29 مايو 2015
التصنيف : منبر الجمعة
لا تعليقات
1٬319 مشاهدة

الإصلاح: نعمةٌ إلهيّة، وحاجةٌ إنسانيّة

2015-05-29-منبر الجمعة-الإصلاح، نعمة إلهية وحاجة إنسانية2

(الجمعة 29 / 5 / 2015م)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّدٍ، وعلى آله الطيِّبين الطاهرين، وأصحابه المنتَجَبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

تمهيد

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (البقرة: 30) (صدق الله العليّ العظيم).

منذ أن خلق الله الإنسان، وأراد له أن يكون خليفته في هذه الأرض، نشا صراعٌ هائل بين قوّتين: قوّة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهي فطرة حبّ الخير والصلاح؛ وقوّة إبليس الذي ابقاه اللهُ عزَّ وجلَّ إلى يوم القيامة؛ لقيادة هذه المعركة الكبرى ضدّ الإنسان، ولكنَّه تبارك وتعالى لم يجعَلْ للشيطان سبيلاً على الإنسان الواعي العاقل، فقد زوّد الإنسان بعقلٍ يستطيع من خلاله التمييز بين الحَسَن والقبيح وبين الخير والشرّ، ولكنَّه أنظَر إبليس إلى يوم القيامة ليختبر الإنسان من خلاله، فيرى مَنْ ينحرف من الناس متَّبِعاً خطّ إبليس، ومَنْ يبقى في الخطّ المستقيم متَّبِعاً أوامر الله ونواهيه. وبالتالي يكون الله سبحانه وتعالى قد ترك للإنسان حرّيّة السَّيْر في أيّ طريق شاء: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: 10): نجد الخير؛ ونجد الشرّ، نجد الصلاح؛ ونجد الفساد.

فالصلاح تدعوه إليه نفسُه وفطرتُه، والشيطان يدعوه إلى الفساد والإفساد، وعلى المرء أن يحدِّد طريقه الذي سيلاقي في نهايته مصيره؛ فإمّا إلى جنّةٍ؛ وإمّا إلى نارٍ.

الصلاح والإصلاح نعمتان إلهيّتان

أمام هذا الواقع يجد الإنسان نفسه في حاجةٍ إلى التدقيق والتأمُّل في ما هو الأنسب والأفضل له، إنْ على صعيد الدنيا أو على صعيد الآخرة. فيُلاحِظ المتأمِّل أنّ الصلاح والإصلاح نعمتان عظيمتان يوفِّق الله لهما عباده المؤمنين وأولياءه المقرَّبين وأنبياءه المرسلين؛ لينالوا الدرجات العليا عنده عزَّ وجلَّ.

وقد حدَّثنا الله عن هؤلاء، فاعتبرهم من أصحاب النِّعَم الإلهيّة، فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً﴾ (النساء: 69).

كما أنّ الإصلاح مدعاة فخرٍ واعتزاز. فكلُّ إنسانٍ يدّعي لنفسه الصلاح والإصلاح. وقد حدَّثنا الله عن بعض الأقوام المفسِدين، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة: 11).

وإذا أُريد ذمُّ إنسانٍ ما وُصف بعدم إرادته أن يكون من المصلحين. فهذا رجلٌ من بني إسرائيل يريد ذمّ موسى(ع)، ويبعده عن نفسه: ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ﴾ (القصص: 19).

وعليه فالإصلاحُ نعمةٌ إلهيّة، وحاجةٌ إنسانيّة.

أنواع الإصلاح

وهو أربعة أنواع:

1ـ إصلاحٌ للعلاقة مع الله: فالله هو خالقنا ورازقنا وحافظنا، وهو وليُّنا في الدنيا والآخرة. وهذه العلاقة القويّة المتينة التي لا فكاك لها بيننا وبين الله من المهمّ والضروريّ جدّاً أن تكون علاقةً حَسَنة قائمة على الحبّ والطاعة والالتزام، فنحن بحاجةٍ إلى مثل هذه العلاقة التي من شانها أن تيسِّر لنا علاقاتنا بالناس من حولنا. وقد رُوي عن أمير المؤمنين(ع) أنّه قال: «مَنْ أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومَنْ أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه»([1]).

2ـ إصلاحٌ للعلاقة مع النفس، بأن نجنِّبها ما يضرّها ويؤذيها ويهلكها في الدنيا والآخرة. وهذا يدعونا إلى الابتعاد بها عن معصية الله التي هي سبب رئيس في استحقاق العذاب والدخول إلى النار، وذلك هو الخسران المبين، الذي ينبغي أن نجنِّب أنفسنا التعرُّض له.

3ـ إصلاحٌ للعلاقة مع الناس، بأن نرحمهم، ونحسن إليهم، ونساعدهم، وننقذهم ممّا هم فيه من المعصية لله، والانحراف عن خطّ طاعته، فيبادلنا الناس هذا الحبّ بحبٍّ، وهذه الرحمة برحمةٍ، فتكون أجواء علاقاتنا بهم أجواء المحبّة والرحمة.

4ـ إصلاحٌ للمجتمع، بأن نبيِّن له حقيقة السعادة، وأنّها السعادة بطاعة الله، لا السعادة بلذّةٍ هنا، وشهوةٍ هناك، وشفاء غيظٍ هنالك. وعندها يعمل كلُّ فردٍ من أفراد هذا المجتمع على إصلاح علاقته بربِّه وبنفسه وبالناس من حوله، فيسود الصلاح، وتتمّ النِّعْمة.

جزاء الإصلاح والإفساد

وقد وعد الله على الإصلاح بالكثير الكثير من الثواب، فاعتبره منجياً من الخوف والحزن يوم القيامة، فقال سبحانه: ﴿فَمَنْ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: 35).

كما اعتبره مؤمِناً من الهَلَكة، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117).

كما أنّه اعتبر الأجر عليه محفوظاً غير قابلٍ للنقصان أو الإلغاء، فقال جلَّ وعلا: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (الأعراف: 170).

في حين أنّه توعَّد على الإفساد بالكثير الكثير من العقاب الدنيوي والأخروي، فاعتبر الإفساد من الأمور التي تؤدّي بالإنسان إلى ما لا خير له فيه، فقال تقدَّسَتْ أسماؤه: ﴿وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 85).

كما أنّ الإفساد يؤدّي إلى كره الناس للمفسِد؛ باعتباره متسلِّطاً ظالماً. فكلُّ إنسانٍ يحاول أن يدفع عن نفسه هذه الاتهمة لئلاّ يصير موضع بغض الناس واشمئزازهم ونفورهم. فها هم إخوة يوسف(ع) لمّا اتُّهِموا بالسرقة ﴿قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ (يوسف: 73).

والإفساد أيضاً يؤدّي إلى الفوضى الاجتماعيّة، وبالتالي إلى تدمير الحياة الإنسانيّة. وهذا ما ظهر جليّاً في جواب الملائكة لله حين أخبرهم بإرادته خَلْقَ آدم(ع): ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (البقرة: 30).

وعاقبة الإفساد الخسران في الدنيا والآخرة، حيث يقول تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: 27)، وفي آيةٍ أخرى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد: 25).

وخلاصةُ القول: إنّ الإصلاح هو عمل الأنبياء والأولياء والدُّعاة إلى الله؛ لأنّ من شأن هؤلاء أن يرشدوا الناس إلى ما فيه خيرهم وسرورهم. والخير كلُّه والسرور كلُّه يكمن في الصلاح والإصلاح.

في طريق الإصلاح: لبَّيكَ يا حسين

فها هو نبيّ الله شعيب(ع) يطلقها صيحةً تبيِّن الخطّ الذي سوف يعمل به: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88).

وها هو مولانا أبو عبد الله الحسين(ع) يبيِّن للناس أهداف ثورته، فإذا على رأسها الإصلاح في أمّة جدِّه، حيث رُوي عنه أنّه قال: «إنّي لم أخرُجْ أشِراً ولا بَطِراً، ولا مُفْسِداً ولا ظالماً، وإنّما خرجتُ لطَلَب الإصلاح في أمَّة جَدِّي(ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المُنْكَر، وأسيرَ بسيرة جَدِّي وأبي عليّ بن أبي طالب(ع)؛ فمَنْ قَبِلَني بقَبول الحَقّ فاللهُ أَوْلى بالحَقّ، ومَنْ رَدَّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحَقِّ، وهو خيرُ الحاكمين»([2]).

فلأجل الإصلاح ثار الحسين(ع)؛ إذ إنّه وجد الناس واحداً من ثلاثة: مفسد في الأرض؛ أو مريدٌ للفساد؛ أو راضٍ بالفساد، و«الراضي بفعل قومٍ كالداخل فيه معهم»([3]).

لقد خرج الحسين(ع) ليعيد للناس دينهم الذي فقدوه بممارساتهم الخاطئة، وولائهم غير الصحيح، فهل نَدَعُ الحسينَ(ع) وحيداً في ثورته على الظلم والظالمين، أو نكونُ له أعواناً وأنصاراً مخلصين؟ الجواب رهنٌ بسلوكنا ومواقفنا، فهل من ناصرٍ للحسين(ع)؟ وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

**********

الهوامش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) نهج البلاغة 4: 20.

([2]) رواه المجلسي في بحار الأنوار 44: 329 ـ 330، معلَّقاً.

([3]) رُوي عن أمير المؤمنين(ع)، في نهج البلاغة 4: 40، أنّه قال: «الراضي بفعل قومٍ كالداخل فيه معهم . وعلى كل داخلٍ في باطلٍ إثمان: إثم العمل به؛ وإثم الرضا به».



أكتب تعليقك