1 يناير 2013
التصنيف : سلسلة (سؤال وجواب)
تعليقان 2
4٬486 مشاهدة

ألقاب العلماء، تقييمٌ وتوجيه

(بتاريخ: 1 ـ 1 ـ 2013م)

1111

درجت عادة المؤمنين في ذكر مراجع الدين والمجتهدين، بل والعلماء، على أن يذكروا قبل أسمائهم بعض الألقاب، من قبيل: (آية الله)، أو (آية الله العظمى)، أو (حجّة الإسلام والمسلمين)، أو (العلاّمة)، أو (المرجع الدينيّ)، وما إلى ذلك من الألقاب. فما هو مدى صحّة استخدام هذه الألقاب بهذا الشكل؟

أمّا قولهم: (آية الله) فكلّ الخلق آيةٌ لله، وعلامةٌ على قدرته وحكمته ولطفه و… وبالتالي ليست ممّا يتمايز به إنسانٌ عن إنسان، فاستعمالها لفئةٍ من الناس حصراً لا معنى له.

وأمّا قولهم: (آية الله العظمى) فقد ورد في دعاء الافتتاح، المرويّ عن مولانا الحجّة بن الحسن المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف: (اللهم وصلٍّ على عليٍّ أمير المؤمنين، ووصيّ رسول ربّ العالمين، عبدك، ووليّك، وحجّتك على خلقك، وآيتك الكبرى، والنبأ  العظيم). وقد جاء في كتب اللغة أنّ الكبر بمعنى العظمة (راجع: الفراهيدي، العين 5: 361؛ الزبيدي، الصحاح 2: 801 ـ 802؛ مقاييس اللغة 5: 153 ـ 154؛ الطريحي، مجمع البحرين 4: 9)، فيكون قوله: (آيتك الكبرى) بمعنى آيتك العظمى. فإذا كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام آية الله العظمى فهل يليق بنا أن نطلق هذا اللقب على غيره؟! وماذا يمثِّل فلانٌ أو فلان ـ مع احترامنا لكلّ العلماء الأبرار ـ أمام عظمة وفضل وعلم عليّ بن أبي طالب عليه السلام؟!

هذا وقد تناهى إلى أسماعنا أنّ هذا اللقب بالذات قد اختُرع من قبل بعض العلماء للمرجع الديني السيّد محسن الحكيم(رحمه الله)، لحادثةٍ جرت في وقته، ثمّ درج استعماله منذ ذلك الحين. وعليه فنحن نأبى استخدام هذا اللقب للمجتهدين والمراجع حفظهم الله تعالى، ورحم الماضين منهم.

وأمّا قولهم: (حجّة الإسلام والمسلمين) فإنّه لقبٌ ذو دلالات.

فإن كان المراد به أنّهم ينبغي أن يكونوا حجّة الإسلام على المسلمين، فهم حجّة الإسلام من جهة أنّه قد وصل على لسانهم وبدعوتهم إليه إلى كافّة الناس، وكان دين الله للعالم أجمع، وحجّة المسلمين من جهةٍ أخرى أنّهم قد عملوا بما وصلهم عن طريق هؤلاء العلماء من الأحكام، فهو معنىً مقبولٌ، ولا بأس به.

وأمّا إذا كان المراد أنّهم حجّةٌ للشريعة الإسلاميّة، وقدوةٌ للأنام في اتّباعها، فإنّ هذا يتطلَّب أن يكون سلوك هؤلاء العلماء وعلى نحو الدوام والاستمرار متطابقاً مع تعاليم الإسلام، حتّى لا ينقلبوا في لحظةٍ ما من حجّةٍ للإسلام على المسلمين إلى حجّةٍ للمسلمين وغيرهم على الإسلام، بأنّه لم يأتِ بما يصلح البشريّة، وحاشا أن لا يكون دين الله صلاحاً وإصلاحاً، غير أنّ بعض السلوكيّات تصدر من هنا وهناك قد توهم مثل هذا الأمر. وعليه فالاعتقاد بمقام العلماء أنّهم يخطئون ويصيبون، وأنّ لهم أجرَيْن إذا أصابوا، وأجراً واحداً؛ لجهدهم، إذا أخطأوا، أَوْلى من إطلاق لقب (حجّة الإسلام والمسلمين) عليهم، ما يجعل الناس ينظرون إليهم على أنّهم تجسيدٌ كامل للشريعة، فمتى صدر عن أحدهم خطأٌ أو زلل؛ لطبيعته البشريّة، توجَّهت سهام النقد مباشرةً إلى الشريعة الغرّاء والدين الحنيف.

وأمّا قولهم: (العلاّمة) لمَنْ كان من العلماء المبرَّزين، أصحاب الفهم العميق والشامل والدقيق للعلوم العقليّة والشرعيّة، وما يتعلَّق بهما، فهو توصيفٌ صادقٌ لا غبار عليه. غير أنّه ينبغي التدقيق في هويّة مَنْ يُطلق عليه مثل هذا اللقب، إذ معنى (العلاّمة) في اللغة كثير العلم، فلا يجوز توصيف مَنْ لم يكن كثير العلم به؛ إذ إنّ ذلك كذبٌ قبيحٌ ومحرَّم.

وأمّا قولهم: (المرجع الدينيّ) فهو بمعنى أن الناس يرجعون إليه في ما يحتاجونه من أحكام شرعيّة (فقهيّة) ودينيّة (عامّة)، فهو أيضاً توصيفٌ، ويجوز إطلاقه على مَنْ رجع الناس إليه في التقليد.

وخلاصةُ الكلام أنّ ما كان توصيفاً صادقاً فلا بأس به؛ وأمّا ما كان توصيفاً غير واقعيّ فهو غير جائز؛ لكونه كذباً محرَّماً؛ وأمّا ما كان إسباغاً لمقام معنويّ ورمزيّ فهي ألقابُ تكليفٍ لا تشريف، وتتطلَّب أن يكون هؤلاء العلماء على قدر دلالة ذلك اللقب. وبعض العلماء أهلٌ لهذه الألقاب. غير أنّ الطبيعة البشريّة للعلماء تجعلهم في غير مأمنٍ من أن لا يفوا بحقّ هذا اللقب، ما قد ينعكس سلباً على الدين. فالأفضل الابتعاد عن هذه الألقاب ما أمكن.

وهكذا يتّضح الجواب عن استعمال بعض الألقاب الأخرى، كـ: (شيخ الإسلام)؛ (الوحيد)؛ (الأوحد)؛ (الشيخ الأعظم)؛ (المقدَّس)؛ (ثقة الإسلام).

ولو أنّه تستخدم الألقاب العلميّة، من قبيل: (الفقيه)، (المجتهد)، (المرجع الديني)، (الباحث)، (المحقِّق)، (العلاّمة)، (المفسِّر)، (المفكِّر)، (المثقَّف)، (المجدِّد)، (القائد)، يكون أفضل وأسلم.

وختاماً أودّ التنبيه إلى أنّه درجت العادة أيضاً على أن تُلحَق أسماء المراجع والمجتهدين بعباراتٍ، مثل: (دام ظلّه)، و(زيد عزّه)، و(مُدَّ ظلّه)، و(دامت بركاته)، و(دامت تأييداته)، هذا للأحياء، وأمّا للأموات فيقال: (قُدِّس سرُّه).

وفي هذه العبارات ما لا تركن النفس إليه، فهل  لهؤلاء العلماء، الذين بذلوا حياتهم في نشر الدين الحنيف، ظلٌّ أو عزّ شخصيٌّ يُراد له الدوام والازدياد؟! وما هو سرّ هؤلاء الذي يُراد تقديسُه؟ هل هي شخصانيّةٌ مبطَّنةٌ تظهرها كلماتٌ تصدر بين الحين والآخر؟!

لقد أفنى العلماء حياتهم في سبيل الله، وكانوا مثالاً للعباد الطائعين لمولاهم الحقّ، فاستحقّوا ثوابه وجزيل عطائه، وزهدوا في هذه الدنيا الفانية، فأيُّ ظلٍّ أو عزٍّ أو سرٍّ يُراد لهم؟!

كما نلاحظ خلوَّ هذه العبارات من ذكر الله تعالى وسؤاله شيئاً لأصحاب الحقّ علينا، وقد أخرجونا من الجهل إلى العلم، ومن الانحراف إلى الاستقامة، ومن الضلال إلى الهدى، أفلا يجدر بنا أن نسأل الله لهم حفظاً وتوفيقاً ورعايةً، أو رحمةً وعلوَّ مقام، فنقول: (حفظه الله)، (وفَّقه الله)، (رعاه الله)، (حماه الله)، للأحياء، و(رحمه الله)، و(أعلى الله مقامه)، و(رضي الله عنه)، للأموات؟!

اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعلهما علينا متشابهَيْن فنتَّبع هوانا بغير هدىً منك، يا أرحم الراحمين.


تعليقان 2 | أكتب تعليقك


أكتب تعليقك