الرجعة، للشخص أو للنهج؟
تُعَدّ الرجعةُ من المعتقدات العقائديّة المميَّزة في التراث الكلاميّ عند الشيعة الإماميّة، وهي ـ في بعض تفسيراتها ـ تمثِّل عَوْدةَ بعضِ المؤمنين الخُلَّص وبعضِ الكافرين الطُّغاة إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وتحديداً بعد ظهور الإمام المهديّ المنتظر(عج). ومن أهداف هذا المفهوم إظهارُ العَدْل الإلهيّ بصورةٍ مباشرةٍ في الدنيا، من خلال تمكين أهل الحقِّ من الانتصار على أهل الباطل.
ولهذا المفهوم جذورٌ قرآنيّةٌ وروائيّةٌ، وفَهْمٌ خاصٌّ لدى المسلمين الشيعة، يختلفون فيه عن بقيّة المدارس الإسلاميّة.
أولاً: معنى الرجعة في اللغة والاصطلاح
الرجعةُ لغةً من (رجع)، ومعناه العودة إلى الشيء بعد الانصراف عنه.
وأما في العقيدة الإسلاميّة لشيعة أهل البيت(عم) فالرجعةُ هي عَوْدةُ طائفةٍ مخصوصةٍ من الناس إلى الحياة الدنيا بقدرة الله تعالى، قبل يوم القيامة، وذلك بعد قيام القائم من آل محمّدٍ(عج).
وهذه العودةُ ليست عامّةً لكلّ البشر، وليست هي البَعْث النهائيّ، بل هي مرحلةٌ وسيطةٌ بين الظهور ويوم القيامة.
ثانياً: الرجعةُ في القرآن الكريم
لم يستعمل القرآنُ لفظَ (الرجعة) مباشرةً، إلاّ أنّ الشيعة يستدلّون عليها بآياتٍ متعدِّدة تثبت إمكانيّة عودة الموتى إلى الدنيا، وتقدِّم نماذجَ من هذا النَّوْع، ممّا يؤسِّس عقائديّاً لإمكان الرجعة، ثمّ ثبوتها ولو بأدلّةٍ أخرى. ومن هذه الآيات:
1ـ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 55 ـ 56)، وذلك في قصّة إحياء قومٍ من بني إسرائيل بعد أن أُصيبوا بالصاعقة عندما كانوا في ميقات موسى مع ربِّه، ثمّ أحياهم الله. وهذا نصٌّ واضح على عَوْدة أمواتٍ إلى الحياة الدنيا.
2ـ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 243)، وهذا نموذجٌ آخر لإحياءٍ جماعيّ بعد الموت في الدنيا.
3ـ قوله تعالى، في قصّة عُزَيْر: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 259). وهذا إثباتٌ صريحٌ لإماتةٍ طويلةٍ، ثمّ إحياءٌ في الدنيا.
4ـ قوله تعالى، مبيِّناً سؤال خليل الله إبراهيم(ع): ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 260)، وقد أحياها اللهُ بعد موتها بقدرته.
5ـ قوله تعالى، يروي لنا قصّةَ أهل الكهف: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً [ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً] * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ (الكهف: 11 ـ 12)، فصحيحٌ أنهم لم يموتوا، لكنّ هذا البعث بعد سنواتٍ طوال [ثلاثة قرون] نموذجٌ لقدرة الله على تعليق الحياة زمنًا طويلاً.
ومثلُ هذا كثيرٌ، كما في قصّة القتيل من بني إسرائيل الذي أحياه الله بعد أن ضربوه ببعض تلك البقرة الصفراء التي أمرهم بذبحها؛ وكما في الذين أحياهم نبيُّ الله عيسى(ع)؛ إعجازاً؛ وكما في سمكة موسى وفتاه التي عادَتْ إليها الحياة واتَّخذَتْ سبيلَها في البحر عَجَباً.
6ـ ومن الآيات التي يستدلّ بها المسلمون الشيعة على عقيدة (الرجعة) آياتُ الوَعْد الإلهيّ بتمكين المؤمنين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (سبأ: 51)، حيث توجد بعضُ الروايات التي تعتبرها إشارةً إلى رجعة بعض الكفّار قبل القيامة؛ ليُعاقَبوا في الدنيا؛ وكما في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ (النور: 55)، التي فهم منها الإماميّةُ أنّ الوَعْد بالاستخلاف التامّ لن يتحقَّق إلاّ في عصر الظهور والرجعة.
استدلالٌ خاطئ
ولقد حاول بعضُهم الاستدلالَ على وقوع الرجعة لبعض الكفّار بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا [فهذا هو جوابُهم يوم القيامة] رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (غافر: 10 ـ 11)، فما هما الموتتان والحياتان؟ قالوا: الحياةُ الأولى حياةُ الدنيا، وتليها الموتةُ الأولى عند فراق الدنيا، والحياةُ الثانية حياةُ الرجعة، وتليها الموتةُ الثانية عند مفارقة الدنيا للمرّة الثانية.
ولكنّ التفسير الصحيح لهذه الآية ما جاء في موضعٍ آخر ـ والقرآن يفسِّر بعضه بعضاً ويشهد بعضه لبعضٍ، ولا سيَّما مع الالتفات إلى تقديم الموت على الحياة: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ ـ، وهو قولُه تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28)، فالموتُ سابقٌ، والحياةُ لاحقةٌ، وعليه، الموتُ الأوّل هو العَدَم قبل الخَلْق والولادة، ويليه الحياةُ الدنيا، والموتُ الثاني عند مفارقة الدنيا، ويليه الحياةُ الأخرى في عالَم البَرْزَخ، ثمّ يكون الحَشْر والرجوعُ إلى الله يوم القيامة.
ثالثاً: مفهوم الرجعة في الروايات
إذن، أبرزُ ما يُستَدَلّ به لإمكان الرجعة هو القرآنُ الكريم، ويُستَدَلّ لوقوعها وضرورتها بالسنّة النبويّة وبروايات أئمّة أهل البيت(عم)، التي تتناول بعض التفاصيل، من قبيل: مَنْ هم الذين سيرجعون؟ ومتى سيرجعون؟ والهَدَف من رجعتهم؟ مضافاً إلى ذكر بعض الحوادث التي ستقع حينها.
ومن هذه الروايات ما رُوي عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «ليس منّا مَنْ لم يؤمن بكَرَّتِنا».
ورُوي عنه أيضاً أنه قال: «إنّ الرجعة ليست عامّةً، بل هي خاصّةٌ، لا يرجع إلاّ مَنْ مُحِضَ الإيمان مَحْضاً أو مُحِضَ الكفر مَحْضاً».
وخلاصةُ ما رُوي في هذا المجال أن الراجعين صنفان:
1ـ المؤمنون الخُلَّص: الذين بلغوا من الإيمان والطاعة حَدّاً عالياً، ويُرجَعون لعدّة أهدافٍ، منها: أن يشهدوا دولة العَدْل بقيادة الإمام المهديّ(عج)؛ وأن يشاركوا في أخذ حقِّهم ممَّنْ ظَلَمَهم؛ وأن يكونوا أنصاراً للإمام(ع).
2ـ أكابرُ الكفّار والمفسدين والطُّغاة: الذين بلغوا غاية الفِسْق والظلم والعناد والفساد، ويُرجَعون أيضاً لأهدافٍ، منها: أن ينالوا العقاب الدنيويّ قبل الأخرويّ؛ وأن يرى الناسُ مصيرَهم وفضيحتَهم؛ إذ هذا نوعٌ من إظهار العَدْل الإلهيّ أمام الخلق.
وبعبارةٍ مختصرة: يرجع الذين مُحِضوا الإيمان مَحْضاً والذين مُحِضوا الكفر مَحْضاً.
ولئن لم نعرف بدقّةٍ عددَ هؤلاء الذين سيرجعون، فإنّ بعض الأسماء ذُكِرَتْ في الروايات، من قبيل: نبيِّ الله عيسى(ع) [يعود (إمّا ينزل من السماء أو يُبْعَث ـ بناءً على وفاته ـ) لدعم ومؤازرة الإمام المهديّ(عج) في حكومته من خلال دعوة أتباع الدين المسيحيّ إلى رسالة الإسلام، فيؤمنون بلا حربٍ وقتالٍ]، أمير المؤمنين(ع) والإمام الحسين(ع) وبعض الذين يموتون قبل ظهور الإمام ولكنّهم من أنصاره وأصحابه؛ وكذلك الأعداءُ البارزون للأنبياء والأوصياء، كقَتَلة الإمام الحسين(ع)، وطُغاة الأُمَم الماضية الذين لم يُظهِر الله عقابَهم أمام الناس.
موقف بقية المدارس الإسلاميّة
هذا، في حين أن أغلب علماء السُّنّة لا يؤمنون بالرجعة كمفهومٍ عقائديٍّ شامل، لكنّهم يثبتون إمكانيّة إحياء الموتى، كما ورد في القرآن الكريم، وذكرناه قبل قليلٍ. غير أن بعضَ المتصوِّفة وبعضَ علماءِ الكلامِ السُّنّة قبلوا فكرة (عودة بعض الأفراد)، لكنْ دون المفهوم الإماميّ المنظَّم.
رابعاً: الحِكْمةُ من الرجعة
ويذكر العلماءُ جملةً من الحِكَم الكامنة في عقيدة (الرجعة)، وأهمُّها:
1ـ إظهارُ العَدْل الإلهيّ في الدنيا قبل الآخرة: بحيث يشاهد الناسُ انتصارَ المظلومين على الظالمين في دار الدنيا، فكم من مظلومٍ قُتِل! وكم من حَقٍّ سُلِب! وكم من طاغيةٍ مضى دون أن يرى الناسُ عقابَه! الرجعةُ هي اللحظةُ التي يُظهر اللهُ فيها عَدْلَه في الدنيا قبل القيامة.
٢ـ نصرةُ الحَقِّ وأوليائه، وخِزْيُ الطُّغاة الظالمين: حيث يعود المؤمنون ليشهدوا دولة الإمام المهديّ(عج)، وليُعينوه، وليُريهم اللهُ نَصْرَه المبين؛ في حين يُرجِع اللهُ أعداءَ الحَقِّ ليُعاقَبوا أمام الناس، فيتحقَّق القصاصُ العادلُ.
3ـ تحقيقُ الوعود الإلهيّة الكبرى: ولا سيَّما تلك المرتبطة بوراثة الأرض، وتمكين المؤمنين، وتحقُّق العَدْل الشامل، وهذه الوعودُ كلُّها تتحقَّق في مرحلة الظهور والرجعة معاً.
4ـ الاختبارُ الإضافيّ للبشر: لأن الرجعة حَدَثٌ استثنائيٌّ يمتحن الإيمانَ بالقدرة الإلهيّة.
ومن خلال هذه الحِكَم والغايات يمكننا أن نطرح معنىً آخر للرجعة، أشارَتْ إليه بعضُ الروايات، ألا وهو رجعةُ نهجِ الإسلام والتوحيد في مقابل الشرك والكفر الذي ساد، ورجعةُ النهجِ المحمّديّ الأصيل في مقابل خطِّ الانحراف الذي ظهر في الأمّة الإسلاميّة واستشرى طيلة قرونٍ متماديةٍ.
ولعلّ هذا المعنى هو الأرجح بعد أن لم نشهد من الآيات سوى ما يدلّ على الإمكان، وأما وقوعُ رجعةِ الأشخاص فهو مفادُ بعضِ الروايات، وتُعارِضُها رواياتٌ أخرى تشير إلى وقوع رجعة النهج والخطّ، وفي ذلك ما يكفي لتحقُّق الوَعْد الإلهيّ، ورضا المؤمنين الصالحين، بعيداً عن الانتقام الشخصيّ والثأر الفرديّ من ظالمٍ هنا أو طاغيةٍ هناك، وهو ما لا تهفو إليه نفوس هؤلاء المؤمنين الخُلَّص، ولا يعنيهم في شيءٍ، فالمهمُّ هو انتصارُ الدِّين وأهله، وهذا ما يتحقَّق بسيادة وحكومة النهج الإلهيّ.
خاتمةٌ
أيُّها الأحبّة، الرجعةُ من العقائد التي ترسِّخ مبدأ العَدْل الإلهيّ، وتنسجم مع المعجزات القرآنيّة التي تثبت إمكانية إحياء الموتى في الدنيا. وقد طوَّر الشيعةُ الإماميّةُ هذا المفهومَ ضمن رؤيتهم المهدويّة التي تستند إلى روايات أهل البيت(عم).
إنّ فَهْمَ الرجعةِ يقدِّم صورةً شاملةً عن دَوْر التاريخ وحضور العَدْل في مشروع الخلاص الإلهيّ للبشريّة.
إن الرجعةَ تذكيرٌ بأن التاريخ بِيَدِ الله، وأنّ الحقَّ مهما غُيِّبَ سيظهر، وأن الظلم مهما طال زمانُه فمصيرُه الزوال.
فلْنُجَدِّد إيمانَنا بقدرةِ الله، ولنستعدَّ بالعمل الصالح، ولنسأل الله أن يجعلنا من أنصار إمام الزمان، ومن الشاهدين لدولة الحقّ متى كانت. والحمد لله ربّ العالمين.



