6 سبتمبر 2019
التصنيف : سلسلة (سؤال وجواب)
لا تعليقات
86 مشاهدة

ذكرى عاشوراء، وإشكاليّة أساليب الإحياء (6)

سؤال: هناك وجهتا نظر بمسألة التطبير(ضرب حيدر):

أـ رأي يقول أنها تعبّر عن الحب العميق والمواساة للإمام الحسين(ع).

ب ـ ورأي يقول أنها مظهر تخلّف وأنها تشوّه صورة مذهب أهل البيت(عم).

فماذا ترَوْن؟

الجواب: هل المطلوب المواساة أو المساواة؟

المطلوب هو المواساة للحسين(ع)، وليس المساواة، وإلاّ للزم قطع الإصبع، وسَلْب الثياب، وحزّ الرأس، وسَبْي العيال. فهل يرضى أحدٌ بذلك؟!

أمّا مسألة تشويه صورة المذهب فهي مسألةٌ خلافيّة:

فالبعض يرى أنّ التطبير يشوِّه صورة المذهب، ويسيء إلى صورة أتباع أهل البيت(عم) ونهجهم، ولذا يراه حراماً من هذا الباب، وبسبب هذا العنوان الثانوي.

وفي المقابل هناك مَنْ يرى أنّ التطبير يعطي صورةً مشرقة عن نهج الفداء والتضحية، الذي يتمسَّك به أتباع أهل البيت(عم)، وهم بفعلهم هذا يبرهنون على صدقهم وعزمهم على التضحية، ولا يمنعهم من ذلك مانعٌ، فها هم يريقون دماءهم مواساةً للحسين في مصابه، ولن يبخلوا بها في الدفاع عن نهجه وخطِّه.

المسألة خلافيّةٌ، ولا مجال للقول الفصل فيها، فهي تتبع المبنى الفكري، والذوق الشخصي، والحضور الاجتماعي، لكلِّ مجتهدٍ وفقيه.

ولذا نجد من الأنسب أن تُقارَب المسألة من ناحيةٍ أخرى، أي من ناحية العنوان الأوّلي.

وقد ذكر المجيزون للتطبير جملةً من الأدلّة، وأهمُّها:

1ـ التمسُّك بقولهم(عم): «أحيوا أمرنا، فرحم الله مَنْ أحيا أمرنا».

بتقريب أنّ التطبير وغيره من الأعمال (كاللطم العنيف، وضرب الزنجير، و…) من مصاديق إحياء أمرهم، فلا بأس به، بل هو مطلوبٌ ومحبوب.

وقفةٌ نقديّة

أوّلاً: ما هو معنى الحديث؟

روى الطوسي بإسناده عن معتب مولى أبي عبد الله(ع) قال: سمعتُه يقول لداوود بن سرحان: «يا داوود، أبلغ مواليَّ عنّي السلام، وأني أقول: رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكرا أمرنا؛ فإنّ ثالثهما مَلَكٌ يستغفر لهما. وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلاّ باهى الله (تعالى) بهما الملائكة. فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر؛ فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءَنا. وخيرُ الناس من بعدنا مَنْ ذاكر بأمرنا، ودعا إلى ذكرنا»([1]).

وهي دعوةٌ إلى تذاكر أمرهم، فهل هي دعوةٌ إلى استعراض علومهم وأوامرهم ونواهيهم أم هي دعوةٌ لعَرْض سيرتهم ومظلوميّتهم ومصائبهم؟

ما هو المراد من الذِّكر؟ هل هو العلم أو مجرَّد اللهج بأسمائهم، وعرض سيرتهم؟

كلا التفسيرَيْن واردٌ ومقبولٌ.

وقد يُقال بترجيح المعنى الأوّل بما رُوي عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا(ع) يقول: «رحم الله عبداً أحيا أمرنا، فقلتُ له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلَّم علومنا، ويعلِّمها الناس؛ فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتَّبعونا…، الحديث»([2]).

وقد يُقال بترجيح المعنى الثاني؛ لما رُوي عن أبي عبد الله(ع) أنّه قال: «أحيوا أمرنا؛ إنّه مَنْ ذكرنا وذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذبابة غفر الله ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر»([3]).

ثانياً: في الطائفة الثانية من الروايات دلالةٌ على مطلوبيّة الحديث في مصائبهم. ولكنّها تعتبر أنّ مصداق الإحياء هو عَرْض سيرتهم، أو فلنقُلْ: إنّ إحياء أمرهم يتحقَّق بعرض سيرتهم. فما الداعي لفعل غيره، ولا سيَّما مع الشكّ في كونه إحياءً لأمرهم؟!

إذن بالإتيان بمصداقٍ واحد يتحقَّق إحياء الأمر، فلا داعي لمصداقٍ آخر، ومَنْ لا يفعله فليس بناقص الإيمان والولاء، أو مقصِّراً في حقِّهم وإحياء أمرهم.

ثالثاً: لو سلَّمنا بأنّ المطلوب الإحياء بجميع مصاديقه فهل التطبير من أمرهم أو هو من نهيهم؟

لم يثبت عن أحدٍ من المعصومين(ع) أنّه قام به، أو أمر به، وهذا يعني أنّه ليس من أمرهم. بل رُبَما يُقال: إنّه ممّا نهوا عنه، وحرَّموه، كما سيأتي في الدليل الثالث (تحريم أنواع كثيرة من الجَزَع).

2ـ التمسُّك بكونه من الشعائر الحسينيّة، وهي من شعائر الله، والشعائر مستحبّةٌ.

وقفةٌ نقديّة

إنّ الشعائر توقيفيّة؛ إذ قد أضافها الله إلى نفسه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ﴾ (المائدة: 2)، وقال أيضاً: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحجّ: 32). وبيَّن في موارد كثيرة أنّ بعض الأعمال من شعائر الله، كما في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (البقرة: 158)، في دلالةٍ ظاهرة على أنّ بيده تبارك وتعالى تعيين الشعائر. وأوضح من ذلك قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (الحجّ: 36)، فجعل أمرٍ ما وصيرورته من الشعائر إنّما هو بيد الله تبارك وتعالى.

نعم، هناك مَنْ يرى أنّ الشعائر غير توقيفيّة، وهكذا تتكثَّر الشعائر بين يدَيْه، وربما تبلغ المئات، بل الآلاف!

 3ـ عدم حرمة الجَزَع على الحسين(ع)؛ لما رُوي عن أبي عبد الله الصادق(ع) أنّه قال: «كلُّ الجَزَع والبكاء مكروهٌ، سوى الجزع والبكاء على الحسين(ع)»([4]).

وقفةٌ نقديّة

ما هو الجَزَع المستثنى؟

قالوا: يشمل كلَّ مصاديقه، ومنها: الصراخ بالوَيْل، والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجزّ الشعر.

وفيه: أوّلاً: إنّ الحسين(ع) نهى أخته عن ذلك، حيث روى الطبري في تاريخه أن الحسين(ع) قال لها: «يا أخية، إنّي أقسم عليكٍ، فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليَّ بالوَيْل والثبور، إذا أنا هلكتُ»([5]).

وثانياً: لقد نهى النبيّ(ص) عن الجَزَع حتّى عليه(ص)، كما يدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين عليٍّ(ع)، مؤبِّناً رسول الله(ص): «ولولا أنك أمرْتَ بالصبر، ونهيْتَ عن الجَزَع، لأنفدنا عليك ماء الشؤون»([6]).

فالإمام عليٌّ(ع) يخبر بنهي الرسول(ص) عن الجَزَع، ويطبِّق ذلك على استنفاد ماء العيون الجاري من شؤونه، وهي منابع الدمع من الرأس، فهو يرى أنّ هذا المقدار من الجَزَع منهيٌّ عنه، فهو حرامٌ، فكيف بما هو أشدّ منه؟!

وعليه فالمعنى المراد من الجَزَع في كلام مولانا الصادق(ع) هو أن يظهر من حال المَرْء أنّه غيرُ ناسٍ لمصابهم، ولا قالٍ لهم، وأنّه عند ذكرهم وفي مصابهم هو غير ما هو عليه في غير ذلك من الحالات، ويشهد لذلك ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات، عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري، عن أبي عبد الله(ع) ـ في حديثٍ طويل ـ، قال لي: «أفما تذكر ما صُنع به؟ قلتُ: نعم، قال: فتجزع؟ قلتُ: إي والله، وأستعبر لذلك، حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليَّ، فأمتنع من الطعام حتّى يستبين ذلك في وجهي، قال: رحم الله دمعتك، أما إنّك من الذين يعدّون من أهل الجَزَع لنا…، الحديث»([7]).

إذن المراد من الجَزَع في الرواية ـ على فرض صحّتها ـ هو البكاء المستمرّ، المرافق لتوجُّع القلب، وظهور الحزن، وما قد يرافق ذلك من قطع الطعام والشراب، وليس الجَزَع بمعنى إيذاء النفس، وإتلاف عضوٍ أو ما شاكل ذلك.

4ـ ضرب (نطح) السيِّدة زينب(عا) لرأسها بمقدَّم المحمل، وسيلان الدم منه، حيث روى المجلسي في بحار الأنوار، «أن زينب(عا) التفتت فرأت رأس أخيها، فنطحت جبينها بمقدَّم المحمل، حتّى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها، وأومأت إليه بخرقةٍ، وجعلت تقول: يا هلالاً لمّا استتمّ كمالاً…، الحديث»([8]).

وقفةٌ نقديّة

أوّلاً: إنّه لو صحّ فهو لا يدلّ على أنّ إخراج الدم كان عملاً مقصوداً لمولاتنا زينب(عا)، ولربما وقع عن طريق الاتّفاق والخطأ.

ثانياً: إنّها(عا) قد شهدَتْ ما جرى، وهو فظيعٌ، فكانت ردّةُ فعلها بهذا الشكل العفويّ. ولا يُقاس عليها حال المؤمنين اليوم.

ثالثاً: إنّها(عا) ليست بالمعصومة التي لا تخطئ، فقد تكون أخطأَتْ. والإمام السجّاد(ع) كان بعيداً عنها، على ناقته، فلم يَرَها، ولم يَنْهَها؛ لأنّ عملها لم يكن بمحضرٍ منه.

رابعاً: إنّ وصيّة الإسلام واضحةٌ صريحة في تحريم مثل هذه الأمور على النساء في المصائب، مهما كانت عظيمة، وكائناً مَنْ كان هذا المتوفَّى والفقيد، ولو كان بعظمة وفضل رسول الله(ص)([9]).

خامساً: إنّ وصيّة الحسين(ع) لمولاتنا زينب(عا)، ولجميع عياله، واضحةٌ، بأن لا تشقّ عليه جيباً، ولا تخمش عليه وجهاً، ولا تدعو عليه بالوَيْل والثبور([10]).

فهل خالفَت زينب هذه الوصيّة؟! حاشا وكلاّ أن نصدِّق شيئاً كهذا. فإنْ كان قد وقع فهو من قبيل: الخطأ، والعمل غير المقصود، ولا تؤاخَذ عليه، ولا يُقتدى بها فيه.

وفي ختام هذا البحث لا بُدَّ من الإشارة إلى أهمّ أدلّة القائلين بحرمة التطبير:

1ـ حرمة الضَّرَر، سواء كان خطيراً (معتدّاً به) أم لا. فكلُّ ضررٍ، مهما كان حجمه، ولو بمستوى حدوث مرضٍ يبرأ منه بعد أيّامٍ، هو عملٌ محرَّم.

وهنا يناقش بعضُ العلماء بأنّ القَدَر المتيقَّن من الضَّرَر الحرام هو الضَّرَر المعتدّ به، المؤدِّي إلى التهلكة أو إلى فقد عضوٍ من الأعضاء، دون سائر أنواع الضَّرَر. والشاهدُ العُرْف.

2ـ حرمة الأذى والإيذاء، وهو الضَّرَر الخفيف المحتَمَل؛ لقوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ﴾ (آل عمران: 111)؛ وقوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186)؛ وقوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ (النساء: 102).

وقد دلَّت على حرمته آياتٌ عديدة:

منها: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (البقرة: 196).

ومنها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222).

والأذى شاملٌ للضَّرَر الجسدي والمعنوي. ما يعني أنّه يحرم تعريض النفس لأيّ ضررٍ كان، صغيراً كان أو كبيراً، جسديّاً كان أو معنويّاً.

**********

الهوامش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) الطوسي، الأمالي: 224، عن محمد بن محمد، عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن القاسم بن محمد، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن جدّه، عن عبد الله بن حمّاد الأنصاري، عن جميل بن درّاج، عن معتب مولى أبي عبد الله(ع)…، الحديث.

([2]) الصدوق، عيون أخبار الرضا(ع) 2: 275، عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطّار رضي الله عنه، عن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، عن حمدان بن سليمان، عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا(ع)…، الحديث. ورواه الصدوق أيضاً في معاني الأخبار: 180.

([3]) الصدوق، ثواب الأعمال: 187، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن إسحاق بن سعيد، عن بكر بن محمد الأزدي، عن أبي عبد الله(ع) قال: تجلسون وتتحدّثون؟ قال: قلتُ: جُعلت فداك، نعم، قال: «إنّ تلك المجالس أحبُّها، فأحيوا أمرنا؛ إنه مَنْ ذكرنا وذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذبابة غفر الله ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر».

البرقي، المحاسن 1: 63، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن بكر بن محمد، عن فُضيل بن يسار، عن أبي عبد الله(ع) قال: «مَنْ ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر».

جعفر بن محمد بن قولويه، كامل الزيارات: 207، عن حكيم بن داوود، عن سلمة، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بكر بن محمد، عن فُضيل بن يسار، عن أبي عبد الله(ع) قال: «مَنْ ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر».

الحميري، قرب الإسناد: 36، عن أحمد بن إسحاق بن سعد، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله(ع)، قال: قال لفضيل: تجلسون وتحدثون؟ قال: نعم، جعلت فداك. قال: «إنّ تلك المجالس أحبُّها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله مَنْ أحيى أمرنا. يا فضيل، مَنْ ذكرنا ـ أو ذكرنا عنده ـ فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر».

([4]) الطوسي، الأمالي: 161 ـ 162، عن محمد بن محمد، عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن. قولويه(ر)، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب الزرّاد، عن أبي محمد الأنصاري، عن معاوية بن وهب قال: كنتُ جالساً عند جعفر بن محمد(ع) إذ جاء شيخٌ قد انحنى من الكِبَر، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال له أبو عبد الله: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. يا شيخ، ادْنُ منّي، فدنا منه، فقبَّل يده، فبكى، فقال له أبو عبد الله(ع): وما يبكيك يا شيخ؟…، وقال(ع): «كلُّ الجَزَع والبكاء مكروهٌ، سوى الجزع والبكاء على الحسين(ع)».

([5]) تاريخ الطبري 4: 318 ـ 319.

([6]) نهج البلاغة 2: 228، من كلامٍ لأمير المؤمنين(ع) قاله وهو يلي غسل رسول الله(ص) وتجهيزه: «بأبي أنت وأمّي، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة، والأنباء، وأخبار السماء. خصصْتَ حتّى صرت مسلّياً عمَّنْ سواك، وعممْتَ حتّى صار الناس فيك سواء. ولولا أنك أمرْتَ بالصبر، ونهيْتَ عن الجَزَع، لأنفدنا عليك ماء الشؤون، ولكان الداء مماطلاً، والكمد محالفاً، وقلا لك، ولكنّه ما لا يملك ردّه، ولا يستطاع دفعه. بأبي أنت وأمي، اذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك».

([7]) ابن قولويه، كامل الزيارات: 203 ـ 206، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن عليّ بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حمّاد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصمّ، عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري قال: قال لي أبو عبد الله(ع): يا مسمع، أنت من أهل العراق، أما تأتي قبر الحسين(ع)؟! قلتُ: لا، أنا رجلٌ مشهور عند أهل البصرة، وعندنا مَنْ يتبع هوى هذا الخليفة، وعدوّنا كثيرٌ من أهل القبائل من النصّاب وغيرهم، ولستُ آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثِّلون بي، قال لي: أفما تذكر ما صنع به؟ قلتُ: نعم، قال: فتجزع؟ قلتُ: إي والله، وأستعبر لذلك، حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليَّ، فأمتنع من الطعام حتّى يستبين ذلك في وجهي، قال: رحم الله دمعتك، أما إنّك من الذين يعدّون من أهل الجَزَع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنّا، أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك، ووصيّتهم ملك الموت بك، وما يلقونك به من البشارة أفضل، وملك الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمة لك من الأم الشفيقة على ولدها، قال: ثمّ استعبر واستعبرتُ معه، فقال: الحمد لله الذي فضّلنا على خلقه بالرحمة، وخصنا أهل البيت بالرحمة، يا مسمع، إنّ الأرض والسماء لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين(ع) رحمةً لنا، وما بكى لنا من الملائكة أكثر، وما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا، وما بكى أحدٌ رحمةً لنا ولما لقينا إلاّ رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا سالت دموعه على خدِّه فلو أن قطرةً من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرَّها حتّى لا يوجد لها حرٌّ، وإن الموجَع قلبُه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحةً لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتّى يرد علينا الحوض، وإنّ الكوثر ليفرح بمحبِّنا إذا ورد عليه حتّى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه…، الحديث.

([8]) المجلسي، بحار الأنوار 45: 115: ثمّ إنّ أمّ كلثوم أطلعت رأسها من المحمل، وقالت لهم: صه يا أهل الكوفة، تقتلنا رجالكم، وتبكينا نساؤكم؟ فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء. فبينما هي تخاطبهنَّ إذا بضجّةٍ قد ارتفعت، فإذا هم أتوا بالرؤوس، يقدمهم رأس الحسين(ع)، وهو رأسٌ زهري قمري، أشبه الخلق برسول الله(ص)، ولحيته كسواد السبج، قد انتصل منها الخضاب، ووجهه دارة قمر طالع، والرمح تلعب بها يميناً وشمالاً، فالتفتت زينب، فرأت رأس أخيها، فنطحت جبينها بمقدَّم المحمل، حتّى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها، وأومأت إليه بخرقةٍ، وجعلت تقول:

يا هلالاً لمّا استتمّ كمالا غاله خسفه فأبدى غروبا

…، الحديث.

([9]) الكليني، الكافي 5: 526 ـ 527، عن عدّةٍ من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن رجلٍ، عن أبي عبد الله(ع)، في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: 12]، قال: «المعروف أن لا يشققن جيباً، ولا يلطمن خدّاً، ولا يدعون وَيْلاً، ولا يتخلَّفْنَ عند قبرٍ، ولا يسوِّدْنَ ثوباً، ولا ينشرن شعراً».

الكليني، الكافي 5: 527، عن محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن سليمان بن سماعة الخزاعي، عن عليّ بن إسماعيل، عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعتُ أبا جعفر(ع) يقول: تدرون ما قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: 12]؟ قلتُ: لا، قال: «إنّ رسول الله(ص) قال: لفاطمة(عا): إذا أنا مِتُّ فلا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تنشري عليَّ شعراً، ولا تنادي بالوَيْل، ولا تقيمي عليَّ نائحةً»، قال: ثمّ قال: هذا المعروف الذي قال الله عزَّ وجلَّ.

الكليني، الكافي 5: 527، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان، عن أبي عبد الله(ع) قال: «لمّا فتح رسول الله(ص) مكّة بايع الرجال، ثمّ جاء النساء يبايعنه، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فقالت هند: أما الولد فقد ربّينا صغاراً وقتلتهم كباراً، وقالت أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام، وكانت عند عكرمة بن أبي جهل: يا رسول الله، ما ذلك المعروف الذي أمرنا الله أن لا نعصينك فيه؟ قال: لا تلطمن خدّاً، ولا تخمشن وجهاً، ولا تنتفن شعراً، ولا تشققن جيباً، ولا تسوِّدْنَ ثوباً، ولا تدعين بوَيْلٍ، فبايعهنَّ رسول الله(ص) على هذا، فقالت: يا رسول الله كيف نبايعك؟ قال: إنّني لا أصافح النساء، فدعا بقدحٍ من ماء، فأدخل يده ثمّ أخرجها، فقال: ادخلْنَ أيديكنَّ في هذا الماء، فهي البيعة».

وهناك رواياتٌ كثيرة في ذمّ النَّوْح واللطم وشقّ الجيب وخمش الوجه وجزّ الشعر والصراخ والعويل تراجع في: النوري، مستدرك الوسائل 2: 449 ـ 455.

([10]) تاريخ الطبري 4: 318 ـ 319: قال أبو مخنف: حدّثني الحارث بن كعب وأبو الضحّاك، عن عليّ بن الحسين بن عليّ قال: «إنّي جالس في تلك العشية التي قتل أبي صبيحتها، وعمتي زينب عندي تمرّضني، إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباءٍ له، وعنده حوى مولى أبي ذرّ الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول:

يا دهر أفٍّ لك من خليل

كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب أو طالب قتيل والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل وكلّ حيٍّ سالك السبيل

قال: فأعادها مرّتين أو ثلاثاً، حتّى فهمتُها، فعرفتُ ما أراد، فخنقتني عبرتي، فرددت دمعي، ولزمت السكون، فعلمت أن البلاء قد نزل. فأمّا عمتي فإنها سمعت ما سمعت، وهي امرأةٌ، وفي النساء الرقّة والجَزَع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجرّ ثوبها، وإنها لحاسرةٌ حتّى انتهَتْ إليه، فقالت: واثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت فاطمة أمّي، وعليٌّ أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضي وثمال الباقي، قال: فنظر إليها الحسين(ع)، فقال: يا أخية، لا يذهبنَّ بحلمك الشيطان، قالت: بأبي أنت وأمي، يا أبا عبد الله، استقتلت، نفسي فداك، فردّ غصّته، وترقرقت عيناه، وقال: لو ترك القطا ليلاً لنام، قالت: يا ويلتي، أفتغصب نفسك اغتصاباً، فذلك أقرح لقلبي، وأشدّ على نفسي، ولطمت وجهها، وأهوت إلى جيبها وشقّته، وخرَّتْ مغشيّاً عليها، فقام إليها الحسين، فصبَّ على وجهها الماء، وقال لها: يا أخية، اتّقي الله، وتعزّي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كلّ شيءٍ هالك إلاّ وجه الله، الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وهو فردٌ وحده. أبي خيرٌ منّي، وأمّي خيرٌ منّي، وأخي خيرٌ منّي، ولي ولهم ولكلّ مسلمٍ برسول الله أسوة، قال: فعزّاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أخية، إنّي أقسم عليكٍ، فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليَّ بالوَيْل والثبور، إذا أنا هلكتُ…، الحديث».



أكتب تعليقك