13 يونيو 2024
التصنيف : مقالات فكرية
لا تعليقات
475 مشاهدة

الإمام محمد بن عليّ الباقر(ع)، دراسةٌ جامعة في حياته وآثاره

الولادة والنشأة

 1* هو الإمام الخامس من أئمّة أهل البيت عند الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة، وعند الشيعة الإسماعيليّة، وعند الشيعة الفطحيّة، وعند الشيعة الواقفيّة. وكنيتُه (أبو جعفر).

2* وُلد الإمام محمد بن عليّ الباقر، في المدينة المنوَّرة، يوم الاثنين أو الجمعة، 1 رجب أو 3 صفر، سنة 57هـ/676م، وتوفّي في 7 ذو الحجّة، سنة 114هـ/732م، ودُفن في بقيع الغرقد، في المدينة المنوَّرة.

3* وعاش 57 سنة. وكانت مدّة إمامته 18 أو 19 سنة، من 25 محرم سنة 94 أو 95هـ إلى 7 ذو الحجّة 114هـ.

4* من فحول علماء الإسلام، حدَّث عن أبيه عليّ بن الحسين زين العابدين، فقط لا غير. إلاّ أنّه روى عن جابر بن عبد الله الأنصاري([1])؛ لسببٍ طريف([2]).

5* ولُقِّب بـ (الباقر)؛ لبقره العلوم بَقْراً، أي أظهر العلم إظهاراً. وقد لقَّبه بذلك جدُّه رسول الله(ص)([3]).

6* له عدّة أحاديث في الصحيحين (صحيح البخاري، وصحيح مسلم)، وهما من كتب الحديث عند أهل السنّة.

7* وكان من الآخذين عنه أبو حنيفة وابن جريج والأوزاعي والزهري وغيرهم.

8* وقال محمد بن مسلم: سألتُه عن ثلاثين ألف حديث.

9* وقد روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة، ووجوه التابعين، ورؤساء فقهاء المسلمين.

10* شهد واقعة عاشوراء في كربلاء، وهو في عمر (4 سنوات).

ـ وقد أشار الإمام(ع) إلى هذا المعنى بقوله: «قُتل جدّي الحسين ولي أربع سنين، وإني لأذكر مقتله، وما نالنا في ذلك الوقت».

ـ وكان(ع) يروي أحداث كربلاء، ويحدّث الناس بها, فكان يقول عن قتل جدّه الحسين(ع): «لقد قتل بالسيف، والسنان، وبالحجارة، وبالخشب، وبالعصا, ولقد أوطأوه الخيل بعد ذلك».

ـ ويقول: «أصيب الحسين بن عليّ(عما)، ووجد به ثلاثمائة وبضع وعشرون طعنةً برمحٍ أو ضمرةً بسيفٍ أو رميةً بسهمٍ»، فرُوي أنّها كانت كلُّها في مقدَّمه؛ لأنّه(ع) كان لا يولّي.

ـ وعندما التقى بعقبة بن بشير الأسدي قال له أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين(عم): «إنّ لنا فيكم يا بني أسد دمٌ», قال: قلتُ: فما ذنبي أنا في ذلك، رحمك الله، يا أبا جعفر, وما ذلك؟ قال: «أُتي الحسين بصبيٍّ له فهو في حجره إذ رماه أحدُكم يا بني أسد بسهمٍ فذبحه, فتلقّى الحسين دمه، فلمّا ملأ كفَّيْه صبَّه في الأرض, ثمّ قال: ربِّ إنْ تكُ حبسْتَ عنّا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خيرٌ، وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين».

ـ وكان يذكر دخوله الشام على يزيد, ويقول: «دخلنا على يزيد، ونحن اثنا عشر غلاماً، مغلَّلين في الحديد، وعلينا قمص».

النسب الشريف

1* إذن هو محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عم)، ابن عمّ النبيّ(ص)، وزوج ابنته فاطمة الزهراء(عا).

3ـ والدته

1* وأمّا أمُّه فهي فاطمة بنت الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وتُكنّى بـ (أمّ عبد الله).

2* وكانت من النساء الصالحات الفاضلات، العاقلات الحكيمات.

أولاده [وإخوته]

1*  تزوَّج الإمام الباقر(ع) من امرأتين، وهما:

1ـ أمّ فروة، فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة.

2ـ أمّ حكيم بنت أُسَيْد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفيّة.

2* وأمّا أولاده فهم:

1ـ جعفر بن محمد الصادق (الإمام السادس من أئمّة أهل البيت(عم». وأمُّه أمّ فروة.

2ـ عبد الله. وأمُّه أمّ فروة أيضاً.

3ـ إبراهيم. وأمُّه أمّ حكيمة.

4ـ عبيد الله. وأمُّه أمّ حكيمة.

5ـ عليّ. وأمُّه أمّ وَلَد (من الجواري).

6ـ زينب. وأمُّها أمّ وَلَد (من الجواري).

7ـ أم سلمة وأمُّها أمّ وَلَد (من الجواري).

3* وأمّا إخوته وأخواته فهم أبناء الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين(ع)، وهم:

1ـ زيد بن عليّ الشهيد (صاحب الثورة المعروفة).

2ـ عبد الله الباهر.

3ـ عمر الأشرف.

4ـ الحسين الأكبر.

5ـ عبد الرحمن.

6ـ عبيد الله.

7ـ سليمان.

8ـ الحسن.

9ـ الحسين الأصغر.

10ـ عليّ الأصغر.

11ـ محمد الأصغر.

12ـ فاطمة.

13ـ عليّة.

14ـ خديجة.

15ـ أمّ كلثوم.

16ـ عائشة.

5ـ حكّام بني أميّة في عصره

1* بما أنّه وُلد عام 57هـ فقد عاصر ـ من خلفاء بني أميّة، وغيرهم ـ كلاًّ من:

ستّة قبل إمامته(ع)، وهم:

1ـ معاوية بن أبي سفيان (35 ـ 60هـ).

2ـ يزيد بن معاوية (60 ـ 64هـ).

3ـ معاوية الثاني بن يزيد (64 ـ 64هـ).

4ـ عبد الله بن الزبير (64 ـ 73هـ).

5ـ مروان بن الحكم (64 ـ 65هـ).

6ـ عبد الملك بن مروان (65 ـ 86هـ).

وخمسة بعد إمامته(ع)، وهم:

1ـ الوليد بن عبد الملك (86 ـ 96هـ).

2ـ سليمان بن عبد الملك (96 ـ 99هـ).

3ـ عمر بن عبد العزيز (99 ـ 101هـ).

4ـ يزيد بن عبد الملك (101 ـ 105هـ).

5ـ هشام بن عبد الملك (105 ـ 125هـ).

2* وقد بدأت إمامته الفعليّة في عهد الوليد بن عبد الملك (حين توفّي أبوه / 94 أو 95هـ).

3* وقد أُحضر الإمام الباقر(ع) وابنه الإمام جعفر الصادق(ع) إلى الشام قَهْراً من قِبَل الخليفة هشام بن عبد الملك؛ ليكون تحت رقابة السلطة الأمويّة.

تأسيس المدارس الإسلاميّة الحضاريّة المتكاملة

1* بلغ الإمام الباقر(ع) من العلم درجةً عاليةً سامية، حتّى أن كثيراً من العلماء كانوا يرَوْن في أنفسهم فضلاً وتحصيلاً، فإذا جلسوا إليه أحسُّوا أنهم عِيالٌ عليه، وتلاميذٌ بين يدَيْه، ولذلك لُقِّب بـ (الباقر)، من بَقَر العلم أي شَقَّه، واستخرج خفاياه.

فقد كان ديدن العلماء الوقوف بتواضعٍ وخضوع قلَّ نظيره حين طلبهم العلم والتلمُّذ عند الإمام الباقر(ع)، فعن عبد الله بن عطاء المكي قال: «ما رأيت العلماء عند أحدٍ قطّ أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين(ع)، وقد رأيت الحكم بن عُيَيْنة مع جلالته في القوم بين يدَيْه كأنّه صبيٌّ بين يدي معلِّمه».

2* ولم تكن شهرة الإمام الباقر(ع) العلمية مقتصرة على أهل الحجاز، بل عمّت العراق وخراسان بشكلٍ واسع، حيث يقول الراوي: «رأيتُ أهل خراسان التفّوا حوله حلقات يسألونه عمّا أشكل عليهم».

3* وقد اعترف بشهرة الإمام الباقر(ع) العلمية والدينية علماء أهل السنّة، فها هو ابن حجر الهيثمي يقول في صواعقه: أبو جعفر محمد الباقر: سُمِّي بذلك من بقر الأرض أي شقّها وأثار مخبآتها ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة أو فاسد الطويّة السريرة، ومن ثم قيل فيه: هو باقر العلم، وجامعه، وشاهر علمه.

4* وقد كان إلى جانب علمه من العاملين بعلمهم، فكان عفَّ اللسان، طاهرَ القلب، صالح العمل.

5* انفتاحه على الآخرين من المختلفين في الدين (النصارى واليهود)، من خلال المناظرات التي كان يجريها معهم.

6* علّم الإمام الباقر(ع) الخليفة عبدَ الملك بن مروان سكَّ الدراهم والدنانير الإسلاميّة، فردّ مكيدة ملك الروم وتهديده، وذلك سنة 76هـ.

7* لقد امتازت السنوات ما بين 94 إلى 114هـ بظهور كثير من المدارس الفقهية، وهي أكثر فترة اشتهر فيها نقل الحديث وانتشاره في التفسير، وكلّ ذلك بسبب ضعف الدولة الأموية، والنزاع الحاصل بين زعماء الدولة للسيطرة على السلطة. وقد برز في تلك الفترة جمعٌ من العلماء بذلوا جهداً واسعاً في رواية الحديث والإفتاء، أمثال: الزهري ومكحول وهشام بن عروة، وغيرهم. كما ظهرت في تلك الفترة بعض الفرق مثل: الخوارج والمرجئة والكيسانية والغلاة، وبدأت بنشر وإشاعة عقائدها بين الناس.

8* يعتبر الإمام الباقر(ع) المؤسِّس للثورة العلمية الشيعية الكبرى، التي بلغت ذروتها في زمن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع)، قبل أن يعود العبّاسيّون للتضييق على أئمّة الشيعة وأتباعهم والتنكيل بهم. فلقد قاد الإمام الباقر(ع) في تلك الحقبة الزمنية حركةً علمية واسعة، وظهرت حركة علمية ثقافية جديرة بالإكبار في أوساط الشيعة كسرت حاجز التقية إلى حدٍّ ما، وأزالت حالة الانحسار الذي مُني به الفكر الشيعي في دوائر خاصّةٍ، ففي ذلك الوقت بدأ الشيعة بتدوين علومهم الإسلامية، كالفقه والتفسير والأخلاق و…، وقد بلغت من الوفرة حدّاً لو قورن بما نقل عن أبناء الحسن والحسين(عما) قبله لكان ما نُقل لا يساوي معشار ما نُقل عن الإمامين الباقر والصادق(عما).

9* لقد ردّ الإمام الباقر(ع) استدلال أصحاب القياس. كما اتّخذ موقفاً شديداً مقابل سائر الفرق الإسلامية المنحرفة، وحاول ـ جاهداً ـ بهذا الموقف أن يضع حدّاً فاصلاً بين عقائد أهل البيت(عم) الصحيحة في الأصعدة المختلفة وبين عقائد سائر الفرق، فقد كان(ع) يقول عن الخوارج: «إن الخوارج ضيَّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إن الدين أوسع من ذلك».

تأليف كتابٍ في تفسير القرآن

1* ألَّف الامام أبو جعفر(ع) كتاباً في تفسير القرآن الكريم، نصَّ عليه محمد بن إسحاق النديم في (الفهرست)، عند عرضه للكتب المؤلَّفة في تفسير القرآن الكريم، فقال: كتاب الباقر محمد بن عليّ بن الحسين. رواه عنه أبو الجارود زياد بن المنذر، رئيس الجارودية. وقال السيد حسن الصدر: وقد رواه عنه أيام استقامته جماعة من ثقات الشيعة، منهم: أبو بصير يحيى بن القاسم الأسدي. وقد أخرجه عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّي في تفسيره، من طريق أبي بصير، ويقول الرواة: إن جابر بن يزيد الجعفي ألَّف كتاباً في تفسير القرآن أخذه من الإمام.

2* نماذج من تفسيره:

1ـ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (طه: 81)، سُئل أبو جعفر(ع) عن غضب الله؟ فقال(ع): طرده وعقابه.

2ـ قوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي (الحجر: 29)، سُئل(ع) عن الروح؟ فقال: هي القدرة.

3* منهجه في التفسير:

ـ حصر الإمام أبو جعفر الباقر(ع) معرفة الكتاب العزيز بـأهل البيت(عم)، فهم الذين يعرفون محكمه ومتشابهه والناسخ من المنسوخ، وليس عند غيرهم هذا العلم. وقد أشار(ع) إلى هذا المعنى بقوله: «إنّه ليس شيءٌ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، الآية يكون أوّلها في شيءٍ وآخرها في شيءٍ، وهو كلامٌ متَّصل ينصرف إلى وجوه».

ـ وقد اعترض(ع) على قتادة فقال: «بلغني أنّك تفسِّر القرآن!»، فقال له: نعم، فأنكر عليه الإمام(ع) قائلاً: «يا قتادة، إنْ كنتَ قد فسَّرتَ القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكتَ وأهلكتَ، وإنْ كنتَ قد فسَّرتَه من الرجال فقد هلكتَ وأهلكتَ. يا قتادة، ويحك إنّما يعرف القرآن مَنْ خوطب به».

الميراث العلميّ المتنوِّع

1* نُشير هاهنا ـ باختصارٍ ـ إلى ميراث الإمام العلميّ في:

1ـ التفسير: حيث خصَّص الإمام الباقر(ع) جانباً كبيراً من وقته لتفسير القرآن، حيث تناول فيه جميع شؤونه، وقد أخذ عنه علماء التفسير ـ على اختلاف آرائهم وميولهم ـ الشيء الكثير.

وقد قيل: إن للإمام الباقر(ع) كتاباً في تفسير القرآن ذكره محمد بن إسحاق النديم في كتابه (الفهرست).

وقد تقدَّم الحديث عن هذا التفسير.

2ـ الحديث: حيث أولى الإمام أبو جعفر الباقر(ع) المزيد من اهتمامه للحديث الوارد عن جدّه رسول الله(ص)، وعن آبائه الأئمة الطيبين(عم). وقد روى عنه جابر بن يزيد الجعفي سبعين ألف حديث، وأبان بن تغلب مجموعة كبيرة، كما روى عنه غيرهما من أعلام أصحابه طائفة كبيرة من الأخبار.

والشيء المهمّ أنّ الإمام أبا جعفر(ع) قد اهتمّ بفهم الحديث والوقوف على معطياته،‌ وقد جعل المقياس في فضل الراوي هو فهمه للحديث ومعرفة مضامينه، فمثلاً: يُروى عنه قوله: «اعرف منازل الشيعة على قدر رواياتهم ومعرفتهم، فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية، وبالدراية للروايات‏ يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان».

3ـ علم الكلام: إنّ عصر الإمام الباقر(ع)؛ نظراً إلى إتاحة الفرصة بسبب قلّة سيطرة السلطة الحاكمة، وفَّر الفرصة وأتاح المجال لظهور عقائد وأفكار مختلفة، مما أدّى إلى إيجاد وانتشار أفكار منحرفة في المجتمع، فكان على الإمام(ع) في هذه الظروف بيان عقائد الشيعة الأصيلة، ومجابهة العقائد الباطلة، والردّ على الشّبهات المطروحة.

وعليه كانت بحوث الإمام الكلامية التي كان يطرحها ناظرة لهذه الأمور، منها: عجز العقول عن إدراك حقيقة الله، وأزلية واجب الوجود، ووجوب طاعة الإمام(ع).

4/5ـ الفقه والتاريخ: حيث ترك لنا الإمام الباقر(ع) إرثاً كبيراً في مجالي الفقه والتأريخ.

6ـ المناظرات: وكانت من جملة النشاطات العلمية للإمام الباقر(ع) هي مناظراته مع الكثير من العلماء والمفكِّرين، بل مع الزنادقة والمنحرفين، وفي شتّى المواضيع.

7ـ التصدّي للإسرائيليات: من الفئات التي كانت موجودة آنذاك في المجتمع الإسلامي، وكان لها تأثيرٌ عميق في ثقافة المجتمع ذلك الوقت، هم اليهود. فقد انتشر في المجتمع الإسلامي آنذاك مجموعة من أحبار اليهود، الذين تظاهروا باعتناق الإسلام، ومجموعة أخرى لا زالوا على الديانة اليهودية، وقد تصدُّوا للمرجعية العلمية لطبقةٍ من بسطاء المجتمع الإسلامي.

ومن هنا برزت ضرورة الوقوف أمام اليهود وإيحاءاتهم في الثقافة الإسلامية السيئة، وتكذيب الأحاديث المجعولة من قبلهم عن أنبياء الله، وبعض ما ينقلونه مما يشوِّه سمعة الأنبياء. وقد تصدى الإمام الباقر(ع) لهم بقوّةٍ وبشكل جيد يكشف عن تعالي الإسلام وهيمنة الفكر الإسلامي على مثل هؤلاء المنحرفين ومع تلك الفرق الضالة.

خرِّيجو مدرسة الإمام الباقر(ع)، فلاسفةٌ وفقهاء ومحدِّثون

1* كان من الآخذين عن الإمام الباقر(ع) كلٌّ من: أبي حنيفة، وابن جريج، والأوزاعي، والزُّهْري، وغيرهم.

2* وقال محمد بن مسلم: سألتُه عن ثلاثين ألف حديث.

3* وقد روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة، ووجوه التابعين، ورؤساء فقهاء المسلمين.

4* إنّ الظروف المرحلية للإمامين الباقر والصادق(عما) وفَّرت لهما مجالاً لم يتوفَّر لسائر الأئمة(عم)، وهذه الظروف المناسبة كانت بسبب ضعف أساس الحكومة الأموية، فالاضطرابات الداخلية للنظام السياسي في ذلك العصر لم يسمح للحكام أن يضيِّقوا على آل الرسول(عم)، كما كان يفعله الحكّام السابقون، وهذه الأرضية المناسبة أدَّتْ إلى أن ينشر الإمامان الباقر والصادق(عما) أكثر آرائهم الفقهية والتفسيرية والأخلاقية في كتبهم الفقيهة والروائية.

ولهذا استطاع شخصٌ واحد، كمحمد بن مسلم، أن يروي عن الإمام الباقر(ع) 30000 حديث، وروى جابر الجعفي 70000 حديث.

5* ويعتقد علماء الشيعة أنّ أفقه الفقهاء في صدر الإسلام ستّة أشخاص، وكلّهم من أصحاب الإمامين الباقر والصادق(عما)، وهم: زرارة بن أعين، ومعروف بن خربوذ المكي، وأبو بصير الأسدي، وفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، وبريد بن معاوية العجلي.

6* وقد ذكر الشيخ الطوسي، في كتابه الرجال، أن أصحاب وتلامذة الإمام الباقر(ع)، الذين كانوا يروون الحديث عنه، بلغوا 462 رجلاً، وامرأتين.

7* إذن تربى في مدرسة الإمام باقر العلوم(ع) تلامذة بارزون ممتازون، ومنهم:

أبان بن تغلب بن سعيد البكري: حضر مجلس ثلاثة من الأئمة هم: السجّاد والباقر والصادق(عم). وكان أبان من أبرز الشخصيات العلمية في عصره، وكان متضلِّعاً في علم التفسير والحديث والفقه والقراءة واللغة. ولذلك أمره الإمام الباقر(ع) أن يجلس في مسجد المدينة ويفتي الناس، قائلاً: «إنني أحبّ أن يرى الناس في شيعتي مثلك». ولما بلغ الإمام الصادق(ع) نبأ وفاته قال: «أما والله لقد آلم قلبي موت أبان».

2ـ زرارة: هو من «أمناء الله على حلاله وحرامه»، كما يقول الإمام الصادق(ع)، وقال أيضاً: «بريد وزرارة ومحمد بن مسلم والأحول ـ أي مؤمن الطاق ـ هم أحبُّ الناس إليَّ أحياءً وأمواتاً». وقد كان لزرارة حظٌّ وافر من القراءة والفقه والكلام والشعر والأدب العربيين، وكانت علامات الفضيلة والتديُّن واضحة عليه.

3ـ الكُمَيْت الأسدي: كان شاعراً راقياً، وقد استخدم لسانه الطلق ونظم شعره العذب الرصين في الدفاع عن أهل البيت(عم)، ويعدّ شعره قاصماً لظهور الأعداء، وفاضحاً لقبائحهم، بحيث قد هُدِّد بالقتل مرّات عديدة من قبل الخلفاء الأمويين.

محمد بن مسلم: فقيه أهل البيت ومن الأصحاب الأوفياء للإمامين الباقر والصادق(عما). وقد جاءت امرأة في الكوفة إلى دار محمد بن مسلم ليلاً، وقالت له: لقد ماتت زوجة ولدي، وفي بطنها جنينٌ، فكيف أتصرَّف؟ قال لها محمد بن مسلم، حسب ما أمر به الإمام الباقر(ع): لا بُدَّ من شقِّ بطنها وإخراج الوليد ثم تدفن الميتة، ثمّ التفت إلى المرأة وسألها: مَنْ الذي دلَّكِ عليَّ؟ فقالت: لقد ذهبت إلى «أبي حنيفة» أستفتيه، فاعتذر عن الجواب، وأمرني بالذهاب إلى محمد بن مسلم، وقال لي: إنْ أفتاكِ بشيءٍ فأعلميني بالجواب، وفي أحد الأيام بعد هذه الحادثة رأى محمد بن مسلم أبا حنيفة في مسجد الكوفة، وهو يحدِّث أصحابه بتلك المسألة، ويحاول أن ينسب الإجابة لنفسه، فتنحنح محمد بن مسلم، معرِّضاً به، ففهم أبو حنيفة مقصوده، فقال له: «غفر الله لك، لماذا لا تتركنا نعيش».

5ـ مؤمن الطاق (محمد بن عليّ بن النعمان): كان ثقةً، متكلِّماً، حاذقاً، حاضر الجواب، له كُتب. وكان كثير العلم، حسن الخاطر، قويّ الحجّة في مناظراته والردّ على الخصوم، وله مع أبي حنيفة حكايات ومناظرات كثيرة.

10ـ المناظرات والمحاججات لمواجهة البِدَع والانحرافات

1ـ مع النصارى: عن عمرو بن عبدالله الثقفي قال: أخرج هشام بن عبد الملك أبا جعفر محمد بن عليّ(عما) من المدينة إلى الشام، وكان ينزله معه، فكان يقعد مع الناس في مجالسهم، فبينا هو قاعدٌ وعنده جماعة من الناس يسألونه، إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبلٍ هناك فقال: ما لهؤلاء القوم؟ ألهم عيدٌ اليوم؟ قالوا: لا يا بن رسول الله، ولكنهم يأتون عالماً لهم في هذا الجبل في كلّ سنةٍ في هذا اليوم، فيخرجونه ويسألونه عمّا يريدون وعمّا يكون في عامهم، قال أبو جعفر: وله علمٌ؟ فقالوا: من أعلم الناس، قد أدرك أصحاب الحواريّين من أصحاب عيسى(ع)، قال: فهلمّ أن نذهب إليه، فقالوا: ذلك إليك يا بن رسول الله، قال: فقنَّع أبو جعفر رأسه بثوبه، ومضى هو وأصحابه، فاختلطوا بالناس، حتّى أتوا الجبل، قال: فقعد أبو جعفر وسط النصارى، هو وأصحابه، فأخرج النصارى بساطاً، ثم وضعوا الوسائد، ثم دخلوا، فأخرجوه، ثم ربطوا عينيه، فقلَّب عينيه كأنَّهما عينا أفعى، ثم قصد نحو أبي جعفر(ع) فقال: له أمنّا أنت أو من الأمة المرحومة؟ فقال أبو جعفر(ع): من الأمة المرحومة، قال: أفمن علمائهم أنت أو من جهّالهم؟ قال: لستُ من جهّالهم، قال النصراني: أسألك أو تسألني؟ قال أبو جعفر(ع): سلني، فقال: يا معشر النصارى، رجلٌ من أمّة محمد يقول: سلني! إن هذا لعالمٌ بالمسائل. ثم قال: يا عبد الله، أخبرني عن ساعةٍ ماهي من الليل ولا هي من النهار، أيّ ساعة هي؟ قال أبو جعفر(ع): ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، قال النصراني: فإذا لم يكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أيّ الساعات هي؟ فقال أبو جعفر(ع): من ساعات الجنة، وفيها تُفيقُ مرضانا، فقال النصراني: أصبْتَ، فأسألك أو تسألني؟ قال أبو جعفر(ع): سلني، قال: يا معاشر النصارى، إن هذا لمليٌّ بالمسائل، أخبرني عن أهل الجنّة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوَّطون، أعطني مثله في الدنيا، فقال أبو جعفر(ع): هو هذا الجنين في بطن أمه يأكل ممّا تأكل أمه ولا يتغوَّط، قال النصراني: أصبْتَ، ألم تقل: ما أنا من علمائهم؟ قال أبو جعفر(ع): إنما قلت لك: ما أنا من جهّالهم، قال النصراني: فأسألك أو تسألني؟ فقال أبو جعفر(ع): سلني، قال: يا معشر النصارى، والله لأسألنَّه يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوَحْل، فقال: اسأل، قال: أخبرني عن رجلٍ دنا من امرأته فحملت بابنين جميعاً، حملتهما في ساعةٍ واحدة وماتا في ساعة واحدة، ودفنا في ساعة واحدة في قبرٍ واحد، فعاش أحدهما خمسين ومائة سنة، وعاش الآخر خمسين سنة، مَنْ هما؟ قال أبو جعفر(ع): هما عزير وعزرة، كان حمل أمهما ما وصفت، ووضعتهما على ما وصفت، وعاش عزرة وعزير، فعاش عزرة وعزير ثلاثين سنة، ثم أمات الله عزيراً مائة سنة وبقي عزرة حيّاً، ثم بعث الله عزيراً، فعاش مع عزرة عشرين سنة، قال النصراني: يا معشر النصارى، ما رأيت أحداً قطّ أعلم من هذا الرجل، لا تسألوني عن حرفٍ وهذا بالشام، ردّوني، فردّوه إلى كهفه، ورجع النصارى مع أبي جعفر(ع)([4]).

2ـ مع عمرو بن عبيد (شيخ المعتزلة وزعيمها الروحي): التقى بالإمام أبي جعفر(ع) وكان قد قصد امتحانه واختباره فوجَّه له السؤال التالي: جعلت فداك، ما معنى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَر الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا؟ قال(ع): كانت السماء رتقاً لا تنزل القطر، وكانت الأرض فتقاً لا تخرج النبات. فأفحم عمرو، ولم يطِقْ جواباً، وخرج من المجلس. ثم عاد إليه، وقال للإمام: جعلت فداك، أخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى، ما معنى غضب الله؟ قال(ع): غضب الله عقابه، ومَنْ قال: إن الله يغيِّره شيءٌ فقد كفر.

11ـ الذاكر العابد، وطالب الرزق الحلال

1* كتب الذهبي في وصف الإمام الباقر(ع) قائلاً: «كان الباقر أحد مَنْ جمع بين العلم والعمل والسؤود والشرف والثقة والرزانة، وكان أهلاً للخلافة».

2* ويقول ابن حجر الهيثمي في صواعقه: «عمّر الإمام(ع) أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوخ في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين».

3* وقد كان الإمام الباقر(ع) زاهداً عابداً.

4* يقول الرواة: إنه كان كثير الصلاة، كثير الدعاء، كان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة.

5* ويقول المؤرخون: إنه كان دائم الذكر لله، يلهج بذكر الله في أكثر أوقاته، يمشي ويذكر الله، ويتحدَّث مع الناس ويذكر الله، ولا يشغله عن ذكره تعالى أيّ شاغل. وكان يجمع ولده ويأمرهم بذكر الله حتّى تطلع الشمس، كما كان يأمرهم بقراءة القرآن، ومَنْ لا يقرأ منهم أمره بذكر الله.

6* وكان أبو جعفر(ع) يناجي الله تعالى في غلس الليل البهيم، وكان ممّا قاله في مناجاته: «أمرتني فلم أَأْتمر، وزجرتني فلم أنزجر، ها أنا ذا عبدك بين يديك».

7* وكان الإمام الباقر(ع) إذا حجَّ البيت الحرام انقطع إلى الله تعالى، وظهر عليه الخشوع والطاعة، وأناب نفسه كليّاً إلى ربّ العالمين.

8* وروى الشيخ المفيد وغيره عن الإمام الصادق(ع) أنّه قال: إنّ محمّد بن المنكدر كان يقول: ما كنتُ أرى مثل عليّ بن الحسين(عما) يَدَع خَلَفاً؛ لفضل عليّ بن الحسين(عما)، حتّى رأيتُ ابنه محمد بن عليّ، فأردْتُ أن أعظه فوعظني، فقال له أصحابه: بأيِّ شيءٍ وعظك؟ قال: خرجتُ إلى بعض نواحي المدينة في ساعةٍ حارّة، فلقيت محمد بن عليٍّ(عما)، وكان رجلاً بديناً، وهو متكئ على غلامين له أسودين، أو موليين له، فقلتُ في نفسي: شيخٌ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا! لأعظنَّه، فدنوْتُ منه، فسلَّمْتُ عليه، فسلَّم عليَّ بنهرٍ، وقد تصبَّب عَرَقاً، فقلتُ: أصلحك الله، شيخٌ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال! قال: فخلّى عن الغلامين من يده، ثم تساند، وقال: لو جاءني ـ واللهِ ـ الموتُ وأنا في هذه الحال جاءني وأنا في طاعةٍ من طاعات الله، أكفُّ بها نفسي عنك وعن الناس، وإنَّما كنتُ أخاف لو جاءني وأنا على معصيةٍ من معاصي الله، فقلتُ: يرحمك الله، أردْتُ أن أعظك فوعظتني.

12ـ بعضٌ من أقواله، دستورٌ أخلاقيّ عامّ

1ـ «أيّها الناس، أين تذهبون؟ وأين يُراد بكم؟ بنا هدى الله أوّلكم، وبنا ختم آخركم، فإنْ يكن لكم ملك معجّل فإنّ لنا ملكاً مؤجّلاً، وليس بعد ملكنا ملكٌ، لأنّا أهل العاقبة، يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾».

2ـ «يا ذي الهيئة المعجبة، والهيم المعطنة، ما لي أراكم أجسامكم عامرة، وقلوبكم دامرة، أمّا والله لو عاينتم ما أنتم ملاقوه، وأنتم إليه صائرون، لقلتم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾».

3ـ أوصيك بخمس: إنْ ظُلمت فلا تَظلم، وإنْ خانوك فلا تخُنْ، وإنْ كُذِّبت فلا تغضب، وإنْ مُدحت فلا تفرح، وإنْ ذُممت فلا تجزع. وفكِّرْ في ما قيل فيك، فإنْ عرفتَ من نفسك ما قيل فيك فسقوطك من عين الله جلَّ وعزَّ عند غضبك من الحقّ أعظم عليك مصيبة ممّا خفْتَ من سقوطك من أعين الناس، وإنْ كنت على خلاف ما قيل فيك فثوابٌ اكتسبتَه من غير أن يتعب بدنك».

 4ـ «الكمال كلّ الكمال التفقُّه في الدين، و الصبر على النائبة، و تقدير المعيشة».

5ـ «إيّاك و الكسل و الضَّجَر، فإنهما مفتاح كلّ شرٍّ. مَنْ كسل لم يؤدِّ حقّاً، ومَنْ ضجر لم يصبر على حقٍّ».

6ـ «إن المؤمن أخ المؤمن لا يشتمه ولا يحرمه ولا يسي‏ء به الظنّ».

7ـ «أفضل العبادة عفّة البطن والفرج».

8ـ «إن الله يحبّ إفشاء السلام».

9ـ «صلة الأرحام تزكّي الأعمال، وتنمّي الأحوال، وتدفع البلوى، وتيسِّر الحساب، وتنسئ في الأجل».

10ـ «بئس العبد أن يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه في الله شاهداً، ويأكله غائباً، إنْ أُعطي حسده، وإنْ ابتُلي خذله».

11ـ «يا جابر، بلِّغ شيعتي عني السلام، وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله عزَّ وجلَّ، ولا يُتقرَّب إليه إلاّ بالطاعة له. يا جابر، مَنْ أطاع الله وأحبَّنا فهو وليُّنا، ومَنْ عصى الله لم ينفعه حبُّنا».

12ـ «ثلاث لم يجعل الله لأحدٍ فيهنّ رخصة: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين».

13ـ «أقسم بالله، وهو حقٌّ، ما فتح رجلٌ على نفسه باب المسألة إلاّ فتح الله عليه باب فقر».

14ـ «الجنة محرَّمة على الفتّانين المشّائين بالنميمة».

15ـ «الحكمة ضالة المؤمن، فحيثما وجد أحدُكم ضالَّته فليأخذها».

13ـ وفاته أو شهادته [بناءً على أنّه ما منّا إلاّ مسموم أو مقتول)

1* توفّي الإمام الباقر(ع) في عهد الخليفة الأمويّ هشام بن عبدالملك، سنة 114هـ، مسموماً، حَسْب الروايات الشيعية، وكان عمره 56 سنة.

وقيل: إنه سُمَّ على يد إبراهيم بن الوليد، الذي أصبح خليفةً فيما بعد.

وقيل: دَسَّ إليه السمّ زيد بن الحسن، الذي كان يكنّ للإمام(ع) حقداً دفيناً.

2* ولكنّ مؤرِّخي أهل السُّنَّة ينكرون ذلك.

3* وقضيّة دسّ السمّ ليس لها مستندٌ تاريخيّ قويّ، فما لم يثبت الحديث القائل: «ما منّا إلاّ مسمومٌ أو مقتولٌ»([5]) ـ وهو ضعيف السند، ولم يُرْوَ إلاّ متأخِّراً (في أواخر القرن الرابع الهجري) ـ لا نطمئنّ بحصول ذلك. وقد قال الشيخ المفيد(ر): «فأما ما ذكره أبو جعفر(ر) [ويقصد الصدوق] من مضي نبيّنا والأئمة(عم) بالسمّ والقتل، فمنه ما ثبت، ومنه ما لم يثبت، والمقطوع به أن أمير المؤمنين والحسن والحسين(عم) خرجوا من الدنيا بالقتل، ولم يمُتْ أحدهم حتف أنفه، وممَّنْ مضى بعدهم مسموماً موسى بن جعفر(ع)، ويقوى في النفس أمر الرضا(ع)، وإنْ كان فيه شكٌّ، فلا طريق إلى الحكم في مَنْ عداهم بأنهم سُمّوا أو اغتيلوا صبراً، فالخبر بذلك يجري مجرى الإرجاف، وليس إلى تيقُّنه سبيل»([6]).

**********

الهوامش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) فقد روى الطوسي في الأمالي: 298، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى الفحّام السرّ مَنْ رائي، عن المنصوري، عن عمّ أبيه، قال: حدَّثني الإمام عليّ بن محمد(عما)، بإسناده عن الباقر(ع)، عن جابر قال: كنث أماشي أمير المؤمنين(ع) على الفرات، إذ خرجت موجةٌ عظيمة فغطَّته حتّى استتر عنّي، ثم انحسرت عنه ولا رطوبة عليه، فوجمْتُ لذلك وتعجَّبت، وسألته عنه، فقال: ورأيت ذلك؟ قال: قلت: نعم، قال: إنما الملك الموكل بالماء خرج فسلَّم عليَّ واعتنقني.

وبهذا الإسناد، قال: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع): سمعت النبيّ(ص) يقول: إذا حشر الناس يوم القيامة نادى منادٍ: يا رسول الله، إن الله جلَّ اسمُه قد أمكنك من مجازاة محبّيك ومحبّي أهل بيتك، الموالين لهم فيك، والمعادين لهم فيك، فكافئهم بما شئْتَ، فأقول: يا ربّ الجنّة. فأنادى: فولِّهم منها حيث شئت، فذلك المقام المحمود الذي وُعدْتُ به.

وروى الطوسي في (الأمالي: 337) قال: أخبرنا ابن الصلت قال: أخبرنا ابن عقدة قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك قال: حدَّثنا هارون بن عيسى قال: حدَّثنا جعفر بن محمد بن عليّ بن جعفر بن محمد قال: حدَّثني أبي قال: أخبرني عليّ بن موسى، عن أبيه، عن أبي عبد الله، عن أبيه(ع)، عن جابر بن عبد الله [الأنصاري]، مرفوعاً: «كلّ بِدْعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار».

([2]) فقد روى الكليني في (الكافي 1: 469 ـ 470)، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله(ع)، قال: إنّ جابر بن عبد الله الأنصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله، وكان رجلاً منقطعاً إلينا أهل البيت، وكان يقعد في مسجد رسول الله(ص)، وهو معتجرٌ بعمامة سوداء، وكان ينادي: يا باقر العلم، يا باقر العلم، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا والله، ما أهجر، ولكنّي سمعت رسول الله(ص) يقول: «إنك ستدرك رجلاً منّي، اسمه اسمي، وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقراً»، فذاك الذي دعاني إلى ما أقول، قال: فبينا جابر يتردَّد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذ مرَّ بطريق في ذاك الطريق كُتَّاب فيه محمد بن عليّ، فلمّا نظر إليه قال: يا غلام، أقبِلْ، فأقبل، ثم قال له: أدبِرْ، فأدبر، ثم قال: شمائل رسول الله(ص) والذي نفسي بيده، يا غلام، ما اسمك؟ قال: اسمي محمد بن عليّ بن الحسين، فأقبل عليه يقبِّل رأسه ويقول: بأبي أنت وأمي، أبوك رسول الله(ص) يقرئك السلام، ويقول ذلك، قال: فرجع محمد بن عليّ بن الحسين إلى أبيه، وهو ذعرٌ، فأخبره الخبر، فقال له: يا بنيّ، وقد فعلها جابر، قال: نعم، قال: الزم بيتك يا بنيّ، فكان جابر يأتيه طرفي النهار، وكان أهل المدينة يقولون: واعجباه لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار، وهو آخر مَنْ بقي من أصحاب رسول الله(ص)، فلم يلبث أن مضى عليّ بن الحسين(عما) فكان محمد بن علي يأتيه على وجه الكرامة؛ لصحبته لرسول الله(ص)، قال: فجلس(ع) يحدّثهم عن الله تبارك وتعالى، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً أجرأ من هذا، فلمّا رأى ما يقولون حدّثهم عن رسول الله(ص)، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً قطّ أكذب من هذا، يحدَّثنا عمَّنْ لم يرَهُ، فلمّا رأى ما يقولون حدَّثهم عن جابر بن عبد الله، قال: فصدَّقوه، وكان جابر بن عبد الله يأتيه فيتعلَّم منه.

([3]) روى الصدوق في علل الشرائع 1: 233 ـ 234، قال: حدَّثنا أبو العبّاس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني, قال: حدَّثنا عبد العزيز بن يحيى البصري بالبصرة قال: حدَّثني المغيرة بن محمد قال: حدَّثنا رجاء بن سلمة، عن عمرو بن شمر قال: سألتُ جابر بن يزيد الجعفي، فقلتُ له: لِمَ سُمِّي الباقر باقراً؟ قال: لأنه بقر العلم بقراً ـ أي شقّه شقّاً وأظهره إظهاراً. ولقد حدَّثني جابر بن عبد الله الأنصاري أنه سمع رسول الله(ص) يقول: يا جابر، إنك ستبقى حتّى تلقى ولدي محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، المعروف في التوراة بـ (باقر)، فاذا لقيته فأقرئه منّي السلام، فلقيه جابر بن عبد الله الأنصاري في بعض سكك المدينة، فقال له: يا غلام، مَنْ أنت؟ قال: أنا محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال له جابر: يا بنيّ، أقبِلْ فأقبل، ثمّ قال له: أدبِرْ فأدبر، فقال: شمائل رسول الله وربّ الكعبة، ثم قال: يا بنيّ، رسول الله يقرئك السلام، فقال: على رسول الله(ص) السلام ما دامت السماوات والأرض، وعليك يا جابر بما بلَّغت السلام، فقال له جابر: يا باقر، أنت الباقر حقّاً، أنت الذي تبقر العلم بقراً، ثم كان جابر يأتيه فيجلس بين يديه فيعلِّمه، وربما غلط جابر في ما يحدِّث به عن رسول الله(ص) فيردّ عليه ويذكِّره، فيقبل ذلك منه، ويرجع إلى قوله، وكان يقول: يا باقر يا باقر يا باقر، أشهد بالله أنك قد أوتيت الحكم صبيّاً.

وروى الكليني في الكافي 1: 469، عن عدّةٍ من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله(ع) قال: إن جابر بن عبد الله الأنصاري كان آخر مَنْ بقي من أصحاب رسول الله، وكان رجلاً منقطعاً إلينا أهل البيت، وكان يقعد في مسجد رسول الله(ص)، وهو معتجرٌ بعمامةٍ سوداء، وكان ينادي: يا باقر العلم، يا باقر العلم، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا واللهِ ما أهجر، ولكنّي سمعتُ رسول الله(ص) يقول: إنك ستدرك رجلاً منّي، اسمه اسمي، وشمائله شمائلي، يبقر العلم بَقْراً، فذاك الذي دعاني إلى ما أقول…، الحديث.

([4]) رواه الكليني في الكافي 8: 122 ـ 123، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن أبان، عن عمر بن عبد الله الثقفي…، الحديث.

([5]) رواه عليّ بن محمد الخزّاز القمي في كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر: 160 ـ 162، فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن سعيد الخزاعي قال: حدَّثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي قال: حدَّثنا محمد بن زكريا الغلابي قال: حدَّثنا عتبة بن الضحاك، عن هشام بن محمد، عن أبيه قال: لمّا قتل أمير المؤمنين(ع) رقى الحسن بن عليّ(عما)، فأراد الكلام، فخنقته العبرة، فقعد ساعةً، ثم قام، فقال: «الحمد لله الذي كان في أوّليته وحدانيّاً…، ولقد حدَّثني جدّي رسول الله(ص) أن الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من أهل بيته وصفوته، ما منّا إلاّ مقتولٌ أو مسموم…، الحديث».

ورواه الخزّاز القمّي أيضاً في كفاية الأثر: 226 ـ 227، فقال: حدَّثني محمد بن وهبان البصري قال: حدَّثني داوود بن الهيثم بن إسحاق النحوي قال: حدَّثني جدّي إسحاق بن البهلول بن حسان قال: حدَّثني طلحة بن زيد الرقي، عن الزبير بن عطا، عن عمير بن هاني العيسى، عن جنادة بن أبي أميد [أميّة] قال: دخلت على الحسن بن عليّ(عما) في مرضه الذي توفّي فيه، وبين يدَيْه طشت يقذف فيه الدم، ويخرج كبده قطعة قطعة من السمّ، الذي أسقاه معاوية لعنه الله، فقلتُ: يا مولاي، ما لك لا تعالج نفسك؟ فقال: يا عبد الله، بماذا أعالج الموت؟ قلتُ: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم التفت إليَّ وقال: «والله إنه لعهدٌ عهده إلينا رسول الله(ص) أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد عليٍّ(ع) وفاطمة(عا)، ما منّا إلاّ مسمومٌ أو مقتول…، الحديث».

([6]) المفيد، تصحيح اعتقادات الإمامية: 131 ـ 132.



أكتب تعليقك