23 ديسمبر 2016
التصنيف : منبر الجمعة
لا تعليقات
2٬549 مشاهدة

هويّة المسيح(ع) في القرآن الكريم

 (الجمعة 23 / 12 / 2016م)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّدٍ، وعلى آله الطيِّبين الطاهرين، وأصحابه المنتَجَبين.

في البداية نُبارك لجميعِ المؤمنين والمؤمنات، وأتباعِ عبدِ الله ورسولِه السيِّد المسيحِ عيسى ابنِ مريم، ولادةَ هذا النبيِّ العظيم. ونسأل الله العليَّ القدير أن يُعيدَ علينا جميعاً هذه الذِّكْرى العَطِرة بالخَيْر والعافِية، والنَّصْر المؤزَّر على كلِّ غاصِبٍ وظالِم وفاسِد ولصوصِ الهياكل أجمعين.

تمهيد

هو الميلادُ المجيد لشخصيَّةٍ عظيمة، ومقدَّسةٍ عند أغلب أهلِ الأرض. إنَّه مولِدُ السيِّد المسيحِ، عيسى ابنِ مريم(عما).

وللتأكيد على أهمّيّة وعَظَمة هذا النبيّ الكريم اتُّخذَتْ ذكرى ميلاده بدايةً لتأريخٍ خاصّ، وهو ما يُعرَف بالتقويم الميلاديّ.

ويهمُّنا في هذا السياق أن نشير إلى أنّه لا مشكلة على الإطلاق في الاحتفال بذكرى الولادة (أعياد الميلاد) لأيِّ شخصٍ كان، وإنَّما يجب فقط أن تكون تلك الاحتفالات وِفْقَ ما يُرضي الله عزَّ وجلَّ، وخاليةً من كلِّ أشكال المعاصي والخطايا، كشرب الخمر؛ والغناء؛ والرقص؛ والاختلاط المحرَّم؛ والزنا؛ والفواحش ما ظهر منها وما بطن.

وأمّا الاحتفالات بذكرى ميلاد الأنبياء والأولياء المقدَّسين، والعُظَماء الصالحين، فإنَّما يكون لاستلهام الدروس والعِبَر من سيرتهم العَطِرة في العلاقة مع الله والنَّفْس والناس من حولهم، كما من مواقفهم الخالدة في مواجهة الطُّغاة والظالمين والمفسدين، سواءٌ كانوا لصوصاً أو قَتَلة أو…

كيف وُلد المسيح؟

ونذرَتْ أمُّ مريم (زوجة عمران) ما في بطنها راهِباً خادِماً في بيت المَقْدِس، فلمَّا وضعته ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 36 ـ 37).

وهكذا كانت مريم ابنة عمران المرأةَ المباركة، التي عبدَتْ الله، وتفرَّغت لعبادته، فأحبَّها وقرَّبها، واصطفاها، وطهَّرها: ﴿وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمران: 42 ـ 43).

وهكذا كبرَتْ مريمُ البتول(عا) في كفالة نبيِّ الله زكريّا(ع)، منقطعةً إلى الله، بعيدةً عن ملذّات الدنيا وبهارجها، ومنها: النِّكاح، فلم تتزوَّج، ولكنَّها فُوجِئَتْ ذات يومٍ ـ وهي في عُزْلتها ـ بشخصٍ غريب يقتحم عليها خلوتها: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ (مريم: 16 ـ 21).

وهكذا تمَّتْ إرادةُ الله، وحمَلَتْ مريم، وبان حملُها، وخافَتْ افتضاحَ أمرها وكلامَ الناس وتهمَتَهُم، فابتعدَتْ عنهم، وحيدةً فريدةً: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ (مريم: 22).

فلمّا شارفت على الوَضْع، لجأَتْ إلى جِذْع نَخْلةٍ، لا أرزةٍ ولا سَرْوة ولا أيِّ شجرةٍ أخرى، وتوجَّهَتْ إلى الله عزَّ وجلَّ، خيرِ ناصرٍ ومعين، مُتمَنِّيةً لو أنَّها ماتَتْ ولم تشهَدْ هذه اللحظات الفظيعة، الحُبْلى بالألم والخوف والقَلَق والرَّهْبة: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ (مريم: 23).

وإذا بالنداء الإلهيّ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ (مريم: 24 ـ 26).

وعادَتْ لها طمأنينتُها، وثقتُها بنفسها، وانقلبَتْ إلى أهلها مستبشرةً، تحمل طفلها المبارك بين يدَيْها، فلَقِيَها القومُ غِضاباً، كما هي عادةُ الجَهَلة المشاغبين والمتسرِّعين، واتَّهموها بالفاحشة، وحاشاها أن تفعلَ ما يُسْخط الله عليها: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ (مريم: 27 ـ 29).

وإذا بذاك الوليد الميمون ينطق بإرادةِ الله ومشيئته؛ لتبرئة ساحة أمِّه العذراء البتول، الطاهرة النقيّة: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ (مريم: 30 ـ 33).

فها هو(ع) يُقِرُّ بالعبوديّة لله، ويُبشِّر الناسَ بأنّه نبيُّ تلك الأمّة، رجلاً مباركاً كما بقيّةُ الأنبياء، محافظاً على الصلاة والزكاة، بما تمثِّلانه من عبوديّةٍ خالصة لله، وتكافلٍ اجتماعيّ بين الناس قاطبةً.

عقيدتُنا في المسيح

هو عبدُ الله؛ فإنَّه مخلوقٌ بإرادته، ومنقادٌ لمشيئته، ولا يملك شيئاً إلاّ من بعد إذنه.

وقد كانت ولادته وابتداء خلقه على خلاف الطبيعة والمُعتاد، تماماً كما حصل مع أبي البشر آدم(ع)، حيث خَلَقَه اللهُ من ترابٍ، ثمّ أراد له أن يكون فكان. وهكذا أراد الله أن يكون عيسى(ع) من دون أبٍ، فكان كما أراد اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ﴾ (آل عمران: 59 ـ 60).

هو نبيٌّ من الأنبياء المعصومين من كلِّ رِجْسٍ، الطاهرين من كلِّ دَنَسٍ، الداعين إلى توحيد الله في العقيدة والطاعة والعبوديّة.

ونحن المسلمون نؤمن به، كما نؤمن بكلِّ الأنبياء من قبله: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 84)، وإنْ كُنّا لا نلتزم بتشريعاتهم؛ لأنّها نُسِخَتْ بما نزل على رسولِنا الأكرم محمدٍ(ص) من شريعةٍ جديدة، مهيمنةٍ على ما سبقها من الشرائع: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ (المائدة: 48).

ليس إلهاً، ولا ربّاً

لقد كان القرآنُ الكريم ـ وهو كتابُ الله الخالد الصادق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يدَيْه ولا من خَلْفه ـ واضحاً وصريحاً في توصيف الذين أعطَوْا عبدَ الله ونبيَّه عيسى ابنَ مريم صفةَ الأُلوهيّة، ولَوْ بنحوٍ جُزْئيّ، كأنْ يعتبروه ثالثَ ثلاثةٍ، فقال عزَّ من قائلٍ:  ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة:72 ـ 75).

وفي آياتٍ أخرى يقول تقدَّسَتْ أسماؤه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: 116 ـ 117).

ومن هنا فإنّ عقيدتَنا في عيسى ابنِ مريم وأمِّه أنَّهما عاشا العبوديّة لله، ذاتاً وسُلوكاً وعَمَلاً، فاستحَقّا المقامَ الرفيع عنده، وجعلهما من المصطفَيْنَ الأخيار، وطهَّرهما من كلِّ رِجْسٍ ودَنَس.

وأمّا ما قام به المسيح(ع) من إحياءِ الموتى، وإبراءِ الأَكْمَه والأبرص، وإعلامِ قومِه بما يدَّخرون في بيوتهم (وهو علمٌ من الغيب)، فذاك بإرادة الله ومشيئته وإذنِه الخاصّ؛ لإقامةِ الدليل والبُرهان على صدقِ هذا  العَبْد الصالح في دعوى النبوّة، ولم يكُنْ ذلك عن قُدْرةٍ ذاتيّة في المسيح(ع)، تجعل منه رَبّاً أو إلهاً يُعبَد من دون الله، أو مع الله: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [فهي المعجزة الدالّة على صدقه في دعوى النبوّة] أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ﴾ (آل عمران: 49).

وما قتلوه يقيناً، بل رفعه الله إليه

وبعد موت السيِّدة الجليلة مريم ابنة عمران ازدادت المضايقات والأذى على عيسى(ع) من قِبَل أعداءِ الدِّين الإلهيّ الجديد، وتربَّصوا به شَرّاً، وطاردوه طويلاً، إلى أنْ حاصروه في مكانٍ مغلَق، وهجموا عليه يريدون قتله، فرفَعَه الله إليه، وأنجاه من الموتِ المحقَّق، وألقى شَبَهه على بعض أعدائه، فقتله أصحابُه بَدَلاً من المسيح(ع). وهذا ما أثبَتَه القرآنُ الكريم بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء: 157 ـ 158).

وهكذا توفَّاه الله حيّاً، ورفعه مكاناً عليّاً. وهو سيعود في آخر الزَّمان، مرافِقاً ومؤيِّداً للمخلِّص الموعود، مهديِّ آل محمّد(عج)، فيتشاركان في إقامةِ دَوْلة الحَقِّ والعَدْل([1]).

فالسلامُ على عبدِ الله ورسوله، المسيحِ عيسى ابنِ مريم، وعلى أمِّه الصدِّيقة الطاهرة، يومَ وُلدا، وحيثُ هُما.

والسلامُ على كلِّ مؤمنٍ ومؤمنة في مشارق الأرض ومغاربها، ورحمةُ الله وبركاته.

**********

الهوامش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) راجع: كتاب سُلَيْم بن قَيْس: 253.



أكتب تعليقك