5 أبريل 2020
التصنيف : مقالات قرآنية
لا تعليقات
191 مشاهدة

نظريّة العلاّمة الطباطبائِيّ في الحروف المقطَّعة

شرح النظريّة

تعتمد هذه النظريّة على الملاحظة والتأمُّل والتدبُّر، فبعد أن اعتَبَر(ر) أنّ «الحقَّ في الحروف المقطعة في فواتح السور أنّها تحمل معاني رمزيّة ألقاها الله إلى رسوله»([1])، رأى أنّ «المتدبِّر في السور التي تشترك في الحروف المفتتح بها، مثل: الميمات ـ أي السور التي تبدأ بـ «الم» ـ؛ والراءات ـ أي السور التي تبدأ بـ «الر» و«المر» ـ؛ والطواسين ـ أي السور التي تبدأ بـ «طس» و«طسم» ـ؛ والحواميم ـ أي السور التي تبدأ بـ «حم»، يلحظ فيها من التشابه في المضامين، والتناسب في السياقات، ما ليس بينها وبين غيرها من السور.

ويؤكِّد ذلك ما في مفتتح أغلبها من تقارب الألفاظ، كما في مفتتح الحواميم، من قوله: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ﴾، أو ما هو في معناه، كما في مطالِع السور التالية:

1ـ غافر: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (غافر: 1 ـ 2).

2ـ فصِّلت: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصّلت: 1 ـ 3).

3ـ الزخرف: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الزخرف: 1 ـ 4).

4ـ الدخان: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 1 ـ 3).

5ـ الجاثية: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الجاثية: 1 ـ 2).

6ـ الأحقاف: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف: 1 ـ 2).

وما في مفتتح الراءات، من قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾، أو ما هو في معناه، كما في مطالِع السور التالية:

1ـ الحجر: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (الحجر: 1).

2ـ يونس: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (يونس: 1).

3ـ هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1).

4ـ يوسف: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1).

5ـ الرعد: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (الرعد: 1).

ونظيرُ ذلك واقعٌ في مفتتح الطواسين، كما في مطالِع السور التالية:

1ـ النمل: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (النمل: 1 ـ 3).

2ـ القصص: ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (القصص: 1 ـ 2).

3ـ الشعراء: ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (الشعراء: 1 ـ 2).

وما في مفتتح الميمات، من نفي الرَّيْب عن الكتاب، أو ما هو في معناه، كما في أوائل السور التالية:

1ـ البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 1 ـ 5).

2ـ آل عمران: ﴿الم * اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ…﴾ (آل عمران: 1 ـ 4).

3ـ لقمان: ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (لقمان: 1 ـ 5).

4ـ السجدة: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (السجدة: 1 ـ 2).

ويمكن أن يحدس من ذلك أن بين هذه الحروف المقطَّعة وبين مضامين السور المفتتحة بها ارتباطاً خاصّاً.

ويؤيِّد ذلك أنّ سورة الأعراف، المصدَّرة بـ «المص»، كأنّها جامعةٌ في مضمونها بين مضامين الميمات، وص؛ وكذا سورة الرعد، المصدَّرة بـ «المر»، كأنّها جامعةٌ في مضمونها بين مضامين الميمات، والراءات.

ولعلّ المتدبِّر لو تدبَّر في مشتركات هذه الحروف، وقايس مضامين السور التي وقعت فيها، بعضها إلى بعضٍ، تبيَّن له الأمر أزيد من ذلك.

ولعلّ هذا معنى ما رُوي عن عليٍّ(ع) أنّ لكلّ كتابٍ صفوةً، وصفوةُ هذا الكتاب حروفُ التهجّي»([2])، وقد مرَّتْ هذه الرواية في الحديث عن الروايات المشيرة إلى معاني الحروف المفتَتَح بها بعض السور القرآنِيّة.

إذن الحروفُ المقطَّعةُ للإشارة إلى أنّ السور المبتدِئة بحروفٍ متشابهةٍ تتشابه في المضمون، وتتناسب في السياقات، أكثر من غيرها، ممّا لا يشترك معها في ذلك.

الإشكالات على النظريّة

يُلاحَظ على ما أفاده(ر) عِدّةُ ملاحظات:

الملاحظة الأولى: إنّه قد خَرَجت سورة إبراهيم عن بقِيّة الراءات في مطلعها، رغم افتتاحها بـ «الر»؛ فإنّ الراءات، كما تبيَّن فيما تقدَّم، قد وقع في أوائلها قولُه تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾، أو ما في معناه، في حين أنّ سورة إبراهيم قد افتُتحت بقوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: 1)، وهي تشبه إلى حدٍّ ما افتتاحيّات الحواميم.

الملاحظة الثانية: قد خرجت عن الميمات سورتا العنكبوت، والروم، فرَغم ابتدائهما بـ «الم» لم يُنفَ فيهما الريب عن الكتاب، كما في غيرهما من السور المفتَتَحة بـ «الم».

الملاحظة الثالثة: قد خرجت عن الحواميم سورة الشورى، رَغم افتتاحها بـ «حم عسق» في آيتَيْن مستقِلَّتَيْن، فلماذا لم يكُنْ مطلعُها مشابِهاً لمطلع الحواميم الأخرى؟

وهذه الملاحظات الثلاثة تعني أنّ نظريّة العلاّمة(ر) ليست نظريّةً كُلِّيةً ومطَّردةً، وقد أشار العلاّمة لذلك فيما تقدَّم، حين قال بأنّ تقاربَ الألفاظ هو في مفتتح أغلب السور ذات الحروف المتشابهة، إلاّ أنّ هذا ما يجعلُها ضعيفةً وقليلةَ الاعتبار، وبالتالي يمنع من الاعتماد عليها.

الملاحظة الرابعة: مطالِعُ الراءات، والطواسين، هي نفسُها، كما يعترف العلاّمة نفسه، فهل مضامينُها متشابِهةٌ أيضاً؟! وما الفرق بينها إذن؟! أي ما هي خصائص كُلِّ مجموعة، إذ لا بُدَّ من أن يكون لكلٍّ منها خصائصُ تختلف عن خصائص الأخرى، ويكون مشاراً إليها بالحروف المقطَّعة، وإلاّ فلن يبقى لتلك الحروف قيمةٌ تُذكَر؟!

الملاحظة الخامسة: اعتَبَر العلاّمة(ر) أنّ سورة الأعراف، المصدَّرة بـ «المص»، جامِعةٌ في مضمونها بين مضامين السور المفتَتَحة بـ «الم» والسورة المفتَتَحة بـ «ص»، ومشتملةٌ على الغَرَض من مجموع تلك السور([3])، وكذلك اعتَبَر سورة الرعد، المصدَّرة بـ «المر»، جامعةً في مضمونها بين مضامين السور المفتَتَحة بـ «الم» والسور المفتَتَحة بـ «الر».

وهذا مفهومٌ، بعد حذف الألف واللام؛ لتكرُّرهما في الصيغتَيْن.

ولكنْ ماذا يقول(ر) في السور المفتَتَحة بـ «طس»، والسور المفتَتَحة بـ «طسم»؟ وهل ما صُدِّر بـ «طسم» هو جامِعٌ لما صُدِّر بـ «طس» و«الم»، أو لما صُدِّر بـ «طس» و«حم»، أو لما صُدِّر بـ «طس» و«الم» و«حم»؟! وبعبارةٍ أخرى: إلامَ ترمُز الميم يا تُرى؟

وهل تشترك السور المصدَّرة بـ «يس»، و«طس» أو«طسم»، و«حم عسق»؛ لاشتراكها في السين، في شيءٍ من المضامين؟

وهل تشترك السورتان المصدَّرتان بـ «كهيعص»، و«حم عسق»؛ لاشتراكهما في العين، في شيءٍ من المضامين؟

وهل تكون مضامين السورة المصدَّرة بـ «ق» موجـودةً في السورة المصدَّرة بـ «حم عسق»؟

وهل تكون مضامين السـورة المصدَّرة بـ «ص» موجـودةً في السورة المصدَّرة بـ «كهيعص»؟

وهل في سورة مريم، المصدَّرة بـ «كهيعص»، من المضامين ما ليس في تلك السور بأجمعها؛ لاختصاصها بالأحرف «كهي»؟

هذه الأسئلةُ كلُّها تنتظِر جواباً شافياً وكافياً، وإلاّ فلا يمكننا التسليم بما ذهب إليه العلاّمة(ر)؛ وذلك لعَدَم الدليل الواضح والمتين عليه.

ولعلَّ هذا هو ما دفع العلاّمةَ نفسَه إلى القول: «إن هذه الحروف رموزٌ بين الله سبحانه وبين رسوله(ص)، خفيّةٌ عنا، لا سبيل لأفهامنا العاديّة إليها، إلاّ بمقدار أن نستشعر أنّ بينها وبين المضامين المودَعة في السور ارتباطاً خاصّاً»([4]).

إلاّ أنّنا نخالفه في الجملة الأخيرة من كلامه، ونقول: هذه الحروف رموزٌ بين الله ورسوله، ولا سبيل لأفهامنا العادِيّة إليها، فلنرُدَّ علمَها إلى أهلها، ولا نكلِّفْ أنفسَنا ما لا طاقة لها به، من الغوص في الأسرار الإلهيّة، التي لو شاء أن يُعلِمَنا بها لأطلَعَنا عليها، ولجَعَلَها في متناوَل أفكارنا وعقولنا، كما هو حال بقيّة معاني الآيات القرآنيّة.

وعليه فمن المُستحسَن أن نترُك الخوض في معاني هذه الحروف، التي لم يُكلِّفْنا الله مسؤوليّة العلم بها، ولنرُدَّ علمَها إلى الله عزَّ وجلَّ، وأهلِ القرآن، محمدٍ(ص) وعترته الطاهرة(عم)، فإنّهم أولى بذلك منّا.

**********

الهوامش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) محمد حسين الطباطبائي(1402هـ)، الميزان في تفسير القرآن 14: 127.

([2]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 18: 8 ـ 9 (بتصرُّفٍ وزيادة).

([3]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 8: 5.

([4]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 18: 9.



أكتب تعليقك