21 نوفمبر 2014
التصنيف : منبر الجمعة
لا تعليقات
2٬053 مشاهدة

الإمام عليّ بن الحسين(ع)، بين البكاء والدعاء

(الجمعة 21 / 11 / 2014م)

هذا الذي تعرف البطحاءُ وَطْأتَهُ

والبيتُ يعرفُه والحِلُّ والحَرَمُ

هذا ابنُ خيرِ عبادِ الله كلِّهِمُ

هذا التَّقِيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ

إذا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قال قائلُها

إلى مكارمِ هذا ينتهي الكَرَمُ

الحسب والنسب

نبدأ بحَسَبه ونَسَبه، مع أنّه ليس للحَسَب والنَّسَب قيمةٌ في ميزان الحساب يوم القيامة، وإنّما ينتفع الإنسان بعمله لا غير، فإنّ الله يدخل الجنّة مَنْ أطاعه ولو كان عبداً حبشيّاً، ويدخل النار مَنْ عصاه ولو كان سيّداً قرشيّاً، كما يقول هذا الإمام الهُمام نفسه([1])، ولكنْ العِرْقُ دَسّاسٌ، وللتربية دورُها، والمرءُ قد يكتسب الفضائل أو الرذائل من أهله، ولذا نقول:

هو سليلُ بيت النبوّة والولاية، بيت العصمة والطهارة في القول والعمل والخُلُق، فهو عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(ع)، وجدّته هي فاطمة الزهراء(ع)، وكفاه بذلك فخراً.

وأمّا أمّه فهي جاريةٌ فارسيّة من بنات الملوك، ولهذا كان يُقال لعليّ بن الحسين(ع): ابنُ الخِيرتَيْن، فخِيرةُ الله من العَرَب هاشم، ومن العَجَم فارس، كما في بعض الروايات([2]). ونحن نرى أنّها من الموضوعات؛ لأنّها تخالف قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. ففي الإسلام ليس من شعبٍ مختارٍ، ولا قومٍ مختارين، وإنّما هو العمل الصالح يرفع أناساً، ويحطّ آخرين.

وعلى أيّ حال فقد قال أبو الأسود الدؤلي مادِحاً إيّاه(ع):

وإنّ وليداً بين كِسْرى وهاشِمٍ

لأَكْرَمُ مَنْ نيطَتْ عليه التَّمائِمُ

في أجواء كربلاء

شهد كربلاء مع أبيه الحسين(ع)، ولكنّه مرض مرضاً شديداً أقعده عن القتال. وتلك حكمةٌ إلهيّة؛ لئلاّ تخلو الأرض من حجّةٍ وإمامٍ معصوم، يبلِّغ رسالة الله للناس.

ولم تستطِعْ قيود الحديد أن تأسر روحه وحرّيته وعزّته، وإنْ قيَّدت حركة جسمه، وجرَّعته الألم غصصاً. فقد وقف وهو الأسير المحاط بالجنود في مواجهة ابن زياد، ليقول له بكلّ عزّة وشرف وعنفوان: «أَفَبِالقَتْل تهدِّدني يا ابن الطلقاء، إنّ القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة». لقد اعتَدْنا القتلَ منذ زمن بعيد، منذ عليّ إلى الحسن إلى الحسين؛ لأننا وقفنا مع الحقّ، والحقّ يتطلَّب التضحيات، ولا زلنا مستعدّين لأن نُشْرِع صدورنا للموت إذا تطلَّب الإسلام منّا ذلك؛ فقيمةُ حياتنا عندنا أنّها في طاعة الله، وعندما يكون الاستشهاد طاعةً لله فأيُّ فخرٍ وأيُّ عزٍّ أسمى من الاستشهاد حينذاك.

جهاد مستمرّ

عاش بعد أبيه الحسين(ع) خمساً وثلاثين (35) سنة. وعاصر ستّةً من الخلفاء الأمويّين: معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، وكانت وفاتُه في خلافته.

وكانت حياته نضالاً وجهاداً مستمرّاً، جهاداً معنويّاً وإعلاميّاً. وروي عنه(ع) الكثير من الفقه والتفسير وعلوم الحياة. كما كان قِمّة في مكارم الأخلاق والفضائل.

ألقابُه

ومِنْ ألقابه:

1ـ زين العابدين: وقد لقَّبه به جدُّه رسول الله(ص) قبل ولادته، فقد رُوي عنه(ص) أنّه قال: «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين زينُ العابدين؟ فكأنّي أنظر إلى ولدي عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب يخطر بين الصفوف»([3]).

2ـ السجّاد، وذي الثَّفِنات، وهي اللحم الغليظ على الجبهة؛ لكثرة السجود.

وأمّا سبب تسميته بالسجّاد فلأنّه كان لا يذكر لله عزّ وجلّ نعمةً عليه إلاّ سجد، ولا يقرأ آية من كتاب الله عزّ وجلّ فيها سجود إلاّ سجد، ولا يدفع الله عزّ وجلّ عنه سوءاً يخشاه أو كيدَ كائدٍ إلاّ سجد، ولا يفرغ من صلاة مفروضة إلاّ سجد، ولا يوفَّق لإصلاح بين اثنين إلاّ سجد([4]).

3ـ البكّاء: وقد لُقِّب به؛ لبكائه على أبيه الحسين(ع) عشرين سنة، حتّى عُدَّ خامس البكّائين، وهم: آدم، ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمد، على حدّ قول الإمام الصادق(ع)([5]).

الصحيفة السجّاديّة

ولكنْ لا يَظُنَّنَّ أحدٌ أنّه(ع) اشتغل بالبكاء على أبيه الحسين، وبيان مظلوميّته للناس، عمّا سوى ذلك، من الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والعمل الصالح الذي يفتح قلوب الناس كلِّهم عليه، والتصدّي للحكّام والولاة الظالمين المفسدين.

ومن هنا كانت انطلاقته في خطّ الدعاء يربّي به النفوس ويهذِّبها، فكانت الصحيفة السجّاديّة، وهي من أروع ما حفظه لنا التاريخ من أدعية أهل البيت(ع). وفي هذه الأدعية كلُّ المفاهيم الإسلاميّة، وفيها رأيُ الإسلام في ما يحتاجه الإنسان في علاقته بربّه، وفي علاقته بنفسه، وفي علاقته بالآخرين.

إنّه يناجي الله في كلِّ صغيرة وكبيرة، بأسلوبٍ تعليميّ رائع، يبثّ فيه مفاهيم الإسلام إلى الناس؛ فقد كان عصرُه عصرَ كبتٍ وكمِّ أفواه، فكان الدعاء متنفَّسُه، يستغني به عن كثيرٍ من المحاضرات والدروس. ومن هنا ينبغي للمسلم أنْ يقرأ هذه الأدعية بتمعُّن وتدقيق، وسوف يكتشف ما فيها من العظمة والروعة، والشموليّة والدقّة.

ومن أدعيته في هذه الصحيفة:

1ـ دعاء مكارم الأخلاق، وممّا جاء فيه: «اللهمَّ صلِّ على محمد وآله، ولا ترفعني في الناس درجةً إلاّ حَطَطْتَني عند نفسي مثلها، ولا تحدِثْ لي عزّاً ظاهراً إلاّ أحدَثْتَ لي ذِلّةً باطنةً عند نفسي بقَدَرِها».

«اللهمّ صلِّ على محمد وآله، وسدِّدْني لأَنْ أُعارض مَنْ غشَّني بالنصح، وأجزي مَنْ هَجَرني بالبِرّ، وأُثيب مَنْ حرمني بالبَذْل، وأكافئ مَنْ قطعني بالصِّلة، وأخالف مَنْ اغتابني إلى حُسْن الذِّكْر، و أنْ أشكر الحسنة، وأغضي عن السيِّئة».

«اللهمّ صلِّ على محمد وآله، وصُنْ وجهي باليَسار، ولا تبتذِلْ جاهي بالإقتار، فأسترزِقَ أهلَ رزقك، وأستعطيَ شرار خلقك، فأُفتَتَن بحمد مَنْ أعطاني، وأُبتَلى بذمِّ مَنْ منعني، وأنتَ مِنْ دونهم وليُّ الإعطاء والمنع».

2ـ دعاء أبي حمزة الثمالي، وممّا جاء فيه: «اللهمّ إنّي كلّما قلتُ قد تهيّأتُ وتعبّأتُ، وقمتُ للصلاة بين يدَيْك وناجيتُك، ألقيتَ عليَّ نعاساً إذا أنا صلَّيْتُ، وسلبتَني مناجاتَك إذا أنا ناجيتُ! وما لي كلّما قلتُ قد صلُحَتْ سريرتي، وقَرُب من مجالس التوّابين مجلسي، عَرَضَتْ لي بَلِيَّةٌ أزالَتْ قَدَمي، وحالَتْ بيني وبين خدمتك؟! سيِّدي لعلك عن بابك طردتَني، وعن خدمتك نحَّيْتَني! أو لعلَّكَ رأيتَني مستخِفّاً بحقِّك فأقصيتَني! أو لعلَّك رأيتَني معرِضاً عنك فقَلَيْتَني! أو لعلَّك وجدتَني في مقام الكاذبين فرفضتني! أو لعلَّك رأيتَني غيرَ شاكرٍ لنعمائك فحرمتني! أو لعلَّك فقدتَني من مجالس العلماء فخذلتَني! أو لعلَّك رأيتَني في الغافلين فمِنْ رحمتك آيستَني! أو لعلَّك رأيتَني آلَفُ مجالس البطّالين فبيني وبينهم خلَّيْتَني! أو لعلَّك لم تُحِبَّ أن تسمع دعائي فباعدتَني! أو لعلَّك بجرمي و جريرتي كافيتَني! أو لعلَّك بقِلّة حيائي منك جازيتَني! ».

3ـ دعاء عرفة. وغيرُها كثيرٌ.

قولٌ وعملٌ

وهكذا وقف(ع) ليؤدِّب الناس، لا بكلامٍ استعراضي، بل بعملٍ صادق، نابعٍ من القلب والعقل والإرادة، يجسِّد من خلاله الخُلُق الذي يدعو الناس إليه.

كان يدعو الناس إلى الخوف من الله، والحَذَر منه، وعدم الاتّكال إلاّ على العمل الصالح، الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، ويقرِّب إليه، وكان يعيش الخوف من الله، والتقوى له، والشعور بالمسؤوليّة تجاهه، سلوكاً يوميّاً لا يحيد عنه، فقد لقيه رجلٌ يصلّي تحت الميزاب في المسجد الحرام وهو يبكي تضرُّعاً وخوفاً وخشوعاً لله فقال له: يا ابن رسول الله، رأيتُك على تلك الحالة ولك ثلاثٌ أرجو أن تُؤْمِنَك من الخوف: أحدها: أنّك ابن رسول الله، والثانية: شفاعة جدّك، والثالثة: رحمة الله عزّ وجلّ، فقال: يا فلان، أمّا أنّي ابن رسول الله فذاك لا يُؤْمِنُني وقد سمعتُ الله يقول: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾، وأما شفاعة جدّي فلا تُؤْمِنُني لأنّ الله يقول: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى﴾، وأمّا رحمة الله تعالى فإنّ الله يقول: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾، ولا أرى أنّي من المحسنين.

رسالة الحقوق

وقد نقل(ع) لنا من علمه ما يصلح لأنْ يكون دستوراً لحياتنا، وقانوناً لعملنا. فها هي رسالة الحقوق، يضمِّنها بيانَ خمسين حقّاً، من حقوق الله والنَّفْس والآخرين.

إنّه يضع للمجتمع دستورَ حياته، مستوحِياً ذلك من كتاب الله، الدستور المجمَل، فكانت رسالة الحقوق الدستور المفصَّل، الذي يحدِّد لكلّ فردٍ من شرائح المجتمع حقوقه وواجباته، التي متى طالب أو التزم بها تحقَّقت سعادة الحياة. ففي شرع الله الغنى كلُّ الغنى، فلماذا نتركه ونتَّجه إلى قوانين ودساتير وضعها لنا الاستعمار؛ لخدمة سياساته ومصالحه، وتحقيق أهدافه في شرذمتنا وإفسادنا وإسقاط مبادئنا وقِيَمنا، وكلُّ ذلك باسم التطوُّر والرقيّ والحضارة. ونحن نعرف من خلال ما نقرأه ونسمعه أنّ هذا الغرب يعيش التفكُّك الاجتماعي، والانحلال الخلقي، والجَدْب الروحي، ممّا جعل الحياة عندهم غير ذات قيمة، يتخلَّى عنها الكثيرون بالانتحار؛ لأنها حياة مادّيّة بحتة، لا روح فيها، ولا مراعاة للحاجات الروحيّة فيها، فأيُّ تطوّر وأيُّ حضارة يخدعوننا بها؛ ليسلخونا من تراثنا الإسلامي، ويبعدونا عن أحكام ديننا، ثم لن يقبلونا أن نكون منهم؛ لأننا سنصبح في نظرهم خائنين لديننا ومبادئنا، وليس من أُمّة في العالم تحترم الخائن.

ومن الحقوق التي تضمّنتها هذه الرسالة: حقّ الله، حقّ النفس/حقوق الجوارح بالتفصيل، حقّ الصلاة، حقّ الأمّ، حقّ المعلِّم. وغيرُها كثيرٌ.

عبقاتٌ من عطر أخلاقه

كان الإمام عليّ بن الحسين(ع) من أحلمِ الناس وأرأفِهم وأرحمِهم، حتّى بأعدائه، فقد كان هشام بن إسماعيل والي المدينة يؤذيه، ويسيء إليه، وقد غضب عليه الخليفة، فعزله، وأمر به أن يُشهَر للناس، وكان أشدّ ما يخشاه أن يمرّ به زين العابدين(ع)؛ لإساءته إليه، وكان الناس يمرّون به فيشتمونه، ولمّا مرّ به عليّ بن الحسين(ع) سلَّم عليه، وأمر خاصّته أنْ لا يعرض له أحدٌ منهم بسوء([6]).

وأمّا مع أصدقائه والمقرَّبين منه فكان في قِمّة التسامح والعطف والمحبّة والرحمة، حتّى أنّه يروى أنّ جارية له كانت تصبّ الماء على يديه، فسقط الإبريق من يدها على رأسه، فشجَّه، فسال الدم، فأدركت عظيمَ جنايتها، فبادرته بقولها: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، فقال: قد كظمتُ غيظي، فقالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ﴾، قال: قد عفوتُ عنكِ، فقالت، وقد طمعت في إحسانه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فقال: اذْهَبي فأنتِ حُرَّةٌ لوجه الله.

في مدرسة الإمام(ع)

ومن كلماته، وليتنا نتَّعِظُ بكلماته:

1ـ كان يوصي بعضَ وُلْده فيقول: «يا بُنَيّ، إيّاكَ وظلم مَنْ لا يجدُ عليك ناصراً إلاّ الله».

2ـ وكان يوصي شيعتَه فيقول: «أيُّها الناس، أحبُّونا حُبَّ الإسلام».

3ـ وكان ينهى عن العصبيّة الجاهليّة فيقول: «العصبيّةُ التي يأثَمُ عليها صاحبُها أن يرى الرجلُ شرارَ قومه خيراً من خيار قومٍ آخرين، وليس من العصبية أن يُحِبّ الرجلُ قومَه، ولكنْ من العصبية أن يُعين قومَه على الظلم».

فالسلام على سيِّدنا ومولانا عليّ بن الحسين، يوم وُلِد، ويوم مات، ويوم يُبْعَث حيّاً.

**********

الهوامش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) بحار الأنوار 46: 81 ـ 82.

([2]) الكافي 1: 466 ـ 467.

([3]) الصدوق، الأمالي: 410؛ علل الشرائع 1: 230.

([4]) ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب 3: 304.

([5]) الصدوق، الخصال: 272.

([6]) تاريخ الطبري 5: 217.



أكتب تعليقك