6 نوفمبر 2026
التصنيف : مقالات فكرية
لا تعليقات
57 مشاهدة

الزواج نعمةٌ ورضا

الحمد لله الذي حمد في الكتاب نفسه، وافتتح بالحمد كتابه، وجعله أوّل محلّ نعمته، وآخر جزاء أهل طاعته، وصلّى الله على محمدٍ خير بريَّته، وعلى آله، أئمّة الرحمة، ومعادن الحكمة.

سبحان الله الذي خلق الخَلْق وهو غنيٌّ عنهم، وكانوا ولا يزالون وسيبقَوْن الفقراءَ إليه.

خلق آدم من ترابٍ، ثمّ أنعم عليه بأن خلق له من نفسه وطبيعته وماهيّته زوجةً تُؤْنسه وتُسَلِّيه، وجعلها شريكتَه في المسؤوليّة، ومَهَمّة الخلافة الإلهيّة، وكان في ما قدَّر عزَّ وجلَّ أن يكون لهما نَسْلٌ وذرِّية، يعمرون الأرض، وبهم تستمرّ الحياة. وهكذا كان مقتضى حكمة الله سبحانه وتعالى أن يكون هناك علاقةٌ وارتباط دائم بين الرجل والمرأة.

خلقهما من نَفْسٍ واحدة؛ ليتعايشا ويتفاهما: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ (النساء: 1).

وهكذا نفهم السرَّ في أنّه جلَّ وعلا زَيَّنَ كلاًّ منهما للآخر: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: 14)، وجَعَلَ الأولادَ زينةَ الحياة الدنيا: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ (الكهف: 46).

فكُلُّ ذلك حلالٌ طيِّب، ومن زينة الله التي أخرج لعباده: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 32).

ولكنْ بشرط أن تكون من الوجه الحلال المباح، الذي يضمن للطرفَيْن، ومَنْ يتعلَّق بهما، وللمجتمع الذي يحتضنهما، أَمْنَه وسلامتَه، ونقاءَه وطهارتَه.

ولقد جعل الله تبارك وتعالى الزواجَ، وما يستتبعه من المصاهرة، سبباً لمرضاته، وطريقاً إلى نعمته، فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور: 32).

ولو لم يكن في الزواج والمصاهرة آيةٌ مُحْكَمَة مُنْزَلة، ولا سُنَّةٌ مُتَّبَعة، لكان في ما جعل الله فيها، من بِرِّ القريب، وتألُّف البعيد، ما رغب فيه العاقل اللبيب، وسارع إليه الموافق المصيب.

وقد نهى تقدَّستْ آلاؤه عن عرقلة هذه السُّنَّة الطيِّبة، فهاهو رسولُ الرحمة محمد(ص) يوصي أصحابَه وأتباعه، وإلى قيام الساعة، فيقول: «إذا جاءكم مَنْ ترضون خُلُقَه ودينه فزوِّجوه، إنْ لا تفعلوه تكُنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير».

ولقد جعل اللهُ جلَّ جلالُه لكُلٍّ من الزوج والزوجة حقوقاً وواجبات، لا نريد أن نطيل عليكم في بيانها، ولكنَّها تُختَصَر بقوله تبارك وتعالى، آمراً الأزواج: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 19).

وإنّ للمرأة على زوجها ـ كما في رسالة الحقوق لمولانا زين العابدين(ع) ـ حقَّ الرحمة والمؤانسة. واعلم ـ ولا يزال الكلامُ لإمامنا عليّ بن الحسين(ع) ـ أن الله جعلها سَكَناً ومُسْتَراحاً وأُنْساً وواقيةً، وقد قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21).

وأمّا حقّ الزوج على زوجته فعظيمٌ عَظَمة مسؤوليّته، وعَظَمة التكاليف الملقاة على عاتقه، في إدارة البيت، ونَظْم أمره، وقد قال تبارك وتعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: 34)، ولكنّ هذه القوامة لا تعني بأيِّ حالٍ من الأحوال صيرورةَ الرجل مَلِكاً متعالياً مضطَهِداً، له كاملُ الأمر والنهي، وإنَّما تحدِّدُها آيةٌ أخرى، حيث يقول جلَّ وعلا: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 228). فالقوامةُ فرقُ درجةٍ لا أكثر، بهَدَف حفظ البيت الزوجيّ، والسَّكَنَ العائليّ، وحياة هذه الخَلِيّة الأولى والأساس للمجتمعات البشريّة كافّةً.



أكتب تعليقك