(بتاريخ: الأربعاء 19 ـ 6 ـ 2013م)
تمهيد
إنّه شهر رمضان المبارك، أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة جمعاء باليُمْن والخير والبركة والسلام والأمن ورَغَد العيش.
أعاده الله على المسلمين وقد كُشِف كربُهم، وصلُحَتْ حالُهم، وعادوا إخوةً متحابِّين في الله، يداً واحدةً على مَنْ عاداهم.
إنّه شهر الله الأكبر، وعيد أوليائه، يفرحون فيه بطاعته، ويتسابقون فيه إلى مرضاته، فهنيئاً للفائزين.
عيدٌ بأيّة حالٍ عُدْتَ يا عيدُ
ويعود هذا الشهر كما في كلّ سنةٍ والمسلمون مشغولون بخلافاتهم الضيّقة.
وتعود الإفطاراتٍ الدَسِمة، وحالُ غالبيّتها كتلك المائدة التي وصفها أمير المؤمنين عليّ(ع) في كتابٍ له إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري، وقد بلغه أنه دُعي إلى وليمة قوم من أهلها، فمضى إليها: أما بعد يا ابنَ حنيف، فقد بلغني أنّ رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبةٍ، فأسرعتَ إليها، تُستطاب لك الألوان، وتُنقل إليك الجفان، وما ظننتُ أنّك تُجيب إلى طعامِ قومٍ عائلُهم مجفُوّ، وغنيُّهم مدعُوّ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم (نهج البلاغة 3: 70).
وأمّا المساجدُ، بيوتُ الله، فهي خاويةٌ على عروشها، خاليةٌ من أئمّتها وعُمّارها، فلا جماعة ولا خطبة ولا موعظة ولا دعاء إلاّ بمقدارِ العَهْد المعهود؛ لنيل «الراتب» الموعود.
أين دروس التفسير القرآنيّ تعمّ المساجد؛ لتكون منهلاً عَذْباً ورَوِيّاً لكُلِّ ظامِئ إلى الحقيقة والثقافة والعلم والوعي والبصيرة في الدين والدنيا، عِلْماً أنّ شهر رمضان هو شهر القرآن الكريم، والقرآنُ ربيع القلوب، فبه تربو وتزهر وتثمر محبّةً لله عزَّ وجلَّ، ولرسوله، ولأوليائه الصالحين، ولعباده المخلِصين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ما أحوجنا اليوم ـ في ذكرى رحيله الثالثة ـ إلى نشاط وهمَّة وعِلْم سيّدنا الأستاذ المرجع الديني اللبناني السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله، الذي نحمد الله أنّه لم يبالِ بما قيل له في ما كان يقوم به من خطب ومواعظ في المسجد، ولا سيّما في هذا الشهر الكريم، فكان المسجد معه مدرسةً دينية كاملة، في العقيدة والشريعة والأخلاق والسياسة، على ضوء ما جاء في القرآن الكريم.
هكذا فهم السيد فضل الله رحمه الله المسجد، كما أراده رسول الله(ص)، الذي سارع فور وصوله إلى «يثرب» إلى بناء المسجد؛ ليكون منطلقاً لحركة الدعوة إلى الله، بكلّ أبعادها ودوائرها، وهكذا أصبح المسجد مركزَ القرار في المدينة المنوَّرة.
لم يُبالِ بما قيل، وقد قيل له الكثير، كما قيل لمَنْ كانوا قبله. فهل يعرف المؤمنون الطيِّبون أنّ اللمرجع الديني السيد أبي القاسم الخوئي كتاباً في التفسير اسمه «البيان في تفسير القرآن»، وهو حصيلة دروس قرآنيّة ألقاها سماحته على جمعٍ من طلاّبه، ثمّ جمعها في هذا الكتاب، ولكنّه لم يُكمِلْ هذه الدروس بعد أن تطاولت عليه ألسنةٌ منحطّةٌ حاولت الحَطَّ من قَدْره، والتشنيع عليه بأنّه يدرِّس التفسير، ما يجعل مكانته كـ «مرجعٍ» في معرض التشكيك.
والسؤال الذي يطرح نفسه هاهنا: هل يعتقد هؤلاء حقّاً بالتنافي بين المرجع والمفسِّر؟!
وهل تليق المرجعيّة إلاّ لمَنْ أحاط بعلوم القرآن وتفسيره.
إنّه لمن المؤسِف أن تكون هذه الأفكار المنحرفة لا زالت موجودة في الحوزة العلميّة إلى يومنا هذا، وإنْ كانت مرحلةُ أفولها قد بدأَتْ منذ فترة ليست بالقصيرة، على يد ثلّة من العلماء المخلِصين، أمثال: السيد روح الله الخميني، والسيد محمد باقر الصدر، والسيد مرتضى العسكري، والسيد موسى الصدر، والسيد محمد حسين فضل الله، والسيد عليّ الخامنئي، والشيخ عبد الهادي الفضلي، وآخرون وآخرون، هم الوارثون إنْ شاء الله تعالى.
وتتابع مجلّة (نصوص معاصرة)، في عددها هذا (العدد التاسع والعشرون (29))، بعنوان: «الإمام الصدر ومشاريع النهضة في الفكر الإسلاميّ /4/»، عرض جملةٍ من الدراسات في سيرته وفكره (ثلاثة عشرة مقالةٍ علميّةٍ قيِّمةٍ). وتتلوها دراسةٌ تاريخيّة. بالإضافة إلى قراءةٌ في كتاب تفسير زيب النساء، للشيخ صفي بن ولي القزويني، للشيخ رسول جعفريان.