوم(ع)؟! بل نحن نقطع بأنّ الإمام(ع) لا يرضى بما يحصل من الإسراف والتبذير في عمارة المراقد الشريفة لهم(عم)، حيث القباب من الذهب الخالص، والأضرحة من الفضّة الخالصة، والأرض والجدران مغطّاةٌ بالرخام والمَرْمَر وقطع المرايا الصغيرة ذات الأشكال البديعة، فكأنَّك تدخل إلى قصر كِسْرى أو قَيْصَر، فأين ذلك من تواضع النبيّ الأكرم محمد(ص) وأمير المؤمنين عليٍّ(ع) والصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء(عا) وباقي أئمّة أهل البيت(عم)، والقصص المعبِّرة عن تواضعهم وزهدهم وبعدهم عن زخارف الدنيا وزينتها كثيرةٌ جدّاً؟! وهل تتصوَّر أيّها المؤمن أنّ نبيَّك أو إمامَك يرضى بأن يسكن في مثل هذه القصور وفي المجتمع محتاجون إلى مأكلٍ ومشربٍ وملبَسٍ ومأوى فلا يجدون من ذلك كلِّه شيئاً؟! وها نحن باسم الإسلام والإيمان وحبِّ النبيّ وأهل بيته(صلوات الله وسلامه عليهم) نسكنهم في هذه القصور قَسْراً وقَهْراً، فهم لا يرضون بسكناها أحياءً فكيف نسكنهم فيها أمواتاً ـ وهم الأحياء دَوْماً، ولكنْ لا تشعرون ـ؟

عاداتٌ عَجَميّة لا مستند لها

ونتساءل أيضاً: كيف راجَتْ ثقافة تقبيل هذه الأضرحة الفضِّية والذهبيّة من دون مسوِّغٍ شرعيٍّ واضحٍ، علماً أنّه ورد في بعض الروايات ـ وهي ضعيفة السند، غير أنّ مضمونها متوافقٌ مع روح السيرة النبويّة والولويّة الشريفة، ودواعي جعلها أو وضعها منتفيةٌ، ومن هنا فنحن نثِقُ بصدورها منه(ص) ـ أنّ النبيّ(ص) استنكر محاولة أحد المسلمين تقبيل يده الشريفة قائلاً: «ما هذا؟! إنّما تفعل هذا الأعاجم بملوكها، ولستُ بمَلِكٍ، إنّما أنا رجلٌ منكم»([9]). وكذلك زجر(ص) سلمان الفارسيّ عن تقبيل قدمه قائلاً: «يا سلمان، لا تصنع بي ما تصنع الأعاجم بملوكها، أنا عبدٌ من عبيد الله، آكل ممّا يأكل العبد، وأقعد كما يقعد العبد»([10]). وكذلك قال أمير المؤمنين(ع)، وقد لَقِيَه عند مسيره إلى الشام دَهاقين الأنبار، فترجَّلوا له، واشتدُّوا بين يدَيْه: «ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خلق منّا نعظِّم به أمراءنا، فقال: والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنكم لتشقّون به على أنفسكم في دنياكم، وتشقَوْن به في آخرتكم، وما أخسر المشقّة وراءها العقاب، وأربح الدعة معها الأمان من النار»([11]).

تعليق الأقفال والخِرَق والألبسة فوق أضرحة المعصومين(عم)

د ـ ومن مظاهر الغلوّ أيضاً تعليق الأقفال بالأضرحة، ورمي الخِرَق والألبسة فوقها، حتَّى تمتلئ سطوح تلك الأضرحة بقطع القماش والألبسة الملوَّنة، ويتحوّل المكان ـ ولا سيَّما إذا كانت الثياب الملقاة مستعمَلةً ليبقى فيها أثرٌ من الشخص المريض ـ إلى ما يشبه (القمامة) ـ والعياذ بالله ـ، والاعتقاد بأنّ ذلك يؤثِّر في قضاء الحوائج أو شفاء المريض ممّا هو فيه. فهل بلغ بنا الاستهتار والتطاول هذا الحدَّ، حتّى حوَّلنا قبور أئمّتنا وأوليائنا وأحبّائنا وقادتنا إلى مكان للفوضى والقاذورات؟!! إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليِّ العظيم.

مراسلة صاحب العصر والزمان(عج)

هـ ـ ويشبه ذلك أيضاً ما اعتاده الناس في مسجد جمكران ـ الذي تُروى لأصل بنائه قصّة عجيبة، نتعرَّض لها في حديثٍ مفصَّل إنْ شاء الله تعالى ـ، من رمي الرسائل التي يرغبون في توجيهها إلى الإمام صاحب العصر والزمان(عج) في بئرٍ هناك، معتقدين أنّ حاجاتهم المكتوبة في تلك الرسائل مقضيّةٌ لا محالة، بخلاف ما لا يرسلونه إلى هناك. وتمتلئ البئر بالرسائل، فيأتي عمّال التنظيف، ويستخرجونها، ويلقون بها في مكانٍ بعيدٍ، ويحسب ذلك المؤمن المسكين أنّها وصلت إلى الإمام الحجّة المهديّ(عج).

أيُّها المؤمن، مَهْلاً مَهْلاً، فإمامُكَ معكَ حيث تكون، في أيّ بلدٍ، وفي أيّ زمانٍ، وفي أيّ حالٍ. ادعُ الله بما تحبّ وترغب، وإمامُك يسمع دعاءك بإذن الله، ويشفع لك فيه: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ (التوبة: 105). لا حاجةَ لك في رسالةٍ تبعث بها إلى جمكران، لتُرْمى بعد فترةٍ وجيزةٍ في مستوعبات القمامة؛ إذ لن يقرأ الحُجَّة المهديّ(عج) رسالتَك التي ترمي بها هناك، لأنّه قد أحاط بها عِلْماً منذ كتَبْتَها، فلماذا ترسلُها إلى هناك؟!

أيُّها المؤمن، ما أقرب إمامَكَ منكَ، وما أبعدَكَ في فكركَ عنه. هوِّنْ عليكَ، وادْعُ الله، وتوسَّلْ إليه بأحبِّ الخلق إليه، رسول الرحمة والإنسانيّة محمدٍ(ص) وأهل بيته الطيّبين الطاهرين المعصومين(عم)، الذين أوَّلهم أمير المؤمنين عليٌّ(ع) وآخرُهم المهديُّ(عج)، اثنا عشر إماماً هادياً مَهْديّاً، هكذا تعمُّك الرَّحْمة، وتشملك المغفرة، ويكون الله لدعائك مستجيباً، ولحاجتك قاضياً، ولسُؤْلك مُعْطياً، وهو القائل في كتابه المجيد: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186).

**********

الهوامش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) قال الحسين بن حمدان الخصيبي في الهداية الكبرى: 180: والذي ولدت فاطمة(عا) من أمير المؤمنين(ع): الحسن، والحسين، ومحسناً سقطاً، وزينب، وأمّ كلثوم، وكان اسمُها آمنة. وولدت الحسن والحسين من فخذها الأيمن، وأمّ كلثوم وزينب من فخذها الأيسر.

وقال حسين بن عبد الوهّاب في عيون المعجزات: 51: ورُوي أن فاطمة(عا) ولدت الحسن والحسين من فخذها الأيسر، ورُوي أن مريم(عا) ولدت المسيح(ع) من فخذها الأيمن.

([2]) وقد سُئل بعضُ الأعلام: ما هو حكم من أنكر ضرورةً من ضرورات المذهب، كإنكار عصمة الأئمّة أو جواز السهو عنهم في غير التبليغ، وكإنكار عصمة الزهراء(عليها أفضل الصلاة والسلام)، أو كإنكاره صفة البتول؟

فأجاب: إنْ كان منكر العصمة وصفة البتول من العلماء المطّلعين على المدارك الشرعيّة، حيث لا يُحتَمَل في حقِّه الشُّبْهة؛ لأنّهما بعد الرجوع إلى المدارك من الواضحات، فلا أحكم بكونه مسلماً. (راجع: التقليد والعقائد، ألف فتوى وسؤال: 261، للسيد محمد صادق الروحاني، شرح وإعداد: الشيخ مصطفى محمد مصري العامليّ، دار بلال، بيروت، الطبعة الأولى).

وسُئل أيضاً: هل كانت السيدة فاطمة الزهراء(سلام الله عليها) ترى كما ترى بقيّة النساء (الدم وغيره) برأي سماحتكم؟

فأجاب: طفحت النصوص بأنّها لم ترَ دم الحيض والنفاس، ولم أرَ مَنْ شكّ في ذلك. (راجع: التقليد والعقائد، ألف فتوى وسؤال: 334 ـ 335).

وفي جواب على استفتاءٍ له حول رأيه في ما صدر من فتاوى تضليل المرجع الدينيّ السيد محمد حسين فضل الله يقول: لا إشكال في أن السيد المشار إليه، في جملةٍ من كتبه التي رأيتُها، ينكر جملةً من فضائل الصديقة الكبرى سلام الله عليها، والثابتة بضرورة المذهب والنصوص المتواترة، ومنها: …9ـ عدم العادة الشهريّة للزهراء عليها السلام ليس فضيلةً ولا كرامة.

وبعد رجوعنا إلى كامل النصوص الواردة في المسألة مورد السؤال تبيَّن لنا أن لا شيء منها يصمد أمام النقاش العلميّ الموضوعيّ الرصين، فلا هي متواترةٌ ، ولا هي تامّةٌ سَنَداً ودلالةً. ولو صحَّ منها شيءٌ فإنّه معارَضٌ بالصحيح الدالّ على أنّها(عا) كانت ترى الدم، وتدَعُ الصلاة والصيام، ويأمرها النبيّ(ص)، بقضاء الصوم، دون الصلاة، وكانت تأمر المؤمنات بذلك.

([3]) قال الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة: 433: حدَّثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني(رض) قال: حدَّثنا الحسن بن عليّ بن زكريا قال: حدَّثنا أبو عبد الله محمد بن خليلان قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن غياث بن أسيد، عن محمد بن عثمان العَمْري أنّه قال : وُلد السيد(ع) [أي المهديّ] مختوناً، وسمعتُ حكيمة تقول: لم يُرَ بأمِّه دمٌ في نفاسها. وهكذا سبيل أمّهات الأئمّة(عم).

وقال الطبرسي في تاج المواليد في مواليد الأئمّة ووفياتهم: 20 – 21: وقد دعاها أيضاً بتولاً، فسُئل صلوات الله عليه عن معناه؟ فقال: هي المرأة التي لم تحِضْ ولم تَرَ حُمْرَةً قطّ، وإنّ الحيض مكروهٌ في بنات الأنبياء(عم). وقد رُوي عنهم(عم) أن سبيل أمّهات الأئمّة(عم) سبيل فاطمة(عا) في ارتفاع الحَيْض عنهُنَّ. وهذا ممّا تميَّزَتْ به أمّهات أئمّتنا(عم) من سائر النساء؛ لأنّه لم يصحّ في واحدةٍ من جميع النساء حصول الولادة مع ارتفاع الحَيْض عنها سواهُنَّ؛ تخصيصاً لهُنَّ؛ لمكان أولادهنَّ المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.

([4]) قال السيوطي في تنوير الحوالك: 71: «وأيُّ مانعٍ من أن يكون ذلك خصيصةً لأزواج النبيّ(ص)، أنّهُنَّ لا يحتلمْنَ، كما أنّ من خصائص الأنبياء(عم) أنّهم لا يحتلمون؛ لأنّ الاحتلام من الشيطان، فلم يُسَلَّط عليهم، وكذلك لم يُسَلَّط على أزواجه؛ تكريماً له».

([5]) فقد روى الكليني في الكافي 3: 108، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن داوود بن فرقد قال: سألتُ أبا عبد الله(ع) عن رجلٍ اشترى جاريةً مدركة ولم تحِضْ عنده حتّى مضى لذلك ستّة أشهر، وليس بها حَبَلٌ؟ قال: إنْ كان مثلُها تحيض ولم يكُنْ ذلك من كِبَرٍ، فهذا عيبٌ تُرَدُّ منه. وهذا الإسناد صحيحٌ.

ورواه أيضاً في الكافي 5: 213، عن عدّةٍ من أصحابنا، عن سهل بن زياد وأحمد بن محمّد جميعاً، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن داوود بن فرقد، عن أبي عبد الله(ع)…. وهذا الإسناد صحيحٌ أيضاً.

([6]) راجع: التقليد والعقائد، ألف فتوى وسؤال: 191 ـ 192.

([7]) راجع: التقليد والعقائد، ألف فتوى وسؤال: 215 ـ 216.

([8]) راجع: الكافي 4: 561؛ كامل الزيارات: 62، 69، 362، 379، 412؛ عيون أخبار الرضا(ع) 1: 20؛ المقنعة: 463، 466، 470؛ مصباح المتهجِّد: 723، 728، 744؛ تهذيب الأحكام 6: 66.

([9]) راجع: مسند أبي يعلى الموصلي 11: 22 ـ 25؛ والمعجم الأوسط للطبراني 6: 349 ـ 350، وفيهما: «…عن أبي هريرة قال: دخلت السوق يوماً مع رسول الله(ص)، فجلس إلى البزّار، فاشترى منه سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزّان يزن، فقال له رسول الله(ص): أَتَزِنُ راجحاً، فقال الوزّان: إنّ هذه كلمةٌ ما سمعتها من أحد، قال أبو هريرة: فقلت له: كفى بك من الجفاء في دينك أن لا تعرف نبيّك، فطرح الميزان، ووثب إلى يد رسول الله (ص) يريد أن يقبِّلها، فجذب يده رسول الله (ص) وقال له: يا هذا، إنّما تفعل هذا الأعاجم بملوكها، ولست بملِكٍ، إنّما أنا رجلٌ منكم…».

([10]) راجع: تأويل الآيات 2: 483 ـ 485، وفيه: «…عن أبي ذرّ(رحمة الله عليه) قال: رأيت سلمان وبلال يقبلان إلى النبيّ(ص)، إذ انكبّ سلمان على قدم رسول الله(ص) يقبِّلها، فزجره النبيّ(ص) عن ذلك، ثم قال له: يا سلمان، لا تصنع بي ما تصنع الأعاجم بملوكها، أنا عبدٌ من عبيد الله، آكل ممّا يأكل العبيد، وأقعد كما يقعد العبيد…».

([11]) نهج البلاغة 4: 10 ـ 11.


عدد التعليقات : 1 | أكتب تعليقك

  • الجمعة 13 يناير 2017 | الساعة 14:04
    1

    بارك الله بكم ونفع بعلمكم… لي لفتة على قضية الختان فليس هو مستغربا لا كعنوان تميز اذ حدثني ابن اختي ان احد معارفه ولد مختونا ولا يبدو انها ظاهرة خاصة بالائمة فهي تقع خارج هذه الدائرة لا ككرامة بل لعله طفرة او شيء


أكتب تعليقك