27 نوفمبر 2014
التصنيف : سلسلة (سؤال وجواب)
لا تعليقات
4٬069 مشاهدة

الردّ المبين على مَنْ يتوسَّل بصيغة (يا غياث المستغيثين)

111

(الخميس 27 / 11 / 2014م)

سلامٌ عليكم سماحة الشيخ، حفظكم الله ورعاكم. هل يصحّ مناجاة رقيّة ابنة الإمام الحسين(ع) بلفظ: «يا غياث المستغيثين»؟ أليس هذا توجُّهاً إلى المخلوق، دون الخالق؟ وما هو تعليقكم على مَنْ يقول في جواب هذا السؤال: «بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرجهم، والعن مَنْ آذى فاطمة. بسم رقية الراحمة بنت الراحمين، والمغيثة بغياثهم. أقول: ليس في قولنا: «يا غياث المستغيثين» تعدٍّ على حقّ أهل الكساء، أو على الله سبحانه وتعالى، فكلّ مَنْ يغيث المستغيث فهو غياث المستغيثين، حتّى لو كانت هيئة إغاثة، مسلمة أو غير مسلمة. أما الله سبحانه وتعالى فبالنظرة العقائدية الصحيحة هو لا يغيث ولا يرزق مباشرةً، فالله سبحانه وتعالى عند المفكِّرين الإسلاميّين لا يتغيَّر، ولا يتحوَّل من حالٍ إلى حال، فليس هو اليوم مغيثاً وغداً لا، وليس هو اليوم رازقاً وغداً لا، وتحقيق هذا صعبٌ على مَنْ لم يتعمَّق قليلاً في العلوم. إذن لا بُدَّ أن تكون هناك أدواتٌ لله سبحانه في الواقع، تترجم رحمته وغياثه ورزقه. نحن نعتقد أنّ محمداً وآله هم يد الله ووكلاؤه والمدبِّرون لأمر خلقه، بقدرته سبحانه. فالخير كلّه من محمد وآله. فالله مكَّنهم من ذلك، وأمرهم برعاية خلقه. وكلّ مَنْ كان خليفةً لهم في هذا الخير كان له صلاحيّات من صلاحياتهم، فيُلتمس الخير منه؛ لأنه صار مصدراً للخير. ومعلوم عند المسلمين أن التوسُّل يصحّ بكلّ ما يكون وسيلةً، سواءٌ أكان شخصاً أم زمناً أم مكاناً أم جماداً، كالقَسَم به، وقد أقسموا بالكعبة وشهر رمضان…، واستسقوا بعمّ النبيّ(ص)، كلّ هذا بإجماع المسلمين وبرضاهم»؟

بسم الله الرحمن الرحيم، وحده لا شريك له، نحمده ونستغفره من سيِّئات أعمالنا، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء وخاتم المرسلين نبيّنا الأكرم محمد بن عبد الله، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلى قيام يوم الدين.

«الغِيَاثُ» لغةً على معنيين:

1ـ مَا يُغَاثُ بِهِ الْمُضْطَرُّ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَجْدَةٍ([1]).

2ـ اسمٌ من أسماء الله الحسنى ، ومعناه : المُدْرِك عبادَه في الشَّدائد إذا دَعَوْه.

وأمّا كل مَنْ يغيث فهو «مغيثٌ»، لا «غياث». وبالتالي يظهر اختصاص هذا الاسم بالله سبحانه وتعالى.

وقد جاء في جملةٍ من الأدعية المأثورة خطابُ الله عزَّ وجلَّ بهذا الاسم: «يا غياث المستغيثين»([2])، فهو من الأسماء الخاصّة به عزَّ وجلَّ.

إذاً فرقٌ بين «مغيث» و«غياث»، فـ «مغيث» اسمٌ عامّ لكلّ مَنْ أغاث أحداً، وأمّا «غياث» فهو اسمٌ خاصٌّ بالله تعالى، دون أيِّ أحدٍ من خلقه. وهما في هذا الاختلاف يشبهان إلى حدٍّ بعيد ما هو معروفٌ من الاختلاف بين «الرحمن» و«الرحيم»، فالرحمن صفةٌ خاصّة بالله وحده لا شريك له، والرحيم صفةٌ عامّة، تُطلق على الله وعلى عباده.

وأمّا أنّ الله لا يرزق مباشرةً، فهذا باطلٌ بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: 58). وليُلتَفَت بدقّة إلى دلالة استخدام (هو) بين الله والرزّاق؛ وهي أنّه وحده الرازق، دون سواه.

وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: 24).

وقوله: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: 64).

وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (سبأ: 36).

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (فاطر: 3).

وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ﴾ (غافر: 13).

وقوله: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (غافر: 64).

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: 172).

وقوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (المائدة: 88).

وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود: 6).

وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (العنكبوت: 17).

وقوله: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الروم: 40).

وأكتفي بهذا القدر من الآيات الكريمة، وإلاّ فإنّها أكثر من أن تُحصى في هذا المختصر.

ومن الواضح أنّه تعالى يسند ذلك إلى نفسه مباشرةً، تماماً كما يبيِّن أنّ إياب الخلق إليه، وحسابهم عليه، فيقول: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (الغاشية: 25 ـ 26)، فلا مجال لتوسُّط أحدٍ في هذا الأمر، مهما علا شأنه، وسواءٌ كان مَلَكاً أم نبيّاً أم وليّاً. فالرجوعُ إلى الله، ولهذا كان تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156)، أي إليه لا إلى غيره. وعلى الله حسابُ الخلائق، لا يشاركه في ذلك أحدٌ، مع حفظ مقام الشفاعة للشهود يومذاك، وهم الأنبياء والأولياء(عم)، وعلى رأسهم نبيُّنا الخاتم محمد(ص)، والأئمّة الطاهرين(عم)، ولكنَّ ابتداء الحساب ونظمه بيد الله وحده لا شريك له، وإنَّما أعطاهم هامشاً معيَّناً يتحرَّكون فيه، ولا يتجاوزونه.

وأمّا أنّ الله لا يتحوَّل فهذا صحيحٌ. وهو الرزّاق على كلّ حال، والغياث في كلّ الأحوال، ولكنّ تحقُّق هذا الرزق وهذا الغَوْث في الخارج مرتبطٌ بتوفُّر العلّة التامّة (وجود المقتضي + تحقُّق الشروط + عدم الموانع)، وما يُرى من عدم الرزق وعدم الغَوْث إنّما هو نتيجة فقدان الشروط، ووجود الموانع، وليس من جهة انتفاء المقتضي، وهو اتِّصاف الله بأنّه الرازق، أو أنّه غياث المستغيثين.

وعليه فلا ضرورة عقليّةً أو شرعيّة لوجود وكلاء له يدبِّرون أمر خلقه بقدرته، فالخير من الله وحده لا شريك له.

نعم، قد وردت بعض الآيات التي تدلّ على أنّ لبعض الملائكة مهمّاتٍ قد أُوكلوا بها، ومنها قبض الأرواح فقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (السجدة: 11)، وقال أيضاً: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمْ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (الأنعام: 61 ـ 62)، غير أنّه قال في موضعٍ ثالث: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 42). فهو ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (الشعراء: 78 ـ 81) ، وهذه هي عقيدة خليل الله إبراهيم(ع)، وأوّل المسلمين. وهذا هو الأصل لا نخرج عنه إلاّ بالدليل الخاصّ. وما سوى ذلك لا نقبله أبداً.

وأمّا أنّ كلّ خليفة لهم(عم) فله صلاحيّاتٌ من صلاحياتهم فلا دليل عليه أصلاً. فهل أنّ العلماء ـ وهم ورثة الأنبياء ـ لهم هذه الصلاحيات وهذه المقامات؟

ثمّ مَنْ ذا يجرؤ على القول بأنّ رقيّة هي من خلفائهم(عم)؟ فهذا يفتح الباب أمام التعدُّد اللامتناهي للخلفاء، علماً أن النصوص مستفيضة في بيان أنّهم اثنا عشر، لا أحد عشر، ولا ثلاثة عشر، وهذه هي عقيدتنا نحن الشيعة الإماميّة الاثنا عشريّة، لا نرى انطباقَ ذلك إلاّ على أئمّة أهل البيت(عم)، الذين أوّلُهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع)، وآخرهم محمد بن الحسن الحجّة المهديّ المنتظر(عج).

وأمّا أنّ المسلمين قد أقسموا بهم(عم) أو بغيرهم من المقدَّسات من دون نكيرٍ فليس له ربطٌ بجواز التوسُّل بهم(عم)، وإنْ كان ذلك (أي جواز التوسُّل) ثابتاً بالدليل الخاصّ، وله كيفيّةٌ اعتمدها أهل البيت(عم)، وفضَّلوها على غيرها، ولمزيد من البيان يُراجع مقالنا: «الشفاعة والتوسُّل: الحقيقة، والصيغة»، على الرابط التالي: http://dohaini.com/?p=574.

علماً أنّ اليمين الشرعيّ لا ينعقد بالقَسَم بغير الله، فما السبب يا تُرى؟ ألا يُحتَمَل أن يكون هذا إرشاداً إلى عدم جواز مساواة الله بخَلْقه، حتّى في مثل القَسَم، فكيف بصفة الرازقيّة والإغاثة والرحمة و…!!!

وعلى أيِّ حال فلا بُدَّ من الدليل الخاصّ لإثبات أهليّة شخصٍ أو شيء للتوسُّل به، ولم نجد مثل هذا الدليل في شأن رقيّة بنت الحسين(ع).

نسأل الله الهداية والتسديد والتوفيق لجميع المؤمنين والمؤمنات، إنّه أرحم الراحمين، سميعُ الدعاء، قريبٌ مجيب.

**********

الهوامش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) راجع: القاموس المحيط 1: 171. وقد قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب العين 4: 440: والغياث : ما أغاثك الله به.

([2]) راجع: دعاء كميل بن زياد الذي علَّمه إيّاه الإمام عليّ(ع)؛ ودعاء نهار شهر رمضان؛ ودعاء عقيب صلاة الليل؛ والدعاء بعد صلاة الصبح، ودعاء الإمام زين العابدين(ع) في الاحتراز؛ وغيرُها من الأدعية كثيرٌ، لا مجال لإحصائه كلِّه.



أكتب تعليقك