24 يوليو 2015
التصنيف : منبر الجمعة
لا تعليقات
3٬599 مشاهدة

عصارة شهر رمضان، من وحي (دعاء مكارم الأخلاق)

(الجمعة 24 / 7 / 2015م)(الجمعة 23 / 6 / 2017م)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّدٍ، وعلى آله الطيِّبين الطاهرين، وأصحابه المنتَجَبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

تمهيد

ها نحن نودِّع شهر رمضان إلى سنةٍ كاملة، ونعود بخروجه عنّا إلى ظروفٍ طبيعيّة كنّا نعيشها من قبلُ.

نعود إلى حيث الشياطين ـ شياطين الإنس والجنّ ـ مطلقة الحرّيّة، توسوس وتخنس، تغري الإنسان بالمعصية، وتزيِّن له الخطيئة، حتّى إذا اقترفها، وأصبح رهيناً لها، مسؤولاً عنها، تخلَّتْ عنه، وأسْلَمَتْه إلى مصيره المحتوم.

نعود إلى حيث أبواب الجنّة وأبواب النار بمنزلة سواء، وعلى الإنسان أن يختار من أيّ الأبواب يدخل.

وأمام هذا الواقع لا بُدَّ لنا أن نحتفظ بعصارة شهر رمضان، ممّا حصّلناه فيه من طهارةٍ روحيّة، وصفاء قلبيّ، وغنىً فكريّ وثقافيّ وتربويّ، ورضاً من الله سبحانه وتعالى، فإنْ أحسَسْنا في ذلك كلِّه نقصاً فعلينا أن نسعى جاهدين لتحصيل ما فات منه.

ومن هنا ينبغي لنا أن نعيد محاسبة أنفسنا على الدوام: «حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنُوها قبل أن تُوزَنوا، وتجهَّزوا للعَرْض الأكبر»([1])؛ أن نتخفَّف من أثقال المعاصي والذنوب والخطايا؛ ونعمل على تحصين أنفسنا بمفاهيم الإسلام وتعاليمه، نستخرجها من المأثور عن أهل بيت العصمة والطهارة(عم)، ومَنْ أَوْلى منهم لإرشاد الناس إلى ما يصلح حالَهم في الدارَيْن؟!

دعاء مكارم الأخلاق، للإمام عليّ بن الحسين(ع)

وهكذا نقف اليومَ مع فقراتٍ من دعاءٍ غنيّ بالمفاهيم الإسلاميّة، والتعاليم الإلهيّة، عنَيْتُ به (دعاء مكارم الأخلاق)، لمولانا الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين(عما). وكما يتَّضح من اسمه فقد عُني هذا الدعاء ببيان ما ينبغي على المَرْء أن يعمل له ويلتزم به في علاقته بربِّه؛ وعلاقته بنفسه؛ وعلاقته بالناس من حوله.

لا ينفع إلاّ إيمانٌ مع عمل

«اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ وآله، وبلِّغْ بإيماني أكْمَلَ الإيمان»، وهو الإيمان الذي لا يشوبه إنكارٌ ولا جحودٌ، وهو الإيمان الذي يستمرّ مع الإنسان حتّى الرَّمَق الأخير؛ ليُبْعَث عليه.

«واجعَلْ يقيني أفضلَ اليقين»، يقيناً لا يعترضه شكٌّ. وهذا ما تميَّز به أمير المؤمنين عليٌّ(ع)، حيث رُوي عنه(ع) أنّه قال: «لو كُشف لي الغِطاءُ ما ازدَدْتُ يقيناً»([2]).

«وانْتَهِ بنيَّتي إلى أحسن النيَّات»، فللنيّة الحظّ الأكبر في قبول الأعمال، حتّى لقد رُوي عن رسول الله الأكرم(ص) أنّه قال: «نيّةُ المؤمن خيرٌ من عمله؛ ونيّةُ الكافر شرٌّ من عمله، وكلُّ عاملٍ يعمل على نيّته»([3])؛ ورُوي عن مولانا زين العابدين(ع) أنّه قال: «لا عمل إلاّ بنيّةٍ»([4]).

«وبعملي إلى أحسن الأعمال»([5])؛ إذ لا بُدَّ للتوازن أن يبقى قائماً بين النيّة والعمل، فلا عمل بلا نيّة، ولا تنفع نيّةٌ ليس يعقبها عملٌ.

تهذيب النفس والعاقبة الحَسَنة

«اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ وآله، ولا ترفعني في الناس درجةً إلاّ حطَطْتَني عند نفسي مثلها، ولا تُحْدِثْ لي عِزّاً ظاهراً إلاّ أحدَثْتَ لي ذِلَّةً باطنة عند نفسي بقَدَرها»([6]). إنّه الدعاء بالتوفيق إلى تهذيب النفس وتزكيتها، والسموّ بها إلى درجةٍ من الإخلاص لا تمارس بعدها أيَّ نوعٍ من التكبُّر والترفُّع على الناس.

«اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ وآل محمدٍ…، وعمِّرْني ما كان عُمْري بِذْلةً في طاعتك»، فحُبُّ الحياة ليس شيئاً قبيحاً في ذاته، ولكنَّه يقبح عندما تكون الحياة مليئةً بالمعاصي والذنوب والآثام، فإذا خَلَتْ من ذلك كلِّه، وامتلأَتْ بطاعة الله وعبادته، صارت شيئاً حَسَناً، ولا ضَيْرَ في أن يطلبه الإنسان ويتمنّاه.

«فإذا كان عُمْري مَرْتَعاً للشَّيْطان فاقبَضْني إليكَ، قبل أن يسبِقَ مَقْتُكَ إليَّ، أو يستحكم غَضَبُكَ عليَّ»([7])؛ إذ ما دام الشيطان يسرح ويمرح بساحة عمري فإنّ معنى ذلك أنّه سيغريني بالمعصية والخطيئة وبما لا ترضاه ولا تقبل به، حتَّى أفعله، ثمّ يسوِّف لي التَّوْبة، فأستحقَّ حينئذٍ مَقْتَك وغَضَبَك وعقابَك، وهذا ما لا طاقة لي به.

المؤمنُ قويٌّ عزيز

«اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ وآله، واجعَلْ لي يَداً على مَنْ ظَلَمَني، ولساناً على مَنْ خاصَمَني، وظَفَراً بمَنْ عانَدَني، وهَبْ لي مَكْراً على مَنْ كايَدَني، وقدرةً على مَنْ اضْطَهَدَني»([8]). فالمؤمن ينبغي له أن يكون قويّاً قادراً على المطالبة بحقِّه، وتحصيله إنْ مُنِع منه. وهذا يُخالِف ما يعتقده البعض من أنّ المؤمن ينبغي أن يكون بسيطاً هادئاً رزيناً حتَّى لو ظَلَمه الآخرون، وبَغَوْا عليه، وحرموه حقوقَه كلَّها. والدليلُ من القرآن الكريم؛ إذ لمّا كان يحدِّثنا عن المؤمنين، وما لهم عند الله، ذكر لنا صفاتِهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (الشورى: 39). فهُمْ مكلَّفون بذلك؛ لإحقاق الحقِّ وإعزازه، وخِذْلان الباطل وإذلاله.

ادْفَعْ بالتي هي أحسنُ السيِّئةَ

«اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ وآله، وسدِّدْني لأن أُعارضَ مَنْ غَشَّني بالنُّصْح، وأَجْزِيَ مَنْ هَجَرني بالبِرّ، وأُثيب مَنْ حَرَمني بالبَذْل، وأُكافِئ مَنْ قَطَعني بالصِّلَة، وأُخالِف مَنْ اغْتابَني إلى حُسْن الذِّكْر». فعندما تكون المسألة شخصيّةً؛ فالعفو أفضل. فالعفو أوّلاً؛ وتصفية القلب من كلِّ حِقْدٍ وبُغْض وعَداوَة ثانياً؛ والإحسان ثالثاً. وهذا منتهى الخُلُق الكريم.

«وأن أَشْكُرَ الحَسَنة»، فالعملُ الحَسَن من أيِّ أحدٍ لا بُدَّ وأن يقابله الإنسان المؤمن بالشُّكْر والثناء. وقد رُوي عن سيِّدنا عليّ بن موسى الرضا(ع) أنّه قال: «مَنْ لم يشكر المُنْعِم من المخلوقين لم يشكر اللهَ عزَّ وجلَّ»([9]).

«وأُغْضي عن السَّيِّئة»([10]). وهذه صفةٌ جَعَلها الله لعباده الذين ارتضى عبوديَّتهم، فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً﴾ (الفرقان: 63).

حِلْية الصالحين وزينة المتَّقين

«اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ وآله، وحَلِّني بحِلْيَة الصالحين»، فهي أبهى حُلَّةٍ يتزيَّن بها الإنسان في دنياه وآخرته.

«وأَلْبِسْني زينةَ المتَّقين، في بَسْط العَدْل»، مع كلِّ الناس على السَّواء، فالعَدْل مطلوبٌ حتَّى مع الخصوم والأعداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8).

«وكَظْم الغَيْظ»، فلا أغضَبُ لأبسط الأسباب، وأحاوِلُ أن أبحث عن حلٍّ ملائم، بعقلٍ هادئ، وقلبٍ مطمئنّ.

«وإِطْفاء النائرة» ـ وهي العَداوة والشَّحْناء ـ، من خلال كَظْم الغَيْظ، والعَفْو عن الذَّنْب والإحسان إلى المُسيئين.

«وضَمِّ أهل الفُرْقة»، فقد يهيج أحدُهم في دعوةٍ لفتنةٍ أو فُرْقة أو خُصُومة أو عَداء، والمؤمنُ بحقٍّ هو مَنْ يتَّسِعُ صدرُه لهؤلاء جميعاً، ويعمل على إصلاحهم، ليعودوا من جديدٍ إلى ساحة الإيمان والتقوى.

«وإِصْلاح ذاتِ البَيْن»؛ فإنّه أفضل من عامّة الصلاة والصيام([11]).

«وإِفْشاء العارفة» [وهي الإحسان].

«وسَتْر العائبة. ولِين العَريكة»، في سَمَاحَة نَفْسٍ، وخُلُقٍ كريم.

«وخَفْض الجَناح»، للمؤمنين، والأرحام.

«وحُسْن السِّيرة»؛ لأكون القُدْوة في الأنام، وأكون من الدُّعاة إلى الله بغير لسانٍ.

«وسُكون الرِّيح»، فلا أكونُ ممَّنْ سُرعان ما يتملَّكه الغضب، فيُزْبِد ويُرْعِد، ويَتَوَعَّد ويُهَدِّد.

«وطِيب المُخالَقة. والسَّبْق إلى الفَضيلة. وإيثار التفضُّل. وتَرْك التعيير» بقبيح الأفعال، وإنْ كان الفاعلُ يتحمَّل مسؤوليَّتها كاملةً أمام الله عزَّ وجلَّ. وكذلك ينبغي ترك الشَّماتة بالناس عند المُصيبة والبلاء؛ فإنّ مَنْ ابتلاهم قادرٌ على أن يَبْتَلِيَك بمثل ذلك وأعظم.

فَقُلْ للشامِتين بنا أَفِيقُوا

سَيَلْقى الشامِتون كَما لَقينا

«والإِفْضال على غير المُسْتَحِقّ. والقَوْل بالحَقّ وإنْ عَزَّ»، وإنْ كان مُرّاً، وكانت فيه الخسارة المادّيّة أو المعنويّة في هذه الحياة الدنيا.

«واستقلال الخَيْر وإنْ كَثُر من قولي وفعلي»، فلا أرْكَنُ إلى عملي، الذي قد أخالُه كثيراً وهو في الواقع قليلٌ، ورُبَما أكون قد أرسلْتُ عليه ناراً ـ من مَنٍّ أو أذىً أو عُجْبٍ أو رياء ـ فأحرقْتُه، فصار هباءً منثوراً.

«واستكثار الشَّرّ وإنْ قَلَّ من قولي وفعلي»؛ حتَّى لا يتولَّد لديَّ شيءٌ من الأَمْن من مَكْر الله.

«وأَكْمِلْ ذلك لي بدوام الطَّاعة»؛ فقليلٌ مَدُومٌ عليه خيرٌ من كثيرٍ مَمْلول منه([12]).

«ولُزوم الجَماعة»؛ فإنّ يد الله مع الجماعة([13]).

«ورَفْض أَهْل البِدَع» في الدِّين، «ومُسْتَعْمِلي الرَّأْي المُخْتَرَع»([14])، فلا أتَّبِعُهم في ما يَدْعُون إليه، وإنَّما أتصدّى بكلِّ ما أُوتيتُ من عِلْمٍ وطاقة لبيان زَيْف ما يدَّعُون.

تجلِّيات التوحيد الحقّ

وينتقل الإمام زين العابدين(ع) للحديث عن الحالة التي ينبغي للإنسان المؤمن أن يكون عليها في علاقته بربِّه، وهي حالة الثِّقَة به، والتوكُّل عليه، سؤاله والتضرُّع إليه، والخضوع بين يدَيْه، ولكنْ بشرط أن لا يُشْرِكَ مع الله أحداً في ذلك كلِّه، فيقول:

«اللهُمَّ اجْعَلْني أَصُول بكَ عند الضَّرورة، وأَسْألُك عند الحاجة، وأَتَضَرَّع إليكَ عند المَسْكَنة، ولا تَفْتِنّي بالاستعانة بغَيْركَ إذا اضْطُرِرْتُ، ولا بالخُضوع لسؤال غَيْركَ إذا افْتَقَرْتُ، ولا بالتَّضَرُّع إلى مَنْ دونك إذا رَهِبْتُ».

لماذا؟ وما هي نتائج ذلك؟

«فأسْتَحِقَّ بذلك خِذْلانَكَ ومَنْعَكَ وإعْراضَكَ، يا أرحم الراحمين»([15]). فهل نطيق ذلك، ونحن الذين نعاني ما نعاني ونحن في لطف الله؟! فكيف لو تخلّى الله عنّا طَرْفة عينٍ، وأسلمنا إلى أنفسنا؟! هذا ما كان يخاف منه رسول الله الأكرم(ص) والأئمّة الأطهار(عم)، وهم مَنْ هم في الطاعة والمنزلة. فها هو رسول الله(ص) يدعو ربَّه قائلاً: «ولا تكِلْني إلى نفسي طَرْفة عينٍ أبداً»([16])؛ وها هو مولانا زين العابدين(ع) يقول في دعائه: «اللهُمَّ لا تكِلْني إلى نفسي فأعجز عنها، ولا تكِلْني إلى المخلوقين فيضيِّعوني»([17])، فكيف بنا نحن الخاطئون المذنبون الذين تغرينا أحقر المعاصي وأرذلها؟!

اللهُ هو المَفْزَع والمُنْجي

ويتابع الإمامُ(ع)، مستعيناً بالله على نفسه وعلى غيره: «اللهُمَّ اجْعَل ما يُلقي الشيطان في رَوْعي، من التمنّي والتظنّي والحسد، ذكراً لعظمتك، وتفكُّراً في قدرتك، وتدبيراً على عدوِّك، وما أجرى على لساني، من لفظة فُحْشٍ أو هَجْر أو شتم عِرْضٍ أو شهادة باطلٍ أو اغتياب مؤمنٍ غائب أو سبِّ حاضرٍ وما أشبه ذلك، نطقاً بالحمد لك، وإغراقاً في الثناء عليك، وذهاباً في تمجيدك، وشكراً لنعمتك، واعترافاً بإحسانك، وإحصاءً لمِنَنك». فالشيطان لا ييأس، ويبقى يحاول ويحاول للإيقاع بنا ولو في بعض المعاصي، وكلُّها كبيرةٌ بلحاظ مَنْ نعصي، فإذا هَوَينا في ذلك الوادي المظلم السحيق، ذلك المستنقع النَّتِن، فلا منجي لنا إلاّ الله، بلطفه وكرمه، يخرجنا من الظلمات إلى النور، ويستنقذنا من سيِّئات أعمالنا. وعليه فالمفزع إليه سبحانه وتعالى أن يزيِّن لنا الطاعة، ويحبِّب إلينا العبادة؛ لعلّ ذلك يكون كفّارةً لما أسلفناه؛ فـ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود: 114).

«اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ وآله، ولا أُظْلَمَنَّ وأنتَ مطيقٌ للدَّفْع عنّي»، فأنا عَبْدُك الضعيف المسكين المستكين، وأنتَ المولى والسيِّد والربُّ الرحيم، ومَنْ أولى بحماية العَبْد من سيِّده ومولاه.

«ولا أَظْلِمَنَّ وأنتَ القادر على القَبْض منّي»، فلا طاقة لي بعقوبتك، ولا مفرَّ لي من سخطك، فكرِّهْ إليَّ ظَلْمَ الناس والاعتداء عليهم.

«ولا أَضِلَّنَّ وقد أمكَنَتْك هدايتي»، وأنتَ الهادي إلى الحقّ: ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (يونس: 25).

«ولا أَفْتَقِرَنَّ ومن عندك وُسْعي» ـ جِدَتي وطاقتي ـ، فـ ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ﴾ (الشورى: 19).

«ولا أَطْغَيَنَّ ومن عندك وُجْدي»([18]) ـ يساري وسعتي ـ، فأيُّ سببٍ يدعوني إلى الطغيان ووجودي كلُّه ليس بيدي، فأنا المحتاجُ دائماً، والفقيرُ أبداً.

السلامة في الدِّين والدنيا

«اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ وآله، ومتِّعْني بالاقتصاد»، فلا أُسْرِف ولا أَبْخَل.

«واجْعَلْني من أهل السَّداد» في الرَّأْي، والتوفيق في العمل.

«ومن أَدِلّة الرَّشاد»، الذين يرشدون الضَّالِّين من العباد إلى صراط الله المستقيم.

«ومن صالحي العِباد. وارْزُقْني فَوْزَ المَعاد»، فأنجو من عذاب النار، وأدخل الجنّة وأَرْتَع في نعيمها، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185).

«وسلامة المِرْصاد»([19])، تلك العَقَبة الكَؤُود التي فيها الحِسابُ على مظالم العِباد([20]).

خيرُ الأعمال خواتيمُها

«اللهُمَّ وأنْطِقْني بالهُدى، وأَلْهِمْني التَّقْوى، وَوَفِّقْني للتي هي أَزْكى، واسْتَعْمِلْني بما هو أَرْضى»؛ لترضى به عنّي أكثر، ولأَقْرُب به إليك أكثر.

«اللهُمَّ اسْلُكْ بِيَ الطَّريقةَ المُثْلى، واجْعَلْني على مِلَّتكَ أَمُوت وأَحْيا»([21]). فليس المهمّ متى أموت؟ وأين أموت؟ وكيف أموت؟، بل المهمّ على أيِّ دينٍ أموت؟ أعلى الإيمان أم على الكفر؟ وذاك ـ أيُّها الأحِبَّة ـ سؤالٌ لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا لحظةً واحدة؛ لأنّ مصيرنا كلَّه يتعلَّق بتلك اللحظات الأخيرة من حياتنا؛ فإنّ الشيطان يستنفد كلَّ جهده آنذاك في الإغراء والإغواء؛ لأنّه يعلم أنّه إذا لم ينجح هذه المرّة فلا إمكانيّة للتجربة مرّة أخرى. وما أكثر ما انتقل مؤمنون إلى الكفر، كما انتقل منحرفون إلى الحقّ والصواب! ومن هنا كان تأكيد الأئمّة الأطهار(عم) على جعل خاتمات الأعمال أفضلها وأحسنها. فها نحن نسمع أمير المؤمنين ـ وهو مَنْ هو في إيمانه وإخلاصه ـ يقول: «وأسألك…، أن تصلّي على محمدٍ وآل محمدٍ، وأن تجعل خير عُمْري آخره، وخير أعمالي خواتيمها»([22])؛ ونسمع مولانا زينَ العابدين(ع) ـ وكذلك إمامُنا الصادق(ع) ـ يدعو بهذا الدعاء: «اللهُمَّ إنّي أسألك إيماناً لا أَجَل له دون لقائك، أحْيِني ما أحيَيْتَني عليه، وتوفَّني إذا توفَّيْتَني عليه، وابْعَثْني إذا بعثْتَني عليه»([23]).

مسك الختام: دعاءٌ وابتهال

ونختم حديثَنا برائعةٍ من روائع هذا الدعاء لسيِّدنا ومولانا عليِّ بن الحسين، حيث يقول: «اللهُمَّ خُذْ لنفسك من نفسي ما يُخَلِّصُها، وأَبْقِ لنفسي من نفسي ما يُصْلِحُها؛ فإنّ نفسي هالِكَةٌ أو تَعْصِمَها»([24]).

**********

الهوامش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) رواه الحُرّ العاملي في وسائل الشيعة 16: 99، نقلاً عن: عليّ بن موسى بن طاووس في كتاب (محاسبة النفس)، مرفوعاً إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلَّم.

([2]) رواه ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب 1: 317، معلَّقاً عن حنش الكنانيّ، عن عليٍّ.

([3]) رواه الكليني في الكافي 2: 84، عن عليّ [بن إبراهيم]، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله(ع)، عن رسول الله(ص).

وروى الصدوق في علل الشرائع 2: 524، عن أبيه(ر)، عن حبيب بن الحسين الكوفيّ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن أحمد بن صبيح الأسديّ، عن زيد الشحّام قال: قلتُ لأبي عبد الله(ع): إنّي سمعتُك تقول: نيّة المؤمن خيرٌ من عمله، فكيف تكون النية خيراً من العمل؟ قال: «لأن العمل ربما كان رياءً للمخلوقين، والنيّة خالصةٌ لربّ العالمين، فيعطي تعالى على النيّة ما لا يعطي على العمل».

([4]) رواه الكليني في الكافي 2: 84، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة، عن عليّ بن الحسين (صلوات الله عليهما).

وروى الطوسي في الأمالي: 618، عن جماعةٍ، عن أبي المفضَّل، عن أحمد بن إسحاق بن العباس أبي القاسم الموسوي، عن أبي إسحاق بن العباس، عن إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد، عن عليّ بن جعفر بن محمد وعليّ بن موسى بن جعفر ـ هذا عن أخيه، وهذا عن أبيه موسى بن جعفر ـ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين، عن أبيه عليّ بن أبي طالب(عم)، أن رسول الله(ص) أغزى عليّاً(ع) في سريّةٍ، وأمر المسلمين أن ينتدبوا معه في سريّته، فقال رجلٌ من الأنصار لأخٍ له: اغْزُ بنا في سريّة عليٍّ؛ لعلّنا نصيب خادماً أو دابّة أو شيئاً نتبلَّغ به، فبلغ النبيّ(ص) قوله، فقال: «إنّما الأعمال بالنيّات، ولكلِّ امرئٍ ما نوى، فمَنْ غزا ابتغاء ما عند الله فقد وقع أجره على الله، ومَنْ غزا يريد عَرَض الدنيا أو نوى عقالاً لم يكن له إلاّ ما نوى».

([5]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 110.

([6]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 110.

([7]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 110 ـ 111.

([8]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 111.

([9]) رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا(ع) 1: 27، عن عليّ بن أحمد بن محمد بن عمران الدقّاق ومحمد بن أحمد السناني والحسين بن إبراهيم أحمد المكتّب(رم)، عن أبي محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن سهل بن زياد الآدمي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن محمود بن أبي البلاد [ولا وجود لهذا الراوي بهذا الاسم في كتب الرجال، والصحيح: عن إبراهيم بن أبي محمود]، عن الرضا(ع).

وروى الصدوق في الخصال: 156، عن محمد بن عليّ ماجيلويه(رض)، عن أبيه، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن السيّاري، عن الحارث بن دلهاث، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا(ع) أنّه قال: «إنّ الله عزَّ وجلَّ أمر بثلاثةٍ مقرونٍ بها ثلاثةٌ أخرى: أمر بالصلاة والزكاة، فمَنْ صلّى ولم يزكِّ لم تقبل منه صلاته؛ وأمر بالشكر له وللوالدين، فمَنْ لم يشكر والدَيْه لم يشكر الله؛ وأمر باتّقاء الله وصلة الرحم، فمَنْ لم يصِلْ رحمه لم يتَّقِ اللهَ عزَّ وجلَّ».

وروى الكليني في الكافي 2: 99، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن عمّار الدهني، عن عليّ بن الحسين(عما) أنّه قال: «إنّ الله يحبّ كلَّ قلبٍ حزين، ويحبّ كلَّ عبدٍ شكور، يقول الله تبارك وتعالى لعبدٍ من عبيده يوم القيامة: أَشَكرْتَ فلاناً؟ فيقول: بل شكرتُك يا ربّ، فيقول: لم تشكُرْني؛ إذ لم تشكُرْه، ثم قال: أَشْكرُكُم لله أَشْكرُكُم للناس».

([10]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 111 ـ 112.

([11]) نهج البلاغة 3: 76، من وصيّةٍ له(ع) للحسن والحسين(عما) لمّا ضربه ابن ملجم، مرفوعاً إلى رسول الله(ص).

وقد رواه الكليني في الكافي 7: 49 ـ 51، عن أبي عليّ الأشعريّ، عن محمد بن عبد الجبّار؛ ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، [جميعاً]، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: بعث إليَّ أبو الحسن موسى(ع) بوصيّة أمير المؤمنين(ع)….

([12]) نهج البلاغة 4: 103.

([13]) رواه الترمذي في السنن / الجامع الصحيح 3: 316، عن يحيى بن موسى، عن عبد الرزّاق، عن إبراهيم بن ميمون، عن ابن طاؤوس، عن أبيه، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله(ص): يد الله مع الجماعة. ثمّ قال: هذا حديثٌ غريب لا نعرفه من حديث ابن عبّاس إلاّ من هذا الوجه.

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 221: وعن عرفجة قال: سمعتُ رسول الله(ص) يقول: يد الله مع الجماعة، والشيطان مع مَنْ خالف يركض. رواه الطبراني، ورجالُه ثقاتٌ.

([14]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 112.

([15]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 112 ـ 113.

([16]) رواه الكليني في الكافي 2: 524، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن شريف بن سابق، عن الفضل بن أبي قرّة، عن أبي عبد الله(ع) قال: ثلاث تناسخها الأنبياء، من آدم(ع) حتَّى وصلْنَ إلى رسول الله(ص)، كان إذا أصبح يقول: «اللهُمَّ إني أسألك إيماناً تباشر به قلبي، ويقيناً حتّى أعلم أنه لا يصيبني إلاّ ما كتبتَ لي، ورضِّني بما قسمت لي». ورواه بعض أصحابنا، وزاد فيه: «حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخَّرتَ، ولا تأخير ما عجَّلتَ. يا حيُّ يا قيّوم، برحمتك أستغيث، أصلِحْ لي شأني كلَّه، ولا تكِلْني إلى نفسي طَرْفة عينٍ أبداً، وصلّى الله على محمدٍ وآله».

([17]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 145: قال زيد بن أسلم: كان من دعاء عليّ بن الحسين(عما)….

([18]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 113.

([19]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 114.

([20]) رواه الكليني في الكافي 2: 331، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن [عبد الله بن محمد] الحجّال، عن غالب بن محمد، عمَّنْ ذكره، عن أبي عبد الله(ع) أنّه قال، في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14]: «قنطرةٌ على الصراط، لا يجوزها عبدٌ بمَظْلَمةٍ».

ورواه الصدوق في ثواب الأعمال: 272، عن أبيه(رض)، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد….

([21]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 114.

([22]) رواه الحسن بن الفضل الطبرسيّ في مكارم الأخلاق: 329 ـ 330، معلَّقاً عن أمير المؤمنين(ع).

([23]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 232؛ ورواه الكليني في الكافي 2: 585 ـ 586، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ، عن كرّام، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله(ع) أنه كان يقول: «اللهُمَّ…، أسألكَ إيماناً لا أجل له دون لقائك، تحييني وتميتني عليه، وتبعثني عليه إذا بعثتني».

([24]) الصحيفة السجّادية (أبطحي): 114.



أكتب تعليقك