6 نوفمبر 2026
التصنيف : مقالات فكرية
لا تعليقات
47 مشاهدة

الزواج آيةٌ واستقامة

الحمدُ للهِ ربّ العالمين، الحمدُ للهِ خالقِ الأزواج كلِّها، ما علمنا منها وما لم نعلم، وصلّى اللهُ وسلَّمْ على سيِّدنا ومولانا ومقتدانا أبي القاسم محمّد بن عبد الله، وعلى آله الأطهار الأخيار الأبرار.

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: وتباركَتْ آياتُ الله على كثرتها، المشهودةُ منها والغائبةُ، ولا يستجيبُ لآياته إلّا أهلُ العقل والفكر واليقين، ولا يتفاعل مع آياتِ الله إلّا أهل الإيمان والتقوى والصَّبْر والشُّكْر.

﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾: فهذا هو خلقُ الله، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. هو من الله، ولا بُدَّ أن يكون معه، وإليه.

﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: وأيُّ شيءٍ أعزُّ وأحبُّ وأغلى على الإنسان من نفسه؟! يحوطها ويصونها ويُضحّي بما سواها لأجلها.

﴿أَزْوَاجاً﴾: لا ينبغي، ولا يجوز، بل لا يمكن التفكيكُ بينهما، كفِلْقَتَيْ حبّةٍ واحدة، وهل يمكن التفكيكُ أو التبعيدُ أو التنفيرُ بين الواحدَيْن من العدد اثنين؟!

﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾: فهي، كما هو، السَّكَنُ والمسكِّنُ، ومنه السَّكينةُ، ومعه الراحةُ، وبه الطمأنينةُ والاستقرار.

﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾: سكينةٌ، مودّةٌ، رحمةٌ، يا الله، ما أجملها من كلماتٍ! تختصر كلَّ معاني الحبّ، ومِيزات الإخلاص، ونتائج التضحية والفداء، دِفْءٌ وغطاء، كما هو أَثَر اللباس: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾.

ما أعظم تلك العلاقة! التي بدأَتْ من الله، وفي ظلِّ رعايته، وبتَجَلٍّ كاملٍ لحكمته، فكانت ميثاقاً غليظاً: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾، نعم، عهداً طويلاً عريضاً وعميقاً، عهداً بينهما: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾، بين الرجل والمرأة، والشاهدُ فيه أعظمُ الشهود، في هذا الوجود، وهو اللهُ المَلِكُ المعبود.

مِنَ الله كان المنطلق، ولا بُدَّ أنّ معه المَحْيا والمَسِير: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾.

هَداهُما ليَسْلَما، وَعَظَهُما لينجحا، وذَكَّرهُما ليثبتا، فقال تبارك وتعالى:

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: وقوامُ المعروف العَدْلُ والإحسان (هذا هو القانونُ الأصل والركيزةُ الأساس لحياةٍ زوجيّةٍ سعيدةٍ وهانئةٍ).

فإنْ أزاغ الشيطانُ بينهما ـ أعاذَنا اللهُ وإيّاكم من الشيطان الرجيم (وهو الماكرُ الفاجرُ، الذي يُغيظه أن يرى متحابَّيْن متوافقَيْن، فيسعى جَهْده ليحرفهما عمّا هما عليه من الصواب، فليُغيظاه بالحبّ والتفاهم والوئام)، فإنْ أزاغ الشيطان بينهما فالحلُّ هو: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾.

وكي يَقْمَعا حركة الشيطان من أساسها، ويُسْقِطا ما في يده من أضاليلَ وأباطيلَ، كان لا بُدَّ من واقعيّةٍ وصراحةٍ ومكاشفةٍ، أظهرها الله بوضوحٍ، وبقي عليهما أن يلتزما بها، فقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.

ولا يعني ذلك تسلُّطاً وتحكُّماً واستعلاءً واستقواءً لأحدهما على الآخر، وإنما هي العدالةُ التي تقتضيها طبيعتُهما، فكلُّ هذه القوامة تحت سقف القاعدة الأسمى والأعلى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، درجةٌ لا بُدّ منها، ولا غنى عنها.

هكذا تكون البداية من الله، ويكون المسير معه؛ ليكون الزواج نصفَ الدِّين؛ و«مَنْ تزوَّج فقد أحرز نصفَ دينه، فلْيَتَّقِ اللهَ في النصف الباقي».

نعم، هي التقوى، التي بها وَحْدَها تتحوَّل الحياةُ الزوجيّة إلى جنّةِ نعيمٍ، ويكون معها العروسان دائماً وأبداً قريرَيْ عينٍ، ونَبْضُ قلبَيْهما ونُطْقُ لسانَيْهما: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾.



أكتب تعليقك