4 أبريل 2016
التصنيف : مقالات قرآنية
لا تعليقات
8٬691 مشاهدة

المنهج، الاتِّجاه، الطريقة، اللَّوْن، الصِّبْغة، في تفسير القرآن، المعنى والفرق بينها

2016-04-04-2005-02-22-المنهج، الاتِّجاه، الطريقة، اللَّوْن، الصِّبْغة، في تفسير القرآن

(بتاريخ: الثلاثاء 22 / 2 / 2005م)

تمهيد

القرآنُ الكريم كتاب الله عزَّ وجلَّ الذي أنزله إلى عباده، وجعله دستوراً لهم ومنظِّماً لحياتهم، فهو النور والهدى الذي لا ريب فيه، ومن هُنا كان حَرِيّاً بالإنسان، الذي يتوق للكمال ويسعى له، أن يعمل جاهِداً على سبر أغْوار هذا الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يدَيْه ولا من خلفه؛ لفهم المعاني المرادة من مفرداته وتركيباته.

ولا يكون ذلك إلاّ من خلال تفسير القرآن، وبيان المعاني المرادة من ألفاظه وتركيباته، من قِبَل المؤهَّلين لذلك، أو الاطّلاع على ذلك مِمَّنْ لم تكن له الأهلِيّة لتفسيره.

وقد بذل علماء المسلمون جهداً كبيراً في تفسير القرآن الكريم، فتعدَّدت التفاسير وتنوَّعَت، تَبَعاً لتنوُّع المناهج المتَّبَعة في التفسير، ومن أبرزها: منهج تفسير القرآن بالقرآن؛ ومنهج التفسير بالمأثور عن النبِيّ(ص) وأصحابه عند العامّة، وعن النبِيّ(ص) وأئمّة أهل البيت(عم) عند الشيعة؛ والمنهج اللغويّ؛ والمنهج العقلِيّ؛ ومنهج التفسير بالرأي؛ والمنهج العلمِيّ؛ والمنهج الصوفِيّ؛ والمنهج التاريخِيّ؛ والمنهج الاجتماعِيّ الإصلاحِيّ؛ والمنهج الموضوعِيّ؛ والمنهج الأدبِيّ؛ وغيرها من المناهج.

وقد تبيَّن ممّا تقدَّم أنّ من المناهج التفسيريّة تفسير القرآن بالروايات الواردة عن النبِيّ(ص) والصحابة، أو النبِيّ(ص) وأئمّة أهل البيت(عم)، وهذه الروايات منها ما هو في صدد شرح معاني الكلمات والجُمَل في الآية؛ ومنها ما هو في صدد بيان بعضِ المصاديقِ الخارجيّة التي تنطبق عليها مفردات الآية، أو البطونِ التي تنطوي عليها الآية.

وفي هذه الصفحات نعمد إلى بيان معنى المنهج، والاتِّجاه، والطريقة، واللَّوْن، والصِّبْغة، في تفسير القرآن الكريم، والفرق بينها، اعتماداً على ما جاء في بيان معانيها في الكتب العربيّة، المتخصِّصة في بيان المناهج والاتّجاهات والطُرُق التفسيريّة.

وقد كان من المناسب التعرُّض لمعنى التفسير، ولو بنحوٍ مختصرٍ، فنقول:

معنى التفسير

في اللغة: «التفسير» من «فَسَرَ»، والفَسْر هو البيان والإيضاح([1])، والتفسيرُ هو البيان([2])، وهو كشف المراد عن اللفظ المشكِل([3])، وتفسيرُ القرآن الكريم هو الكشف عن المعاني القرآنيّة، وبيانها، وإيضاحها([4]).

في الاصطلاح: تعدَّدَت كلمات العلماء في معنى التفسير([5])، وأدقُّها ما ذكره الزركشيّ، حيث قال: «التفسير علمٌ يُفهَم به كتاب الله المنزَّل على نبيِّه محمدٍ(ص) وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمِه، واستمداد ذلك من علم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ»([6]).

معنى المنهج، والاتِّجاه، والطريقة، واللَّوْن، والصِّبْغة

في اللغة

المنهج كالمنهاج: الطريق الواضح([7]).

الاتّجاه: من الوِجْهة، وهي الموضع الذي تقصده([8]).

الطريقة: السيرة، والمذهب، والحالة([9]).

اللون: لونُ كُلِّ شيءٍ ما فصل بينه وبين غيره([10]).

الصِّبْغة: ما يُصبَغ به وتُلوَّن به الثياب([11]).

في الاصطلاح

تعريف المنهج

تعدَّدت تعريفات «المنهج التفسيريّ» عند العلماء والكُتّاب، وممّا ذُكر في تعريفه:

1ـ المنهج التفسيرِيّ هو الوسيلةُ المحقَِّقة لغاية الاتّجاه التفسيرِيّ، والوعاءُ الذي يحتوي أفكار هذا الاتّجاه التفسيرِيّ أو ذاك([12]).

2ـ المنهج التفسيريّ هو السبيل التي تؤدّي إلى الهدف الذي يتّجه إليه المفسِّرون في تفاسيرهم([13]).

3ـ المنهج التفسيرِيّ هو المسلك الذي يتّبعه المفسِّر في بيان المعاني، واستنباطها من الألفاظ، وربط بعضها ببعض، وذكر ما ورد فيهما من آثار، وإبراز ما تحمله من دلالاتٍ، وأحكامٍ، ومعطَياتٍ، دينِيّةٍ وأدبِيّةٍ وغيرِها، تَبَعاً لاتّجاه المفسِّر الفكرِيّ والمنهجِيّ، ووِفْق ثقافته وشخصيّته([14]).

4ـ قد يُعبَّر عن المنهج التفسيرِيّ بالطريقة الموضوعِيّة التي عالج بها المفسِّر قضايا التفسير المختلِفة، مع إبراز رأيه، وتحديد موقفه، حيال هذه القضايا، بكلِّ ما يمكن من الوضوح([15]).

5ـ المنهج التفسيرِيّ هو الطريقة التي يسلكها مفسِّر كتاب الله تعالى، وِفْق خطواتٍ منظَّمةٍ، يسيرُ عليها لأجل الوصول إلى تفسير الكتاب العزيز، طِبْقاً لمجموعةٍ من الأفكار، يُعنى بتطبيقها، وإبرازها، من خلال تفسيره، وبعبارةٍ أخرى: هو عبارة عن خطواتٍ يتبعها المفسِّر للوصول إلى غاياته وأهدافه([16]).

6ـ مناهج المفسِّرين هي الأساليب التي يتّبعها المفسِّرون لبيان مراد الله تعالى من آيات القرآن الكريم حسب الطاقة البشرِيّة([17]).

7ـ المنهج التفسيرِيّ هو طريقة كُلِّ مفسِّرٍ في تفسير القرآن الكريم، والأداة والوسيلة التي يعتمد عليها لكشف الستر عن وجه الآيات، وبالجملة هو ما يتَّخذه مفتاحاً لرفع إبهام الآيات([18]).

تعريف الاتِّجاه

وأمّا الاتّجاه التفسيرِيّ فقد ذُكِر له جُملةٌ من التعريفات أيضاً، ومنها:

1ـ الاتّجاه التفسيرِيّ هو مجموعة الآراء، والأفكار، والنظرات، والمباحث، التي تشيع في التفسير بصورةٍ أوضح من غيرها، وتكون غالبةً على ما سواها، ويحكمها إطارٌ نظرِيٌّ، أو فكرةٌ كلّيّةٌ، تعكس بصدقٍ مصدر الثقافة التي تأثَّر بها صاحب التفسير، ولوّنَتْ تفسيره بلونها، وبعبارةٍ موجَزَة: هو مجموعةٌ من المبادئ والأفكار المحدَّدة التي يربطها إطارٌ نَظَرِيٌّ، وتهدف إلى غايةٍ بعينها([19]).

2ـ الاتّجاه التفسيرِيّ هو الهدف الذي يتّجه إليه المفسِّرون في تفاسيرهم، ويجعلونه نصب أعينهم وهم يكتبون ما يكتبون([20]).

3ـ الاتّجاه التفسيرِيّ هو فكر المفسِّر، ونظره، ومذهبه، ووجهته التي يوليها وجهه، عند تفسير كتاب الله تعالى؛ من تقليدٍ أو تجديدٍ؛ ومن اعتمادٍ على المنقول أو المعقول أو الجمع بينهما، في إطارٍ معيَّنٍ ينعكس فيه بصدقٍ مدى ورع المفسِّر، وتحرّيه للصواب، ودقّته في النقل والفهم، ويكشف عن مصادر ثقافته، وملامح شخصيّته([21]).

4ـ الاتّجاهات التفسيرِيّة هي المميِّزات والخصائص التي تميِّز تفاسير القرآن الكريم بعضها عن بعضٍ، تِبْعاً لما يحمله المفسِّر من نَزَعاتٍ وميولٍ مسبَقةٍ، تنطبع آثارها في تفسيره، وتوجِّهُه اتّجاهاً معيَّناً([22]).

5ـ الاتّجاهات والاهتمامات التفسيرِيّة هي المباحث التي يهتمّ بها المفسِّر في تفسيره، مهما كان منهجه وطريقته في تفسير الآيات([23]).

تعريف الطريقة

وكذلك تناول العلماء والكُتّاب بيان معنى الطريقة في التفسير، فذكروا لها تعريفاتٍ متعدِّدةً، ومنها:

1 ـ الطريقةُ التفسيرِيّة هي الشكلُ الفنّي لتفسير الآيات القرآنِيّة، وأحدُ أفرادها ـ وهو ما يُعرَف بالطريقة التقليدِيّة القديمة ـ تناوُلُ الآيات القرآنِيّة بشكلٍ متسلسلٍ، كما هي عليه في المصحف الشريف؛ ولها فردٌ آخر وهو ما يُعرَف باسم الطريقة الموضوعِيّة، أو المنهج الموضوعِيّ، كأن يلتزم المفسِّر لا بآياتٍ وسورٍ مرتَّبةٍ يفسِّرها، بل بموضوعٍ قرآنِيٍّ بعينه، يجمع الآيات الواردة فيه، مرتَّبَةً حسب نزولها، أو بترتيب توقيفها، ليخلص منها في النهاية، بعد تحليلها وتفسيرها، إلى الكلمة القرآنِيّة النهائِيّة في هذا الموضوع؛ ومن أفرادها أيضاً ما يجمع بين الطريقة الموضوعِيّة والطريقة التقليدِيّة القديمة في آنٍ معاً؛ ومنها ما يُسمّى بالمقالة التفسيرِيّة التي يُدار الحديث فيها حول فكرةٍ بعينها، أو رأيٍ محدَّدٍ، يعتضد له بما ورد من آياتٍ قرآنيّةٍ في موضوعه، وتشهد لفكرة المفسِّر، أو رأيه المحدَّد([24]).

وقد أطلق البعضُ على الطريقة بهذا المعنى اسم الخطّة، فقال: منذ عصرٍ مبكرٍ جعل القوم يتناولون تفسير القرآن على ترتيب سوره، يقفون منها عند بعض الآية، أو الآية، أو الجملة من الآي، فيبنون ما فيها على اللون الذي يؤثره المتناول وتضفيه شخصيّته على تفسيره، وما زالت تلك الخطّة هي السائدة في التفسير… وأقلُّ من ذلك أن يتبع المفسِّر موضوعاً خاصّاً في القرآن، يجمع متفرّقه…([25]).

2ـ الطريقة التفسيرِيّة هي الأسلوب الذي يطرقه المفسِّر عند سلوكه للمنهج المؤدّي إلى الهَدَف أو الاتّجاه.

وقد تختلف طُرُق أصحاب المنهج الواحد في التفسير، فيبدأ أحدُهم بالنصّ أوّلاً، ثمّ بيان المفردات، ثمّ المعنى الإجمالِيّ للآيات، ثمّ يستخرج أحكامها؛ ويختلف آخرُ فيذكر النصّ أوّلاً، ويمزج بين المفردات والمعنى الإجمالِيّ، ويتوسَّعُ في هذا المقام فيبسط الحديث عند كلِّ قضيّةٍ، ويردُّ على الشُّبَه أثناء ذلك؛ ويختلف ثالثٌ فيذكرُ بعد النصّ بيانَ المفردات، ويخلطها بشيءٍ من المعنى الإجمالِيّ، ثمّ يعقد الأبحاث المطوَّلة بعد ذلك للقضايا التي تناولتها الآيات([26]).

الأساليب التفسيريّة

وقد أطلق صاحبُ هذا التعريف على الطريقة اسم الأسلوب أيضاً، وذكر أنّ للمفسِّرين في التفسير أساليبَ أربعةً، وهي:

أـ التفسير التحليلِيّ؛ وهو الأسلوب الذي يتتبّع فيه المفسِّر الآيات، حسب ترتيب المصحف، سواءً تناول جملةً من الآيات متتابعةً، أو سورةً كاملةً، أو القرآن الكريم كلَّه، ويبيِّن ما يتعلَّق بكلِّ آيةٍ من معاني ألفاظها، ووجوه البلاغة فيها، وأسباب نزولها، وأحكامها، ومعناها إجمالاً، ونحو ذلك.

ب ـ التفسير الإجمالِيّ؛ وهو الأسلوب الذي يعمَد فيه المفسِّر إلى الآيات القرآنِيّة ـ كلُّ مجموعةٍ على حِدة ـ، حسب ترتيب المصحف، فيبيِّن معاني الجمل فيها، متتبِّعاً ما ترمي إليه الجمل من أهدافٍ، ويصوغ ذلك بعباراتٍ من ألفاظه؛ ليسهل فهمها، وتتّضح مقاصدها للقارئ والمستمع، غير أنّه يجعل بعض ألفاظ الآيات رابطاً بين النصّ وتفسيره؛ لإشعار القارئ أو السامِع أنّه لم يبعد في تفسيره عن النصّ القرآنِيّ.

ج ـ التفسير المقارَن؛ وهو الذي يعمد المفسِّر فيه إلى الآية، أو الآيات، فيجمع ما حول موضوعها من نصوص، سواءً كانت نصوصاً قرآنِيّةً أخرى، أو نصوصاً نبوِيّةً (أحاديث)، أو للصحابة، أو للتابعين، أو للمفسِّرين، أو الكتب السماوِيّة الأخرى، ثمّ يُقارن بين هذه النصوص، ويوازِن بين الآراء، ويستعرِض الأدِلّة، ويبيِّن الراجِح، وينقض المرجوح.

د ـ التفسير الموضوعِيّ؛ وهو أسلوبٌ لا يُفسِّر فيه صاحبه الآيات القرآنِيّة حسب ترتيب المصحف، بل يجمع الآيات القرآنِيّة التي تتحدَّث عن موضوعٍ واحِدٍ فيفسِّرها([27]).

3ـ الطريقةُ التفسيرِيّةُ هي المظهرُ الشكلِيُّ للطريقة التي سلكها المفسِّر في تفسيره لآيات القرآن الكريم، أو ما يمكن أن نعبِّر عنه بأنّه الناحية الشكلِيّة التي ترتسم في مخيّلة الباحث([28]).

تعريف اللَّوْن والصِّبْغة

وأمّا اللون والصبغة فقد استخدموهما في كلامهم دون تحديد معنىً دقيقٍ لهما، ولكنّ المُستفادَ من كلماتهم في تعريفهما أنّ اللون التفسيرِيّ هو الأثرُ الذي تتركه شخصيّة المفسِّر، وطاقتُه الفكرِيّة، واستطاعتُه العقلِيّة، والعلومُ والمعارِفُ المُلِمّ بها، في تفسير الآيات القرآنِيّة([29]).

وأمّا الصبغة التفسيرِيّة فقد ذُكِرَتْ بمعنى اللون، بلا أيِّ فرقٍ بينهما([30]).

الفروق بين هذه المصطلحات

بعد هذا العرض المفصَّل لما ذكروه في تعريف المنهج، والاتّجاه، والطريقة، واللون، والصبغة، في التفسير ـ ونعتقدُ أنّه يصحّ لنا وصفه بالتامّ؛ إذ راجعنا الكثير من الكتب في هذا الموضوع فلم نعثرْ إلاّ على ما ذكرناه ـ نتعرَّض لما قيل في الفرق بين هذه المصطلحات، فنقول:

أـ الفرق بين المنهج والاتِّجاه

1ـ الاتّجاهُ التفسيرِيُّ يدلّ أساساً على مجموعةٍ من المبادئ والأفكار المحدَّدة، التي يربطها إطارٌ نَظَرِيٌّ، وتهدف إلى غايةٍ بعينها؛ والمنهجُ التفسيرِيُّ يدلّ أساساً على الوسيلة المحقَِّقة لغاية الاتّجاه التفسيرِيّ، والوعاءِ الذي يحتوي أفكار هذا الاتّجاه التفسيرِيّ أو ذاك([31]).

2ـ الاتّجاهُ هو مجموعة الأفكار التي يحملها المفسِّر لكتاب الله تعالى، والتي غالباً ما تكون ذات طابعٍ مذهبِيٍّ خاصٍّ، بمعنى أنّه يخوض لُجَجَ التفسير وهو مسلَّحٌ بتلك الأفكار المسبَقة.

أمّا المنهجُ فهو عبارةٌ عن خطواتٍ يتبعها المفسِّر للوصول إلى غاياته وأهدافه، وعليه فإنّ دراسة مناهج المؤلِّفين تُعين إلى درجةٍ ما على إيضاح اتّجاهاتهم، ولمعرفة الاتّجاه ينبغي التعرُّف على الجزئيّات وإعمال النظر في المنهج؛ لأنّ المنهج يحتوي على أفكارٍ (أيْ اتّجاه)، وهو الوسيلة إلى تحقيق غايته، ولا يصحّ العكس، أي إنّ معرفة الاتّجاه لا يعقبها معرفة المنهج، وبهذا تكون العلاقة بين المنهج والاتّجاه علاقة خصوصٍ وعمومٍ، الخصوصُ إلى جانب المنهج، والعمومُ إلى جانب الاتّجاه([32]).

3ـ المنهج هو الطريق والأسلوب، والاتّجاهُ والاهتمام هو الغَرَض والهَدَف الذي يتوخّاه المفسِّر، ويكون عِلّةً غائيّةً لقيامه بالتأليف في مجال القرآن([33]).

ب ـ الفرق بين المنهج والطريقة

1ـ المنهج يفي بالدراسة الموضوعِيّة والمسالِك التفسيرِيّة في بيان المعاني، واستنباطها من الألفاظ؛ والطريقة تعنى بالناحية الشكلِيّة التي انتخبها المفسِّر في ترتيب المباحث وتعيينها([34]).

ويُستفاد قريبٌ من هذا المعنى من كلام محمّد إبراهيم شريف في كتابه «اتّجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر في القرن العشرين»([35]).

هذا وقد خلط أحدُ الكُتّاب بين مصطلحَيْ المنهج والطريقة، حيث اعتبر أنّ طُرُقَ التفسير نوعان: تفسيرٌ بالمأثور؛ وتفسيرٌ بالرأي([36])، وهذا نحوُ خلطٍ بين المصطلحَيْن؛ إذ من الواضح أنّ ما اعتبره طُرُقاً للتفسير هو مناهِجُ تفسيرِيّةٌ، بناءً على تعريفه للمنهج والطريقة، حيث قال: «المنهج التفسيريّ هو السبيل التي تؤدّي إلى الهدف الذي يتّجه إليه المفسِّرون في تفاسيرهم، وأمّا الطريقة التفسيرِيّة فهي الأسلوب الذي يطرقه المفسِّر عند سلوكه للمنهج المؤدّي إلى الهَدَف أو الاتّجاه»([37]).

الخلط بين الطريقة واللَّوْن والصِّبْغة

وخَلَط أحدُهم بين مصطَلَحَيْ الطريقة واللون، فقال: إنّ تفسير الدراية العقلِيّ قد وصل القرآن بثقافة المتصدّين لتفسيره وصلاً قويّاً شديد الأَثَر… فأظهر ألواناً من التفسير هان فيها أمر النقل… وهي طرائق من التفسير…([38]).

وخَلَط آخرُ بين اللون والصبغة، حيث قال: فالتفسير بالمأثور إذ يصطبغ بصبغة الحديث عند مفسِّري المحدِّثين، كعبد الرزّاق والبخارِيّ وابن أبي حاتم، نراه يجنح إلى جانب اللغة عند مفسِّرٍ كالبَغَوِيّ، ويتلوَّن بلون الحديث والفقه معاً عند ابن كثير([39]).

ومن هُنا ـ أي بعد حصول الخَلْط لدى الكُتّاب بين المصطلحات، وبعد تعدُّد تعريفاتهم واختلافها ـ يمكننا القول ـ كما قال أحدُهُم ـ: إنّ هذه المصطلحات اصطلاحاتٌ حديثةٌ لم أجِدْ لها، في ما قرأتُ، ذكراً عند أصحاب الدراسات القرآنِيّة الأوائل، وحتّى أصحابها في العصر الحديث لا تكاد تجدُ اتّفاقاً [بينهم] على معنىً واحِدٍ لكُلٍّ منها؛ ولهذا ترى كثيراً منهم يُعبِّر بهذه الكلمة مرّةً، وبالأخرى مرّةً، عن مدلولٍ واحِدٍ؛ وترى آخرين منهم يذكرون تعريفاً لكلِّ مصطلحٍ منها، ويذكر غيرُهم غيرَه([40]).

زبدةُ الكلام

ولكنّ هذا لا يمنعنا من أن نستخلص لكُلٍّ منها تعريفاً شامِلاً، ومتوافِقاً مع أغلب التعريفات المذكورة له، فنقول:

المنهج التفسيريّ هو السبيل والأداة والوسيلة التي يعتمِد عليها المفسِّر لبيان معنى الآيات القرآنِيّة، ورفعِ إبهامها، وبه يصل المفسِّر إلى تحقيق أهدافه من التفسير، ومن ذلك: منهج تفسير القرآن بالقرآن، ومنهج تفسير القرآن بالروايات والأحاديث، ومنهج تفسير القرآن بالأدِلّة العقلِيّة القطعِيّة، إلى غير ذلك من المناهج.

الاتّجاه التفسيريّ هو الهدفُ والغايةُ التي يتوخّاها المفسِّر من تفسيره، فإنْ أراد أن يكون تفسيرُه مساعِداً على صلاح المجتمع، وتحلّيه بالأخلاق الإسلامِيّة، كان اتّجاهه في تفسير الآيات القرآنِيّة إصلاحِيّاً أخلاقِيّاً، وإنْ أراد التركيز على مسائل العقيدة، وتقريرها، وبسط معالمها، والذود عنها، كان اتّجاهُه في التفسير عقائدِيّاً، وهكذا في بقيّة الأهداف.

الطريقةُ في التفسير هي المظهرُ الشكلِيُّ للأسلوب الذي اتّبعه المفسِّر في تفسيره، فقد يأخذ في تفسير الآيات مرتَّبةً وِفْق المصحف؛ وقد يختار موضوعاً معيَّناً ويرتِّب الآيات المتعلِّقة به وِفْق النزول؛ وقد يفرِّق بين بيان معاني الألفاظ وبيان معاني التراكيب والجُمَل، كما في مجمع البيان مثلاً؛ وقد يمزج بينهما، كما في الميزان مثلاً، وهذا كلُّه من المظاهِر الشكليّة للأسلوب الذي يختاره المفسِّر لتفسيره.

اللَّوْنُ والصِّبْغةُ هما ما يظهر في التفسير من آثارٍ تدلُّ على شخصيّة المفسِّر، وطاقته الفكرِيّة، واستطاعته العقلِيّة، والعلوم والمعارِف المُلِمّ بها.

**********

الهوامش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) ابن فارس(395هـ)، المقاييس في اللغة: 847، دار الفكر، بيروت، ط3، 2003 م ـ 1424هـ.

([2]) ابن منظور(711هـ)، لسان العرب 11: 180، دار صادر، بيروت، ط1، 2000م.

([3]) لسان العرب 11: 180.

([4]) عبد الرحمن بركة، ابن جزي ومنهجه في التفسير من خلال كتابه «التسهيل لعلوم التنزيل»: 12، منشورات كلّيّة الآداب والتربية بجامعة سبها، ط1، 1994م.

([5]) راجع: السيوطي(911هـ)، الإتقان في علوم القرآن 2: 346 (النوع السابع والسبعون)، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2003م.

([6]) نقلاً عن: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 2: 348 (النوع السابع والسبعون).

([7]) لسان العرب 14: 365.

([8]) لسان العرب 15: 161.

([9]) لسان العرب 9: 112.

([10]) لسان العرب 13: 259.

([11]) لسان العرب 8: 196.

([12]) محمد إبراهيم شريف، اتِّجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر في القرن العشرين: 68، دار التراث، القاهرة، ط1، 1402هـ ـ 1982م.

([13]) فهد الرومي، اتِّجاهات التفسير في القرن الرابع عشر 1: 22، ط1، 1407هـ ـ 1986م.

ويُراجَع كتابُه الآخر: بحوث في أصل التفسير ومناهجه: 55، مكتبة التوبة، الرياض، ط1، 1413هـ.

([14]) محمد بكر إسماعيل، ابن جرير الطَّبَري ومنهجه في التفسير: 31، دار المنار، القاهرة، ط1، 1411هـ ـ 1991م.

وقد تبنّى هذا التعريف أيضاً: محمد علي أيازي، المفسِّرون، حياتهم ومنهجهم: 31 ـ 32، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، ط1، 1414هـ.

ومن قبلُ ذُكِر قريبٌ من هذا التعريف عند: محمد إبراهيم شريف، اتِّجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر في القرن العشرين: 66 ـ 67.

([15]) أيازي، المفسِّرون، حياتهم ومنهجهم: 32.

([16]) هدى أبو طبره، المنهج الأَثَري في تفسير القرآن الكريم، حقيقته ومصادره وتطبيقاته: 23 ـ 24، مكتب الإعلام الإسلامي، ط1، 1414هـ ـ 1994م.

([17]) مصطفى مسلم، مناهج المفسِّرين (القسم الأوّل: التفسير في عصر الصحابة): 15، دار المسلم، الرياض، ط1، 1415هـ.

([18]) جعفر السبحاني، المناهج التفسيريّة في علوم القرآن: 73، مؤسَّسة الإمام الصادق(ع)، قم، ط2، 1422هـ.

([19]) شريف، اتِّجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر في القرن العشرين: 63 ـ 68.

([20]) الرومي، اتِّجاهات التفسير في القرن الرابع عشر 1: 22.

([21]) إسماعيل، ابن جرير الطبري ومنهجه في التفسير: 29.

ويقرب من هذا التعريف ما ذكره: أيازي، المفسِّرون، حياتهم ومنهجهم: 32، حيث قال: «الاتِّجاه التفسيري هو موقف المفسِّر ونظره ومذهبه ووجهته التي يوليها من العقائد الدارجة من السنَّة والشيعة والمعتزلة والأشاعرة، سواءً كانت وجهته عند تفسير كتاب الله تعالى من تقليدٍ أو تجديدٍ، وكذلك من اعتمادٍ على المنقول أو المعقول أو الجمع بينهما في إطارٍ معيَّنٍ. وقد يُسمَّى هذا الاتّجاه بمدرسة التفسير، وموقف المفسِّر من مدارس التفسـير».

([22]) أبو طبره، المنهج الأَثَري في تفسير القرآن الكريم، حقيقته ومصادره وتطبيقاته: 23.

([23]) السبحاني، المناهج التفسيريّة في علوم القرآن: 73.

([24]) شريف، اتِّجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر في القرن العشرين: 66 ـ 67، بتصرُّفٍ من الكاتب في صياغة العبارة، دار المعرفة، ط1، 1961م.

([25]) أمين الخَوْلي، مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب: 300 ـ 301.

([26]) الرومي، اتِّجاهات التفسير في القرن الرابع عشر 1: 22 ـ 23.

([27]) راجع: الرومي، بحوث في أصل التفسير ومناهجه: 57 ـ 62.

([28]) أيازي، المفسِّرون، حياتهم ومنهجهم: 32.

([29]) الخولي، مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب: 296 ـ 297 ـ 300، بتصرُّفٍ من الكاتب في صياغة العبارة.

وقد تبنّى هذا التعريف: أيازي، المفسِّرون، حياتهم ومنهجهم: 33.

ويمكن أن يُفهم هذا المعنى من: شريف، اتِّجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر في القرن العشرين: 65.

([30]) شريف، اتِّجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر في القرن العشرين: 64 ـ 65، حيث قال: «فالتفسير بالمأثور؛ إذ يصطبغ بصبغة الحديث عند مفسِّري المحدِّثين، كعبد الرزّاق والبخارِيّ وابن أبي حاتم، نراه يجنح إلى جانب اللغة عند مفسِّرٍ كالبَغَوِيّ، ويتلوَّن بلون الحديث والفقه معاً عند ابن كثير».

([31]) شريف، اتِّجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر في القرن العشرين: 68.

([32]) أبو طبره، المنهج الأَثَري في تفسير القرآن الكريم، حقيقته ومصادره وتطبيقاته: 23 ـ 24.

([33]) السبحاني، المناهج التفسيريّة في علوم القرآن: 74.

([34]) أيازي، المفسِّرون، حياتهم ومنهجهم: 32.

([35]) شريف، اتِّجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر في القرن العشرين: 66 ـ 67.

([36]) الرومي، بحوث في أصل التفسير ومناهجه: 71.

([37]) الرومي، اتِّجاهات التفسير في القرن الرابع عشر 1: 22.

([38]) الخولي، مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب: 286.

([39]) شريف، اتِّجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر في القرن العشرين: 64 ـ 65.

([40]) الرومي، اتِّجاهات التفسير في القرن الرابع عشر 1: 22.



أكتب تعليقك