31 يوليو 2015
التصنيف : منبر الجمعة
لا تعليقات
1٬589 مشاهدة

معركة (أُحُد)، بين الإخلاص والنِّفاق

(الجمعة 31 / 7 / 2015م)(الجمعة 7 / 7 / 2017م)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّدٍ، وعلى آله الطيِّبين الطاهرين، وأصحابه المنتَجَبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

تمهيد

يقول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).

هذه الآية الكريمة تتحدَّث عن مفهومٍ إسلاميّ هامّ، ألا وهو الالتزام بنهج الإسلام، الذي أراد لله للإنسان المؤمن أن يسير عليه حين يختار طاعةَ الله وعبادته، وهما الهَدَف من الخَلْق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).

لقد أراد الله جلَّ وعلا للمؤمن أن يلتزم ذلك النهج أيّاً كان القائد؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يرفض ويمقت التعلُّق بالأشخاص لذواتهم، حتّى ولو كانوا أنبياء أو أوصياء أو علماء، وإنّما يأمر باتّباعهم والاقتداء بهم لما يمثِّلونه من خطّ التقوى والطاعة لله تبارك وتعالى.

تفسير الآية

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: محمدٌ حبيب الله، ومحمدٌ أقرب الناس إلى الله، لا ينبغي ان تكون قداسته عندكم إلاّ قداسة الرسالة التي يمثِّلها، قداستُه كداعيةٍ إلى الله في زمنٍ خلا من داعٍ إليه عزَّ وجلَّ.

وإذا كان هذا هو المطلوب في التعامل مع سيِّد وُلْد آدم النبيّ الأكرم محمدٍ(ص) فهل يكون لغيره ما ليس له؟! وهل يجوز مع غيره ما لا يجوز معه؟! تلك إذاً قِسْمةٌ ضيزى.

﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾: أنتم يا مَنْ قدَّستموه كشخصٍ، ولم تقدِّسوه كرمزٍ للإسلام، أنتم يا مَنْ خالفتم تعاليم الله إليكم في كيفيّة الارتباط بالأشخاص، ما بالُكم إذا سمعتم أنّ محمداً قد قُتل أو مات انقلبتُم على أعقابكم، وعدلتُم عن إيمانكم، وعدْتُم إلى الكفر والانحراف؛ لأنّكم ظننتُم أنّ الإسلام سينتهي بموته أو قتله.

لا، لن يحصل ذلك، فالإسلام باقٍ؛ لأنّه دين الله، ودين الحقّ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصفّ: 8 ـ 9).

﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ المؤمنين المتَّقين، بأن يمكِّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وبأن يُبْدلهم بعد خوفهم أمناً، يعبدونه لا يشركون به شيئاً.

هذا هو تفسيرُ الآية بعيداً عن ظروف نزولها، فمتى نزلت هذه الآية؟ وما هي أسباب هذا النزول؟

سبب النزول

لقد نزلت هذه الآية الشريفة في غزوة (أُحُد)، التي نلتقي بذكراها في مثل هذا اليوم، الخامس عشر من شهر شوّال.

وملخَّص أحداث هذه الغزوة أنّ قريش لم تُطِقْ صبراً على هزيمتها في معركة (بدر)، فقرَّرت الانتقام والثأر لقتلاها، فأعدَّت العدّة والعديد، وزحفت ناحية المدينة، وذلك بعد سنةٍ من معركة (بدر).

وعلم رسول الله(ص) بواسطة مبعوث عمِّه العبّاس بن عبد المطَّلب بخطّة قريش، فبعث مَنْ يتحرّى له عن أمرهم وأحوالهم، ثمّ جمع أصحابه يستشيرهم في تحديد مكان المواجهة؛ إذ هم الذين سيقاتلون وسيواجهون العدوّ وسيَقتلون ويُقتَلون، فمن حقِّهم أن يكون لهم رأيٌ في خطّة المعركة، وهكذا جمعهم يستشيرهم: هل يخرجون إلى قريش، فتكون الحرب خارج المدينة، أم ينتظرونها في المدينة، فتكون المدينة ساحة الحرب؟

وخلافاً لما أُمروا به من التسليم المطلق لرسول الله(ص)، وهو المعصوم المسدَّد من قِبَل الله، قام المنافقون، وعلى رأسهم عبد الله بن أُبَيّ ليقترحوا البقاء في المدينة، حتّى إذا وصلت قريش قاتلها رسولُ الله(ص) وهو بين أهله وأنصاره.

وواصل النبيّ(ص) عمليّة الشورى، ليكتشف أنّه قد تأثَّر بعضُ شيوخ المهاجرين برأي ابن أُبيّ، بينما تحمَّس آخرون للقتال خارج المدينة.

ودخل النبيّ(ص) بيتَه، وبعد قليلٍ خرج متدرِّعاً، لابساً لامَةَ الحرب، متقلِّداً سيفَه. وتنبَّه المسلمون لمخالفتهم أمر الله، فلام الذين تحمَّسوا للقتال خارج المدينة أنفسهم، وأظهروا ذلك لرسول الله(ص) بقولهم: «يا رسول الله، ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما بدا لك، والأمر إلى الله وإليك؛ فإنْ خرجتَ خرجنا؛ وإنْ أقمتَ أقمنا»، فردَّ(ص) عليهم بقوله: «لقد دعوتُكم لذلك فأبيتُم، وما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لامَتَه أن يضعها حتَّى يحكم الله بينه وبين أعدائه».

وهكذا خرج رسول الله(ص) من المدينة لقتال قريش، فوصل إلى جبل (أُحُد)، فجعله خلفه، وأمر نفراً من المسلمين بالمرابطة في ثَغْرٍ منه يكشف لهم الجانب الآخر؛ وذلك لكي لا يؤخَذ المسلمون على حين غِرّة، وطلب إلى هؤلاء النفر القلائل أن لا يغادروا هذا الثَّغْر مهما كانت نتائج المعركة، وهو ضامنٌ لحصَّتهم من الغنائم.

ودارت المعركة طاحنةً، واستُشهِد فيها الحمزة بن عبد المطَّلب، عمّ النبيّ(ص)، وقتل المسلمون من المشركين مقتلةً عظيمة، كان لأمير المؤمنين عليٍّ(ع) النصيب الأكبر منها، ولاحت تباشير النصر في الأجواء.

وهنا تحرَّك الشيطان، واستجاب له ضعاف النفوس، لقد أغرى الشيطانُ المرابطين في ذلك الثَّغْر أن ينزلوا إلى ساحة المعركة ليجمعوا الغنائم، لعلّ حصّتهم تكون أكبر. وكان هذا هو الخطأ الجسيم، بل القاتل، الذي كادت تكون بسببه نهاية المسلمين، فقد التفَّ خالد بن الوليد ـ وكان لا يزال قائداً في المشركين ـ بمجموعةٍ معه على المسلمين، فشتَّت جمعهم، وأثار جوّاً من الفوضى في صفوفهم.

وهنا استغلَّت قريش كلَّ إمكاناتها، وكلَّ مكائدها، فصاح أحدهم: لقد قُتل محمد، يريد بذلك إسقاط المسلمين معنويّاً. وهكذا كان، فقد تفرَّق المسلمون وانهزموا، وفيهم كبار الصحابة وشيوخ المهاجرين، حتَّى قال بعضهم: «ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أُبيّ؛ ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان. يا قوم، إنّ محمداً قد قُتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم»، فقال لهم أحدُ المخلصين لله ولرسوله: «يا قوم، إنْ كان محمدٌ قد قُتل فإنّ ربَّ محمدٍ لم يُقتَل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمدٌ(ص) ».

ولم يبقَ إلى جانب رسول الله(ص) إلاّ نفرٌ قليل، يقودهم أمير المؤمنين عليٌّ(ع)، يقاتل تلك الجموع على كثرتها مُفْرَداً، وكلُّ همِّه أن لا يصل أحدٌ من المشركين إلى النبيّ(ص) بسوءٍ، حتَّى سُمع من السماء نداءٌ: لا فتى إلاّ عليٌّ، ولا سيف إلاّ ذو الفقار.

وانهزم المشركون لمّا يئسوا من قتل رسول الله(ص)، وعادت جموعُهم إلى مكّة، وحمى الله رسوله والمدينة بسيف عليٍّ(ع)، ونزلت الآية تعاتب الفارّين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾.

ما هي الدروس التي نستفيدها من معركة (أُحُد)؟

أيُّها الأحبَّة، نستفيد من معركة (أُحُد) دروساً عدّة:

ضرورة أن يترك المسلمون للقيادة المعصومة المسدَّدة من قِبَل الله عزَّ وجلَّ القرار في إذارة أمور الأمّة. فإذا سُئلوا عن آرائهم أبدَوْها كاقتراحاتٍ قابلةٍ للنقض، ليقولوا بعدها مباشرةً: اللهُ ورسوله أعلم، ملتزمين بذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36). فلا يتأثَّروا بأقوال المنافقين سلباً أو إيجاباً؛ سلباً بأن يناقضوها فقد تكون هي الأصوب من حيث لا يعلم المنافقون صوابيّتها وسدادها؛ لعمى بصائرهم؛ وإيجاباً بموافقتها؛ لأنّها قد تكون خديعةً ومكيدة للمسلمين أنفسهم.

وأمّا إذا كانت القيادة غير معصومةٍ فلا بُدَّ لها من أن تقتدي برسول الله(ص) في استطلاع رأي جمهور المسلمين والمؤمنين، ولا سيَّما في الأمور التي يكون الغُرْم والخسارة فيها عليهم جميعاً، فيحقّ لهم أن يكونوا جزءاً من سلطة القرار.

بعد أن تجري الأحداث وتتسارع، فمن الضروريّ واللازم الامتثال لأوامر القيادة الحكيمة والرشيدة؛ فإنّها ـ ولو ظنّاً قويّاً، أي على الأرجح ـ أدرى بالمصلحة والمفسدة المترتِّبة على كلّ موقف وعمل. فحتّى لو كانت أوامرها لا توافق شهوة ومزاج الإنسان فلا بُدَّ له أن يلتزم بها، وإلاّ تحوَّلت الأمور إلى فوضى تغرق الواقع كلَّه، ولا يعرف أحدٌ حينها ما ستؤول إليه الأمور.

لزوم عدم التخلّي عن القيادة وعمّا كانت تمثِّله القيادة في وقت الشدائد والمِحَن. فمَنْ الذي أخبر أولئك الفارّين بأنّ رسول الله(ص) قد قُتل حقّاً. هو(ص) قد جُرح، وكُسرَتْ رباعيّته (مقدَّم أسنانه)، ولكنَّه لم يُقتَل. ثمّ لنفرض أنّه قد قُتل فهل انتهى الدِّين؟ هل انتهى الإسلام؟ إنّ مسيرة الإسلام لا تتوقَّف على أحدٍ، حتّى لو كان رسولاً، فإذا قُتل محمدٌ فإنّ ربَّ محمدٍ لم يُقتَل، فلنُقاتِل على ما قاتل عليه محمدٌ(ص). وما فعلوه يدلّ على القدر الكبير من الاستهانة بالدين والإسلام والله سبحانه وتعالى عند أولئك الفارّين. كما انّها تدلّ على مدى النِّفاق الذي حَوَتْه قلوبُهم. كما أنّ موقف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) في الدفاع عن رسول الله(ص)، وملازمته له كظلِّه، هو دليلٌ على مدى إخلاصه للرسالة ورمزها، الذي هو رسول الله(ص)، وعلى مدى وعي عليٍّ(ع) للتكليف الشرعيّ في الثبات على الخطّ، والتعلُّق بالنهج، لا التعلُّق بالشخص وإنْ كان عظيماً.

أيُّها الأحبَّة، تلك بعضُ الدروس من معركة (أُحُد)، التي نلتقي بذكراها اليوم، وقد تتجدَّد في كلِّ يوم، في كلِّ مواجهةٍ بين الحقّ والباطل، بين الهدى والضلال، بين الإخلاص والنِّفاق، وما أكثرها! وما أشدَّها! وما أحوجنا للثبات فيها؛ ليكون النَّصْر هبةَ الله لعباده المُخْلِصين. وآخرُ دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.



أكتب تعليقك